القصة القصيرة

رعبٌ في المقابر

لم يكد يصدق أنه وصل إلى البيت سالمًا، ظلت أسنانه تصطك، وركبتاه ترتعشان، والقشعريرة تسري في أوصاله؛ من شعر رأسه حتى أخمص قدميه، والعرق البارد يتصبب من جبينه، من بين حروفه المتقطعة وأنفاسه اللاهثة، فهمت زوجته المذعورة أنه رأى عفريتًا!
لم تدرِ المسكينة ماذا تفعل، دثرته بالأغطية، وأحضرت الموقد وأطلقت البخور، وأخذت تتمتم بما حضرها من أدعية؛ راجية أن يصرف الله عن زوجها الطيب أذى الإنس والجن، هدأ قليلًا فأخبرها أنه كان يفلح أرضه المتاخمة لمقابر القرية، ولم يشعر بدخول الغروب، وقد كان ينوي المبيت في هذه الليلة القمرية؛ ليبادر بري الأرض قبل الآخرين، حين أحس حركة غريبة، التفت فلم ير شيئًا، وتكرر الأمر فتوقف عن العمل، وشخص ببصره ناحية المقابر؛ لتصطدم عيناه برأس يطل من المقبرة ثم يتوارى. ظن نفسه يتوهم من فرط الإجهاد، وفرك عينيه ثم فتحهما على نفس المنظر، وهنا رمى الفأس من يده وأطلق ساقيه للريح صوب المنزل.
عاودته الرعشة وارتفعت حرارته، فألقت على رأسها غطاءً، وأسرعت تستنجد بجارتها، ليستدعي أحد أبنائها الطبيب، في غمرة ذهولها لم تنتبه إلى تأخر الوقت، تعجبت من الباب المفتوح والأسرة كلها نائمة، ظلت تنادي حتى هبت الجارة فزعة، وأسرعت تتفقد أبناءها ثم أعلنت بالصياح!
الجارة الأرملة توفي زوجها منذ شهور، وعقب وفاته انتابت الابن الأكبر حالة نفسية ظلت تزداد سوءًا حتى ترك العمل واعتزل الناس، وبات يختفي ليالي طوالًا يهيم فيها على وجهه، حتى يأتي به بعض معارف أبيه مرة من أقصى الحقول المترامية، وأخرى من الجبل المتاخم، وثالثة من المقبرة المدفون فيها والده، فلما أعيتهم الحيلة؛ أمروها ألا تبيت حتى تغلق الباب، وتخفي المفتاح.
هذه الليلة ظلت تمسح وتغسل وتخبز، حتى أنهكها التعب، وداهمها النوم؛ فتسلل الفتى إلى مكانه المحبب، أسرع أهل القرية بالمشاعل، حتى أتوا به من المقبرة، وطمأنوا الجار الذي كان على شفير الموت من شدة الصدمة.
أحمد عبد السلام – مصر

السابق
غيرة
التالي
ليلة ساخنة

اترك تعليقاً

*