القصة القصيرة

رعشةُ الوهم

رقدت الجميلة وحيدة بكامل أناقتها متيبسة الأطراف. العينان ملؤهما الفزع، الشفتان زرقاوان، الوجه ممتقع. بجوارها ورقة بخطها تتضمن كلماتٍ معدودات.
وسط هتافات الترحيب والتصفيق الحار، اختتمت خبيرة التنمية البشرية الشابة برنامجها التدريبي الناجح، عن تأثير بيئة العمل ومدى علاقتها بالإنتاج. بجرأة محارب ساموراي أدخلت يدها في عُش الدبابير العتيق. تخطّت خطوطًا حمراء ما كان لها أن تقترب منها. فتحت ملفاتٍ مسكوتًا عنها من سنين طويلة. رعدت أنوفٌ شُم. احمرّت وجوه وامتقعت أخرى. قرع البعض سِنّ الندم وعضوا البنان، أن تركوا لها الحبل على الغارب، وأتاحوا لها الفرصة لكشف الأستار وتعريتهم على الملأ.
بإشارة إصبع آثمة، بدأ يتخلل المحاضرة بضع انقطاعات للتيار الكهربي. تدارك المولّد الاحتياطي الموقف عدة مرات. بين الحين والحين تعالت أصوات مُعارِضة، لكنّ الخبيرة استرسلت في تؤدة وتصميم، بثقة جراح جهبذ يعرف أين يضع مِبضعه. أنصتوا لها واجمين، كأنّ على رؤوسهم الطير، وهي تشرح معاني الانتماء والولاء، وغياب المحاسبة، وعدم وضوح خطوط السلطة، وتنازع الاختصاصات، وعوامل ازدهار وتدهور المؤسسات.
ضربت أمثلة لأسماء عالمية لمعت في سماء الاقتصاد الدولي، وأخرى خبا نجمها وذبلت بعد نجاحات طويلة. ثم اختتمت بأحدث أبحاثها في علم النفس الصناعي عن المرض والتمارض وتوقفت طويلًا عند أوهام النفس القاتلة. كيف تستولي على العقل فيقُتنع صاحبه أنه عليل رغم أنه ليس به بأس، ويبدأ الجسد في الاستجابة للمرض المتوهَّم. بينما يحار الأطباء في تحديد سبب مرضه، وتفشل العلاجات التقليدية في شفائه. عند كل مثال كانت الأفكار السوداء تتسابق إلى رؤوسهم، لتتحول إلى أمثلة تطبيقية عملية في محيط شركتهم، تدين هذا وذاك.
انقطع التيار فجأة وأبى هذه المرة أن يعود. بدوره أسلم مولد الكهرباء الروح واعتزل العمل مخلفًا كتلة حديدية باردة وظلامًا دامسًا. ساد هرج ومرج شديدين، وانتشر لغط وتدافُع، ليختلط الحابل بالنابل. هرع الفنيون لإعادة التيار الآبق قبل أن يستفحل الأمر وتحلّ كارثة لا تُحمد عقباها.
في غمرة الاضطراب اختفت الخبيرة كأنما خطفتها الطير. لم يُسفر البحث المضني عنها عن جديد، كأنها تبخرت في الهواء، أو ذابت كالملح في الماء. بعد ساعات وقف الطبيب الشرعي في غرفة المبرد الكبير يقرأ سطورالورقة المُلقاة بجوار الجثة. وجد الخبيرة قد سجلت مشاعرها منذ إفاقتها في هذا المكان بعد اختطافها من القاعة: صداع شديد. وحشة قاتلة. برودة تزحف من كل مكان. عجز عن الوقوف. رعشة واصطكاك أسنان. إغماء مؤقت. تشوّش ذاكرة. فقدان تركيز. انعدام إحساس بالأطراف.
بُهت الجميع حين أعلن مدير الشركة، أنَّ المبرد المهجور معطل، وخارج الخدمة منذ شهور.

السابق
صدمة حب
التالي
ديدن

اترك تعليقاً

*