القصة القصيرة جدا

رقم مكرر

استوقفني من بين الفيضان البشري المتدفق،أحمر الوجه مرقط اليدين والأذنين،بأصبعين يتيمين مد يده وسلم علي.
تفرس في وجهي وضحك،وصاح بصوت عال ونهرني: مالك يا أستاذ ألم تعرفني؟
وأنا المثقل بكل هموم الأرض ،أمشي وأفكر بصوت عال ،إذ يستطيع كل من يمشي خلفي أن يشاركني أسراري وآمالي.
أي ذاكرة خرقاء أملك ؟أي جحر من دماغي نقش هذا الرسم، وسجل هذا الصوت؟
لا بد أنه يعرفني جيدا ،انزويت مذهولا على قارعة الطريق، ورحت أضرب أخماسا في أسداس ،لقد فشلت ذاكرتي المثقوبة أن تتعرف الى الرسم، ولا الى الصوت ،بدا أنني أشاهده للمرة الأولى.
استطرد قائلا:تذكر
قبل أربعة وأربعين عاما،استرحت قليلا، فقد أصبت أنني حقا لا أعرفه ،فذاكرتي يصعب عليها الرجوع الى أربعة وأربعين يوما، وفي حالات لا تقوى على استرجاع هذا العدد بالأيام او الساعات او الدقائق أو حتى الثواني ،فكثيرا ما أشترى وأنسى أنني أخذت أو دفعت باقي معاملة تجارية، خلال أقل من أربع وأربعين ثانية.
قبل أربعة وأربعين عاما، لقد كان جار لنا، من القرى المهجرة ، وعمل معنا في الزيتون ،ورعى الغنم مع ابن عمي وآخرين، وانفجرت قنبلة قديمة، وهم يجمعون النحاس في المنطقة الحدودية مع العدو،لقد حرك الإصبعين القزمين في طرف يده التي أصيبت ،
فرجعت أقبله الآن ،لقد أنعش ذاكرتي الكسلى.
وذكرني بحكاية أخرى، حكاية أم الأربعة والأربعين التي لدغتني قبل أربعة وأربعين عاما،
وكان بجواري صبية فقالوا: مسكين ،سيموت بعد أربع وأربعين ساعةأويوما أو اسبوعا او شهرا.
لكنني بعد أربعة وأربعين عاما لا زلت على قيد الحياة،ومات غفر كثير ممن تنبأوا بموتي، قبل الفترة الزمنية هذه، أما أنا فما زلت حيا أرزق، كما هو صاحبنا، الذي استوقفني من بين طوفان المشاة، وراح ينبش طوفانا آخر من أخبارالأموات والأحياء.
لقد أثار أشجانا وإحنا نسيتها ، واستحضرها اللحظة هذه أين ذهبت هموم الأرض التي كانت تثقل كاهلي؟
رجعت الى البيت أجر أذيال الخيبة ،فالمؤسسة التي كنت أنوي مراجعتها أقفلت أبوابها، لأني بالأصل كنت متأخرا ، وقد خطفني من شرودي، وأدخلني في زمن ممتد ، طال ليغوص بذاكرتي المثقوبة أربعة وأربعين عاما.

السابق
رسام
التالي
أسوار الصمت

اترك تعليقاً

*