القصة القصيرة

ركودٌ

بعد إحالتنا إلى الاستيداع، جلسنا نتبادل التثاؤب أنا والهرة العجوز والسلحفاة المعمرة.. تذكرت أيام كانت هذه الهرة لا تكف عن الحركة والمشاغبة، وكيف كانت تنغص على السلحفاة صفوها، وتمنعها من إبراز رأسها أو أطرافها من صدفتها، قبل أن تركن إلى الدعة والكسل بعد أن رأت أحفاد أحفادها، ليل الشتاء أطول من نهر النيل، في شرفتي بالدور الأول من البيت الشعبي، رحت أرقب مطاردة هزلية بين عِرسة رشيقة وقطة شوارع سمينة، تنطلق الأولى واثقة الخطى، تسرع حينًا وتبطيء حينًا، ثم تتوقف وتلتفت كأنها تقيس المسافة بينهما ثم تستأنف العدو، والأخرى في إثرها ترقص على إيقاعها، ولا تخرج على النص، تحافظ على مسافة ثابتة بينهما، كأنها تنفذ اتفاقًا غير معلن من باب (طُخَّه بس ما تقتلوش يا بوي).
تحت سلسلة البيوت الممتدة على جانبي الشارع، تقبع مجموعة ورش نجارة وحدادة، ومحلات متنوعة الأنشطة، تتنقل بينها العِرس في مرح وخفة، ويمتد العمل فيها إلى ساعة متأخرة من الليل، دون مراعاة لمريض أو نائم، أو طالب علم ينشد الهدوء ويفتقد التركيز، نداءات الباعة الجائلين تصم الآذان، وقد ابتكروا وسائل حديثة لاختراق الأبواب المغلقة، من خلال ميكروفونات يدوية تعمل بالبطاريات الجافة، يعزفون عليها أبشع السيمفونيات الدعائية، بحناجرهم التي انتهت صلاحيتها بعد أن أتلفها التدخين، فصارت تُخرج أصواتًا نشازًا، تضاهي في ضجيجها شكمانات السيارات الخربة.
تحتي مباشرة تقع ورشة “المعلم يوسف النجار” وقد رزقنا الله جواره ورزقه جوارنا، فما كنا لنشكو من الدق والنشر، ورائحة الغراء التي اعتدنا عليها، وبدوره ما كان غيره ليتحمل وقع أقدام العفاريت الصغار، في لهوهم الذي لا يتوقف من حجرة لأخرى، وتحريكهم للكراسي ولعب الكرة في أي ساعة من ليل أو نهار.
في البداية كنا لا نذوق النوم من شدة الضجيج، ثم اعتدنا عليه حتى إننا لم نعد ننام ملء جفوننا، إلا على عزف الصواريخ والمناشير، وإيقاع الشواكيش والفارات، وصخب العمال ومزاحهم الثقيل. فإذا كان يوم عطلة استعصى علينا الكرى وبتنا ليلتنا ساهرين.
ولقد كنت أملي عيني بالنقوش العجيبة للأبواب الأثرية الضخمة، التي تخصصت الورشة في ترميمها بمهارة مذهلة، فتعيدها سيرتها الأولى، مملوكية النكهة أو إسلامية النجعة.
من عشرين عامًا طلبت من “المعلم” أن يصنع لي غرفة نوم وسفرة، محذرًا إياه أنَّ حرمنا المصون دمياطية النشأة، ولدى عائلتها معارض موبيليا شهيرة، فلم يهتزَّ له جفن، وطلب مبلغًا باهظًا وقال لي:
– ( قد لا يعرف شغلي أحدٌ هنا، ولكن اسأل عني في المهندسين والزمالك والساحل الشمالي).
ورغم توجسي منه، إلا أنه أثبت تميزًا وأمانة نادرين، وصنع لنا ما يضارع شغل دمياط ذوقًا ومتانة. ظل العمل بالورشة دائرًا على قدم وساق والزبائن يتوافدون على شارعنا المتواضع فيسدونه بسياراتهم الفارهة من فئة المرسيدس والبي إم دبليو، والهاتف لا يكف عن الرنين، والطلبيات تُنجز وتُحمَّل على سيارات نقل مخصوصة.
إلى أن جاءت أيام عصيبة، أوصدت الورشة فيها أبوابها، ومن حين لآخر يأتي من يعاينها ويساوم صاحبها على بيعها، لكن الرجل قاوم واستعصم ولم يرفع الراية البيضاء، غير أن المد كان عاليًا، فتراكمت عليه الديون، وتحول الصناع المهرة إلى ورش أخرى تدفع لهم يومياتهم بانتظام، وجلس رجل غريبٌ على كرسي المعلم، وعادت الورشة تهدر من جديد.
العجيب أننا صرنا نضجر من صوت الآلات والعمال، ونختنق برائحة النشارة والغراء، ونصرخ في الأطفال ليكفوا عن إزعاج الجار الجديد.
سافرنا حوالي العام، وحين عدنا خُيل إليَّ أنَّ كل شيء كما هو، ومن شرفتي حانت مني التفاتة لأسفل، فوجدت الورشة مغلقة، والغريب يجلس على كرسي المعلم يوسف، تكركر الشيشة بين يديه، وهو يشاركني متابعة مباراة القطة والعِرسة.

السابق
من يدري ما السبب
التالي
دين

اترك تعليقاً

*