قراءات

رمزية الشخوص في القص التاريخي “قلبان في القفص”

للكاتبة نجاة قيشو

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

العتبة النصية:(قلبان في القفص)
وهي جملة إسمية الصدر فعلية العجز على التقدير ,إضافة إلى أنها من حيث بيانها خبرية مثبتة ,ومن حيث محمولها الدلالي “إسناد مجازي ” وهو ضرب من المجاز العقلي كما اسماه البلاغيون العرب .وقد عرفه الجرجاني بقوله :(كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها,عن موضوعه في العقل ,لضرب من التأول …)أو كما هو عند القزويني :(إسناد الفعل او معناه إلى ملابس له ,غير ما هو له بتأول…)
والصدر في الجملة “قلبان ” لفظ على التثنية لمفرده قلب,مبتدأ عند النحويين ,وعند المناطقة :موضوع وعند الأصوليين محكوم عليه …والقلب عادة واصطلاحا :عضو عضلي أجوف وظيفته ضخ الدم إلى سائر الجسد …وهو عند سقراط في تشبيهه لأجزاء الدولة واسطة بين الرأس =وفيه العقل، وفضيلته هي الحكمة // البطن = وفيه الشهوات، وفضيلته هي الاعتدال // وواسطتهما القلب = وفيه العاطفة، وفضيلته هي الشجاعة ….كما أن العاطفة عند الفلاسفة واسطة
مصادر تصرفات الإنسان :
• الشهوة: وهؤلاء يحبون طلب المال والظهور والنزاع، وهم رجال الصناعة والتجارة والمال.
• العاطفة: وهؤلاء يحبون الشجاعة والنصر وساحات الحرب والقتال، وهم من رجال الجيش.
• العقل: وهؤلاء أقلية صغيرة تهتم بالتأمل والفهم، بعيدون عن الدنيا وأطماعها، هؤلاء هم الرجال المؤهلون للحكم، والذين لم تفسدهم الدنيا
و”في القفص ” شبه جملة لفظا , جملة فعلية على التقدير :(قلبان حبسا في القفص ) والإسناد فيها مجازي وليس حقيقي على اعتبار ان “الحبس ” لم يُسندْ إلى الكائن الحي الذي هو مخصوص بالحبس . بل تجوزه السارد(ة) إلى ملابسه “القلبان ” وقرينة تأوله –الإسناد – داب وصف العرب وتسميته بجزئه كقولهم “راس” للإنسان ….وهنا تتجلى إفادة العتبة لإثبات حبس شخصين في القفص …

مقاربة النص:
يرى الكثير من الدارسين إلى الرواية التاريخية ,وتحت جناحها القصة التاريخية ,مهما سعت إلى تمثل الماضي واسترجاعه ,تظل على صلة بالحاضر على أساس أن frown رمز تعبيري التاريخ هو رواية ما كان ، والرواية تاريخ ما كان يمكن أن يكون) ..وهذا أيضا ما ذهبت إليه ليندا هتشيون ،من أن التاريخ والقص نوعان منفتحان ، ففي مراحل كثيرة ضم كل ّمنهما تحت حدوده المرنة ، أشكالاً أخرى من الكتابة مثل قصص الرحلات والسير ..وحديثا (منذ بداية القرن 18)أصبحت مساحة التوثر والانسجام بين الكتابتين في علاقة الأخلاق ( لا الحقائق ) بالحقيقة في السرد .ومثلما كان التداخل بين الرواية والتاريخ ، حادث بسبب المفاهيم المحدِّدة لكل نوعٍ على حدة ، فالتاريخ في شكل من أشكاله ” نوع ” من ” الرواية ” لأحداث وقعت في الماضي ، و نمط من ” الحكاية ” عن الأشخاص والظواهر الاجتماعية بكل تجلياتها الثقافية والاقتصادية والسياسية “، وفي الجانب المقابل الرواية ” تسجيل تاريخي – سلبي أو إيجابي – لظواهر اجتماعية تحمل دلالات متنوعة ، يُسَجِّلُها الروائي ، أو يجنح عليها ، أو يريد إصلاحها ، أو يُحَمِّلُها رسالته وهدفه الذي يريد للقراء أن ينتبهوا
له) / قاسم عبده قاسم : التاريخ والرواية : تفاضل أم تكامل ” /
والقصة التي بين أيدينا مسرودة اختارت كاتبتها فضاء تاريخيا لاحتواء أحداثها التي يقوم بها شخوص تاريخيون, أصبحوا رموزا بطولية أججت وأثرت المحكي المجتمعي (منطوقه ومكتوبه ):
إميلي : وهو حسب “قاموس معاني الأسماء “اسم علم مؤنث قوطي الأصل:
معناه: الكادحة، المجدَّة. ومعناه اللاتيني: المُطْرية، الرابحة. ويلفظ كذلك: إميليا، إملين، إميلدا، ومذكره إميل …والقوط : قبائل جرمانية شرقية ,يرجح انهم قدموا من اسكندنافيا إلى جنوب وشرق أوروبا ,وكان لهم تأثير قوي في تاريخها السياسي والثقافي والديني …
عمر: اسم علم مذكر عربي محبَّب إلى المسلمين والنصارى حباً بعمر بن الخطاب t.
والاسم مشتق من العُمْر وهو الحياة؛ يسمى به تفاؤلاً على العمر المديد للمولود…وهو أيضا مشحون بدلالة البطولة والإقدام والإيثار والتضحية والاستعلاء على الدنايا والنقائص …..
طوماس: إسم علم مذكر أرمني وهو الصيغة اليونانية للإسم توما ,الآرامي ومعناه “التوءم”
وثلاثتهم أشخاص عاملون وفاعلون في بناء الحدث ,إضافة إلى شخصية مساعدة ظهرت باهتة الملامح ,مسطحة , مكتملة للقيام بوظيفتها في تجسيد وتبرير مشروعية محاولة التهريب لدى إيملي وقبول مبدإ الهروب لدى “عمر” وهي شخصية متواجدة كلما وجدت الثورة ضد المستعمر وهي “البياع ” حسب نطق المغاربة ويقابلها لدى الإخوة المشارقة “الخائن ” …والملاحظ لدى الساردة أنها صنفت شخوصها على التوازي وعلى التقابل… شخصيتان عربيتان عمر=الثوري المناهض للاستعمار …مقابل “البياع ” الخائن وعميل الاستعمار ….وشخصيتان غربيتان : طوماس رمز القوة العسكرية الغاشمة المستعمرة …مقابل إيميلي الشابة الرافضة للاستعمار والخائنة للفكر الاستعماري الفرنسي …والملاحظ أن الساردة في اختيارها لأسماء شخصياتها كانت قصديتها واضحة في جعل الاسماء رموزا دالة على المسكوت عنه ف(إيميلي وتوماس ) شخصيتان يحيل إسماهما على جذور غير فرنسية ..بما في ذلك من إحالات على استخدام فرنسا في هيمنتها الاستعمارية أفرادا لا تتحكم فيهم علاقات المواطنة وخدمة الوطن بل تتحكم فيهم علاقات المصلحة والاسترزاق .. وفي المقابل يحيل اسم عمر على الإباء والإقدام ورفض كل أشكال الهيمنة في الوطن العربي …اما “البياع” فهو الذي يبيع أي شيئ مقابل المال حتى لو كان هذا المال قذرا ,نجسا , مغمسا بالدم ….ويستمر هذا التقابل حينما تربط الساردة (عمر /إيميلي) برباط حب مستحيل عرفا رغم وجود ونجاح مثل هذه العلاقات في مختلف الصراعات الإثنية ..مقابل علاقة مصلحية مستحيلة هي الأخرى عادة لكنها متحققة ومألوفة واقعا …
هنا تتحقق دلالات العتبة “قلبان في القفص” العميقة : (قلب عمر+قلب إيميلي) في قفص السجن الاضطراري لهما بالنسبة لعمر ,سجن سببته الكرامة والصمود , وسجن فكري عقلي سببه الرفض والاستنكار لمبادئ الاستعمار , المناقض للعقائد الفلسفية المنادية بالإخاء والعدالة والأخوة السائدة في فرنسا نفسها …مقابل سجن او قفص آخر جمع (طوماس +البياع ) سجن المصالح والغدر وضياع القيم الإنسانية …وهذه التقسيمات والبنيات العلائقية هي ما أعطى النص شحنة عالية من التوترات الدرامية المتمثلة في الرفض والتعاطف والاستحضار التخييلي لمشابهات الحدث التاريخي لدى القارئ ….

السابق
قال الراوي
التالي
مناسبات

اترك تعليقاً

*