القصة القصيرة

روائح مدينة الإسفلت

الشمس مستقيمة الأشعة ،تربت على المخاخ التي تغلي كالمراجل ، في تجويف الأدمغة ، سديم يبحت عن مخرج في رؤوس تشتم رائحة شعرها يحترق. ! زخارف العجلات تلتصق بالإسفلت المسبوك ،علي أرضية تلك الأزقة الضيقة ، في عناد الصيف تتمنع الأرض على النعال والحوافر والأظلاف ! جهنم : وقودها الإسفلت والشعرالآدمي يحترق فوق الرؤوس المسطحة ، شعرة ،شعرة ،بتؤدة ومهل ، في يوم رمضاني قائض من أيام شهر غشت ! المدينة تحضنها هضاب الفوسفاط ،تكتم أنفاسها ،يشوى سكانها ،أسماك فوق اللهب ! قطرات زيت في مقلاة ساخنة ، حرارة مفرطة تشفط الأجساد النحيلة المترهلة ، تتعرق : قطرة ،قطرة ،ثم قطرات و تنتشر رائحة العرق !( أباة الضيم شم العرانين) لا يغريهم بحر ولا نهر ! يصومون ليوم وقوده الناس و الحجارة ،صيامهم صعب وشاق ، يمتص من أجسادهم الماء المذخر إلى آخر قطرة ! تجف البشرة ،تتشقق الوجوه ! يقفزون فوق العمر بعشرات السنين !
تتكسر أشعة الشمس الحارقة : خيوطا زجاجية شفافة ، ينعكس عليها النقع الأحمر الفوسفاطي ،يغمرها الغبار الكثيف ، تلهو بها ريح لولبية ، عنيفة ،أشبه بالإعصار ، تتلاعب بغربان البلاستيك السوداء وما تجود به مزابل شاسعة تسد عين المدينة ، في انتظار مطرح جديد قد يأتي أو لا يأتي ! الأرض جسد كائن يموت ببطء ، يمتص الحرارة ، ويزفر ريح (الشرقي) الحارة : شولة عقرب هائج تلذغ جلودا متشققة مرهقة ، الزفرات تعبد الطريق للكلام و لا تغير من واقع مدينة جهنم شيئا . الدقائق أعوام طويلة ثقيلة حد الاختناق ، ربما يحل فيهم شيء من روح( مرنوش )أو (يمليخا) كل رمضان ! ثعابين تلوذ بظل تلك البيوت الملتهبة، يشتعل منها السقف والجدران ، هي أشبه بنواة بركان ! هي قلب جهنم إذن !
تتكسر خيالات البنايات الحمراء فوق الإسفلت المسبوك ، تستدير وتتربع وتستطيل ،تأخذ جميع الأشكال ، تفقد الأشياء ظلالها !
تغادر السحنات القمحية ، المتشققة جحورها ، وتدب الحياة نسبيا فوق الإسفلت ، ترتسم النعال بمختلف مقاساتها وأشياء أخرى فوق الأرصفة !
بعيد صلاة العصر تمتزج روائح ، من أنواع مختلفة : روائع (القزبر والبقدونس ) بالتوابل الطيبة و(برأس الحانوت)! تختلط روائح الحريرة بروائح الشباكية (المخرقة ) تتضوع المدينة بنكهة رمضانية خاصة ! تبعث مدينة لوط من أعماق البحر الميت كالعنقاء من تحت الرماد وتحيا من جديد ،يسرح سكانها كالنمل، يهيمون في البحيرة يطلبون ظلا وارفا يلطف الجو وينعش النفس ! تتنفس باريس الصغيرة برئة واحدة ،هي أصلا أحادية الأعضاء : رئة واحدة وكلية واحدة ونصف قلب وترى بعين واحدة، نصفها الثاني سرقه لصوص الميزانيات وسماسرة السياسة ، تعيش مشلولة ، مكتوفة بين صهد الشمس الحارة (الحرنة ) وصهد رياضة الأصابع منذ عقود من زمن العهر السياسي الرديء ! مدينة لوط ، تقتات على مواعيد عرقوب ، وتعيش على الوهم ، وتتمسك بالأمل ، بإصرار تنتظر الفرج ، واقع مر متمكن منهم كالحزام من الخصر ،إبرة مغروزةبين المخ والمخيخ ! ما عادوا يشعرون بشيء ، ما عادوا يهتمون بشيء ،نطق السين يشعرهم بالغثيان : خردولة (بسبع خضر ) أو قطعة لحم محمرة مدفونة في طبق كسكس ،حلم بسيط جميل : يجعلهم يقبلون ظهر اليد وباطن الراحة ويحمدلون كثيرا . طبق الكسكس لحمة الأسرة ،حبل متين يعتصمون به من الرضيع إلى الجد ! فطور صيام رمضان : كأس شاي منعنع ، زلافة حريرة ، وبضع ثمرات طيبات ، وجرعة ماء تسد فوهة فرن العطش اليومي !
أمي عيشة ، تعودت عدم إغلاق بابها ! ،كل أبناء الدرب أبناؤها من العشريني إلى الخمسيني ! ترضع الأولاد حليبها حولين كاملين ، تحتوي تخوف أمهات شابات من الرضاعة عند كل ولادة ، يقصدن أمي عيشة لحمايتهن من ترهل الأثداء الذي يجلب الضرة لا محالة ، معينها لا ينضب ، حليبها غيث مدرار : بركة من الله ، أيقونة ،ولدت وجف رحم الزمن لن ينجب مثلها مرة ثانية ، عجوز بدأ ظهرها يتقوس ، وآلام الركبتين ،والنقرس يستنفد منها قاموس التدمر والتضجر ، وتسلم أمرها لله ! التجاعيد حفر أخدودية عميقة في وجهها ، ولكنها بقلب شاب مرح ، تحن للماضي الجميل : أنامل المرحوم تسرح وتمرح على مهوى القرط منها وكلماته البعيدة الباهتة صدى ذاكرتها الصدئة يدغدغ طبلة أدنها ! تزيل غطاء الرأس ،تشع ألياف حريرية ثلجية نورا، تدخل نوبة شبقية تتحدى الشيخوخة والهرم : انثى الأيائل في شهر مارس ! نتحول هواما صغيرة تحوم حول ضوء شمعة باهت ،يمتصه نور الشمس !
تترك بابها مفتوحا ،جاراتها لا يتركنها للحظة دوما يثرثرن : ( الناس معادن ) وأمي عيشة معدن ذهب، قلب كبير قادر على احتواء أشباح مدينة الأشباح ،روائح حريرتها الزكية تسيل اللعاب ، تكثر من البقدونس والسمن الحار ، تقول : إن السمن الحار يطهر الأمعاء من الطفيليات ! أما طاجين (سبع خضر ) يجعل الرجال يعيرون نساءهم ، بفوضى الطبخ، ربما يكونون على حق : يرمين القفة كاملة في طنجرة ماء مملح ولا يحترمن أصول طهي الطعام !
وأمي عيشة (لالة ومولاتي ) تنسج خيوط الذهب من جرزة أو قطعة يقطين مع بهارات قليلة . صبورة لا تخاف جهنم شهر غشت ، تتفن في تهييء (طويجنات : سبع خضاري) هذه الأكلة الشهية أيقونة العشاء في شهر رمضان الساخن !
من الباب وعبر الشقوق تتسرب روائح التوابل والزعفران والخضر الطرية في رحلة مكوكية تدغدغ الأنوف، تنهش الأمعاء و المعدة الفارغة ، في يوم طويل ، ثقيل بجوعه وعطشه، وحرارة مفرطة تجفف ينابيع الحياة في الأجساد المتعبة . هذه الروائح الجميلة تجلب ذوي القلوب الضعيفة ،كالجيفة تجلب السباع والضباع وكواسر الفضاء ، يحط ذلك النسر ، قرب باب منزل أمي عيشة ، ركبتاه متنافرتان ، رأسه مفلطحة مغطاة بخرقة بالية ،غاب لونها ، يرتدي مائة ورقعة ، وينتعل مداسا فقد وزنه الأصلي ، يتلاعب بعلبة حليب نيدو يجمع فيها الحريرة ،عيناه تتجولان في عقر بيت أمي عيشة ، تقتنصه أعيننا رغم الحر القائظ ، والعطش، نصيح و نستفزه :
-وا ،، بو كميلة !!وا،،،بوكميلة !! وا،،بو كميلة !!
يقذفنا بالأحجار ونحن كالفئران نشرئب بأعناقنا من زوايا الزقاق وفتحات أبواب شبه موصدة ، تحمر عيناه وتظهر فقاعات هوائية على شفتيه المتشققتين ، يغيب المسكين في نوبة غضب هستيرية ، يتوعد ويلعن ،ونحن نمعن في استفزازه:
– واجميلة ! وابوكميلة ! واجميلة ! وا بوكميلة .!
تسفز ذاكرتي هذه الشتيمة ! أما جميلة فقد فهمناها ، ربما كان يعشق امرأة اسمها جميلة ، لكن ما قصة (بو كميلة) ،يروي سكان حينا الهاديء :
-في يوم من أيام رمضان ، جذبت روائع قدر أمي عيشة هذا الذئب البشري ، كما تجذب الجيفة جحافل النسور ، تربص ببابها المفتوح ، ،انتهز (ولد الكلب ) غفوتها قبيل آدان المغرب ، بوقت قصير جدا ، تسلل داخل منزلها ، و سرق الكميلة من فوق النار ، وانسحب ، كالحنش دون أن يشعر به أحد . استيقظت أمي عيشة من غفوتها . ففوجئت باختفاء الكميلة ، وجدت بالقرب من مكانها صرة من القماش أشبه بالكرة التي نتقن صنعها من الجوارب ،فتحتها بوجل : حبة بصل ،كل قشرة ، بورقة نقدية زرقاء ،خرجت أمي عيشة وهي تعد قشور البصل / الأوراق الزرقاء وتصيح :
– يا عباد الله ! سكان المكان يشترون مني الكميلة ،بالنقود الورقية !
خردولة خضر بعشرات الأوراق الزرقاء !
اندهش الجميع وبدأت فكرة البركات تراود ضميرهم الجمعي ، فأمي عيشة ، لها بركة الحليب ، وربما لها بركات أخرى !
فجأة عاد ذلك الذئب الآدمي ، يحمل( كميلة) أمي عيشة ، والدموع تملأ مآقيه ، وارتمى على قدميها يقبلهما :
-أمي عيشة هذه كميلتك خذيها ! وأعطيني نقودي فهي كل ما أملك!
ربتت أمي عائشة على كتفيه وبابتسامة عريضة قالت :
-أتضيع ما في جيبك يا بني ، لتأخذ ما في جيب غيرك ؟!
للتوضيح : ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-الكميلة : قدر معد للطبخ (gamelle)
-خردولة : مرق يشمل جميع انواع الخضر ،لا تخضع لمعايير الطبخ،
-الشباكية او الخرقة : نوع من الحلويات خص بشهر الصيام
-رأس الحانوت : جميع انواع التوابل في خلطة واحدة ،
-زلافة :آنية تستعمل للحريرة وهي أكلة مغربية مثل الحساء .

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
الـذال معجمـة
التالي
دراسة

اترك تعليقاً

*