القصة القصيرة

روح الأبالسة

آخر حبة حلوى، وآخر طعم يعبث به لسانك ليطيل لحظة المتعة، وكنت أودعتها داخل علبة سجائرك، انتهت السجائر، وما كنت رميت بالعلبة، ولست الآن تفعل، فقد كنت أدخلت العلبة أيضا غطشا وبغشا من الرقيم، رحت تلوكها وتحركها بلسانك بحركة نصف لولبية من مقدمة الفم إلى الحلق، تخرجها حتى توشك أن تفلت من الشفتين، ثم تعيدها إلى الداخل كمن طبع قبلة لتوه على خد أسيل طري البشرة، رهيف الإحساس، تفكر في أن تصنع لها جزيرة فاضلة، قد يعرف البشر تلك النباتات التي رحت تفكر في غرسها، لكن بمثل ذلك التأثيث لن يكون في مقدورهم تنسيقه، هل ترى الناس يستطيعون معايشة لحظة سمو اليوغا أوان الغرس فيعمدون إلى التسامي عن المألوف وما قدر لهم التخلص من خلفيتهم المعرفية المرتبطة بالمكان؟
أخذت أعلى الربوة وشققت على عمق مترين في أعلاها وعرض خمسة عشر مترا لتقيم فيه هيكل الحب، من خشب الماهوغاني نصبت ركائز قوية بعد أن سويت الأرضية وألبستها طبقة من الخيزران، لتعمد إلى السقف فتقرمد شكلين يبدآن بمربعين متساويين ويرتفعان بدقة ليكونا دقيقين كفاية في أعلى القرميد بشكل مسلة، وبينهما ما يقارب ثلاثة أمتار أودعتها تربة كميتة اللون في شكل حوض مستطيل ليحمل من الأزهار ما تناسق في الطول واختلف فصل بوحه بالزهر حتى يحافظ على زهوه طيلة أيام السنة ولتكسير هدوئه ما كنت زدته عن نبتتين من النباتات المتسلقة، لكنك جعلتها تتدلى من أعلى الشرفة التي تعلو المدخل نحو الأسفل بما يتيح لوريقاتهما ملامسة الرأس والكتفين أوان الولوج والخروج.
أنت الآن تعزز دفتي الربوة تجاه المعبد بحجارة انتقيتها بعناية لتتناسب في الحجم والشكل، فبنيتها وكنت تجعل الإسمنت المعزز بينها أو ما تسميه تلحيم الحجارة، وأنت تعمد فيه إلى خليط من الإسمنت والجبس وبعض التربة الحصوية، فيأتي التلحيم بلون الحجارة، حتى تبدو الكتلة قطعة من صخر تعرضت للحفر بإزميل أو جعلتها أخاديد عوامل السيول، ثم استدرت إلى ضفتها اليمين تلك الربوة فجزأتها مربعات متفاوتة المساحة والحجم وبينها حفرت لتصنع طريقا بلطته بالحجارة وأودعت بينها بعض البذور المهملة فيكون حينها الطريق أوان صعوده وقد انتشت تلك البذور وريقاتها كمن يصعد إلى قلعة عتيقة أهملها الناس والتاريخ والجغرافيا، فتجيء طريقها وحشية في غير وحشة، بينما الضفة الأخرى عمقت فيها أخاديد وملأتها بالماء في غير ما تنسيق، أو عساها فوضى الجمال، فتلك الأشكال الهندسية تتعارض مع حرية الماء، فيبدو حينها حبيسا، بينما تريده أنت على سجيته التي تعطي الروح للأشياء وهو أصل الروح يليق به أن يشكل الالتواءات التي يريد.
بيد أن مشروع جنتك في أسفل الربوة اعتمد منصات مختلفة الأحجام أيضا، وقد فكرت في إحضار الأرواح لتعطي معبدك هيبة ووقارا كافيين لمزج اللاهوت والناسوت في كينونة البدايات، فكنت تصنع تماثيلك بدقة وتفانٍ، وبدأت بالأبالسة أولاً فعمدت إلى أشنع ما استطعت أن تحدثه على الملامح والشكل، وكنت قد ثبته على المنصة لما لمحت ابتسامة على ملامحه، فسارعت إلى حفر أخاديد بشكل طولي لتقمع الابتسامة، فما زالت ولكنها اكتسبت طابع الهزلية والخبث، فأجلت شأنها لتعمد إلى باقي التماثيل وكانت المنصة المقابلة لروح الأبالسة معدة أساسا لتمثال روح الحيوان، لكن خشيت أن يكون الرواق بينهما موحشا فنصبت بها شكلا هلاميا يبدأ بجذع يماثل شجرة الدردار ثم يتفرع أغصانا متنافرة ينتهي أحدها بفتحة صنبور وآخر بشكل رأس منسدل الشعر وثالث ورابع وخامس بدبوس وكنت أسميت تمثالك هذا روح الفصول، وعن يمين التمثال وبشكل مستقيم عديدها التماثيل المتنافرة أصغر حجما أطلقت عليها وسم أبناء الفصول، بعضها يحدث البرق وآخر يصدر هدير الرعد وخامس أو سادس أو سابع صوت الخرير والذي بعده القشيب ثم من يصدر الحر في زفيره والقر في شهيقه، مقابلها صففت الملائكة ولما تمردت عليك الأشكال عددتها أرواح الأجداد والسابقين وأجلت أيضا الملائكة لحين الفراغ من تنصيب تماثيل الطغاة والمجرمين ورجال الحرب، وكنت لونت منصات تماثيلهم باللون الأحمر فجاء بعضه قانيا وبعضه داكنا وآخر فاتحا رغم أن دلو الطلاء واحد، وأنت تؤمن بأن الروح التي تسكن التمثال تستطيع أن تسبغ وهجها على اللون.
أحضرت النباتات التي تود تصفيفها وأعددت خلف التماثيل الأروقة التي تود غرسها وكنت ارتأيت للمساحة خلف تمثال روح الأبالسة نبات الصبار ولقناعة تسكنك زدت بعض فسيلات الباذنجان فمنذ صغرك لا تعده من النباتات اللائقة بالبشر، هذا اللون يوحي إليك بكوكب آخر بكائنات أخرى وحياة مغايرة تماما، رغم أن التي بها القلب معنى والفؤاد موله والروح تحادث روحها أوان صحو وفي الأحلام، وما بحت لها فأنت تتقشف في الحب كما كتبت لك مرة، ترتدي هذا اللون تحديدا بل وتسبغ منه على الشفتين طبقة خفيفة وعلى شكل زهرة صغيرة جسيم على الأنف في المنخار اليمين، وأنت تفكر الآن في رفع حكمك على هذا اللون إكراما لذوقها، بل ورحت تخطئ نفسك فقد تكون ما أنصفت هذا اللون الاستثنائي.
بينما فضلت السرخس لروح الفصول واللوتس لبعض أبناء الفصول وبعضها الآخر وجوه الملائكة التي توحي إليك بالهدوء والطمأنينة، وكنت قد أحرزت سبقا علميا في تطويع الدحنون فجمعت منه ما تعسر وها أنت الآن تضعه بفمك ثم تنفث به تجاه القطعة الخلفية لتمثال البشر الحنفاء..تواصل بذر وغرس المساحات والذي أجلت يشغلك الآن، إن من حيث الموقع الذي ستختار له أو الشكل، فأيها الأشكال اللائقة بالملائكة، وكنت قرب المسبح قد حددت المكان وها فكرة التمثال توشك على التشكل، الملاك بجمال استثنائي، ولا ملامح حتى وإن كانت فاتنة تحمل سر الكمال مثل الأنثى، ولا أنثى بمثل جمالها، وكنت فكرت في البدء أن لا تحضرها إلا بعد الفراغ من جنتك ومعبدك، لكن التمثال إن لم يماثلها لن يكون في مستوى روح الملائكة التي ستسكنه.
وما كان عصيا أن تستقدمها، وكما المزحة في لعبة الغميضة على عينيها شددت وشاحها، وفاتها أن ترى الجسر الذي أعددته خصيصا لاستقبالها لعلمك بحبها الجسور، ولما أزاحته الأسود اللون المزركش بوريقات بيضاء راحت تتساءل: أي كهف هذا الذي تصنع لي فيه تمثالا؟
لاحقا تعرفين التفاصيل فيزول الغموض، لكني الآن مستعجل في إنجاز تمثال لك على أن يكون بكامل القوام.
هل أجلس وتقوم أنت بتشكيل العجينة وصناعة الشكل كما في رسم لوحة، أم تصنع مني قالبا تصب فيه عجينتك؟
الأولى أقرب، لكن بعد أن أقوم بطلائك بهذا الخليط الأبيض، تعرفين أن الأبيض لا يخفي أسرار الملامح والجسد.
وتفاصيل الجسد الأنثوي لا تقاوم، لكنك تستطيع تبينها لاحقا في المجسم فسيكون مطابقا للأصل والذي يتعلق بالروح قد يزهد في رغبة عابرة لم يؤثث لها كفاية بما يليق بطقوسها، وبمهارة عجيبة أوشكت مع مغيب الشمس أن تصنع الكمال، وعلى عجل في يدك ما تبقى من عجينة خرجت من معبدك لتعيد تشكيل تكشيرة روح الأبالسة فلطخت ومسحت وكورت وشطفت، لكنها الابتسامة التحدي، ولأنك تؤمن بأوان الأشياء، أجلتها ثانية وعدت والجسد والتمثال جنبا لجنب، وما استجابت حين نداء، فهززت الجسد الأول لكنه التمثال وهززت الثاني لكنه التمثال، قربت سمعك من أنف الجسد أو التمثال لم تعد تفرق الممد يمينا ولا زفير ولا شهيق والثاني ولا دليل على الحياة.
قهقهات تمثال الأبالسة تصل أذنيك حادة، وخرجت لا تدري هل أنت ذاهب إليها أم عائد إلى التمثال الجسد والجسد التمثال، رحلت تماثيل الفصول والصالحون والطغاة والحنفاء، وتكاثر تمثال روح الأبالسة، كدوي رعد صيفي عنيف من كل المستنسخات تتعالى القهقهات ترددها الربوة والمنخفض والشجر والماء، أرغمت على العودة، كلاهما مرمري المنسوخ والمنسوخ عنه وبدورك كنت تتجمد.

السابق
سؤال
التالي
تَربّص

اترك تعليقاً

*