القصة القصيرة

ريحانة

لم يكن الكنز فقط هو الذي يشغله و هو يمضي إلي القارب الملقى على شاطيء البحيرة و الظلام مستوحش مستهديا بنور الذاكرة ليس إلا
ما عاد يسمع صرخات أمه ذات ليلة تتوسله بالعدول عن قراره كي لا يجدد عليها عذابات القدر
كذلك لم يلتفت إلى” ريحانة ” و هي تهمس له بالرجوع ، قطة مذعورة تختلس النظر إليه من خصاص شراعتها ذى الضلفة الواحدة و المكتوب عليها بخط طفلة ” هذا من فضل ربي ”
و لم ير الكلاب الضالة يكهربها الصقيع فتنبح بأصوات مبحوحة لا تتنامى الي مسامعه
كانت تشغله بحيرة قارون التي راحت تتكشف رغم الظلمة تلك البحيرة الواقعة على الخط الفاصل بين الاسطورة و التراث .
فما كان اختياره لتلك الليلة السوداء “الغطيس” محض صدفة و لكن حتى لا يتسني لأحد رؤيته و هو في طريقه إلي المجهول
منذ وقت ليس ببعيد بدا جموحا ثائرا و حتى أسماك ” البورى ” التي كان يتملى من أديمها الأبيض اللامع ما عاد يقوى على النظر إليه ربما لمعان قشرتها يوقظ بداخله لألأة الكنز المدفون ربما على قيد خطوات من القصر المهجور الرابض فوق الساحل ذلك القصر الذي يلعن كل صباح تلك البحيرة التي ابتلعت ذات ليلة صاحبه مضرب الأمثال في الثراء لتسكنه الأشباح و الخفافيش بعدما كان مرتع للذات و النعم
و على رغمه سبح عقله يعبر البحيرة و هو يحلم بقارب يشتريه من حر ماله و مكتوب على جانبيه ” ريحانة ” بالبنط العريض
لم يعرف أن بالجانب الآخر من البحيرة كوخ من البوص تسكنه امرأة تعرف أباه جيدا أو أن قطاع الطرق هناك يتربصون في شغف بالحالمين بالكنز
لما لم يرجع أبوه من رحلة صيده الأخيرة قالوا إنه أراد الكنز فاستحلت وحوش البحيرة المفترسة دمه و لكنه لم يصدق يوما تلك الرواية المزعومة
أغلقت الأم المكلومة الباب على صغارها و حكت لهم أن أباهم أراد الكنز فاستحلت وحوش البحيرة المفترسة دمه و لكنه أيضا لم يصدق أمه
أخبر ريحانة فقط بما يراوده بعدما وعدها بالعودة إليها و كتابة إسمها مع إسمه بالنبط العريض على قاربه “حسن و ريحانة ” فوعدته أن تسهل له الطريق بأن تخبره بليلة سفر أبيها إلي المدينة ليستقل احدى قواربه و لكن يبدو أن ريحانة أفلت لسانها فأخبرت أحدا بما يدور في خلده
لما اختفى أبوه و قاربه منذ ثلاث سنوات لم يكن قد تجاوز الثامنة من عمره ، لم تظهر عليه بوادر الجنون كما قيل و أي جنون – إذا صدقوا – في قلب تطلع إلي حلم دفين تجتره كل القلوب سافرة إذا غابت عنها العيون
عشرات مثل أبيه اختفوا فقالوا إنهم أرادوا الكنز فاستحلت وحوش البحيرة المفترسة دمهم
و لما اختار تلك الليلة الحالكة السواد لم ير من يتربصون به على مقربة من القارب المروم
قالوا و هم يضربون كف بكف
– الواد اتجنن زى ابوه يا جدعان
– امسكوه الحرامى دا
– اضربوه و علموه الادب
صوتت الام و هي تقبض عليه بيديها
– حسن .. حسن .. سيبوا الواد يا كفرة
فلم يحمه حسن طالعه من العصا الغشوم المنهالة على عوده النحيف ليضحى فى دقائق منفوخا كالذبيحة تختلط دماؤه بظلام ضرير في الأفق و ماء آسن في البحيرة و قارب كسيح يأبى علي المسير
و ريحانة هناك ما زالت تختلس النظر أذابها الخوف فلم يتبق منها إلا جوهرتان تشاهدان بلا روح و تسجلان بلا وعى
أعادوه إلي بيته مغشيا عليه مازال يهذي
– ريحانة … ريحانة
و هو مازال يحلم بقارب يشتريه من حر ماله و مكتوب على جنبيه “ريحانة ” بالبنط العريض

السابق
قَلاّيةٌ
التالي
نزوح

اترك تعليقاً

*