القصة القصيرة جدا

رُعُونَةٌ قاتِلَة

تَمالَكَ نَفْسَهُ، كاد أن يرفض طلب ابنته الذهاب إلي القناطر الخيرية فى رحلة مدرسية؛ اِكتَفَى بأن أشارَ إليها بأن تعد له فنجالا من القهوة .
أخذ مجلسه فى الشرفة يدخن بوجه متجهم علته كَآبَة، شَخَصَ بصَرَه وسرح بِأفْكَارِهِ بَعِيداً؛ حتى الآن لايستطيع أن ينسى أو يغفر لنفسه رُعُونَته؛ يشعر في قرارة نفسه بأن الله قد يغفر لهُ كُل آثامه إلاّ تِلكَ الزَّلَّة .
كانت شهرتُه قد بلَغت الآفاق كزير نساء محترف بين زملائه فى العمل من مهندسي البترول وعمال الطاقِم الفنى المعاون على حفار البترول القابع وسط مياه البحر الأحمر .
يَنْتَظِرُونَ رُجُوعَهُ، عودته من إِجَازَته عَلَى أحَرَّ مِنَ الجَمْرِ، يلتفون حوله، فاكهة ليالي السَّمَر، يحكى لهم عن مغامراته النسائية الطائشة ولياليه مع الساقطات، ليس وراءهم فى مَبيتهم إلاّ الحديث الخالد حول النساء .
فى إحْدَى إِجَازَاته؛ صادَفَها؛ لا يدرى ماحلّ به، فراشة رقيقة؛ حَواريّة بيضاء صافية الأديم أنثى مكتملة الأركان بوجه طفولى رائع الجمال لايمل الناظر إليه ، طفلة كبيرة تتهادى بين سرب من الأطفال، بصُحبة أختها المشرفة فى إحْدَى المدارس الإبتدائية؛ عرف ذلك بعد أن اِنْجَرَّ وراءها يَتبَعها .
استقلَّ الأتوبيس النهرى معهم فى طريقهم للتَنَزُّه فِي حدائق القناطر الخيرية؛ لم يعجزه التعرف في البَدْءِ إلى أختها واِنسَحَبَ منها إلي مُراده ” مَلَك “؛ تلك الفتاة الحُلوة اليانعة الطفلة .
لاعب الأطفال معها بلطافة وظَرَافة، تضاحك معهم، تسلل برفق إليها، يستأثر بها، يأخذها إليه من بينهم، يسيران فى طرقات الحدائق يتناجيان بأعذب الكلمات فى حِواريّة لم يسبق أن جرت بينه وبين إحْدَى بنات حواء بهذا الطُهْر والعفاف والبراءة، يهرولان فى جَوّ مارس الربيعي البَهِيج بين الخضرة الزَّاهِية والزهور الفواحة.
تمادى فى إِلقاء النكات والطرائف لييَنعَم بسماع ضحكاتها الصافية ورؤية أسنانها اللؤلؤية وغمّازتيها اللتين تزيدانها حسنا وجمالا حين تبتسم أو تضحك؛ قاوم رغبة جارفة فى اِحتِضانها وضمها إلى صدره؛ يرفعها عن الأرض يدور حول نفسه بها فى دورات لانهائية …
اِنتَهَى الوقت سريعا، وكما ظهرت اختَفَت، عاد وحيدا وقد تركت فى روحه بصمة لا تُمحى ؛ اِرْتَسَمَتْ صُورَتُهَا فِي ذِهْنِه إِلَى الأبَدِ، كانت نوعية خاصة من بنات جنسها؛ الوحيدة التى لم يحكِ عنها لأحد .
مرت الأيام تَترَى، وفى إحْدَى الليالي وجد زملاءه يتجمعون؛ يتزاحمون حول نَسِيم أحد أفراد الطاقم الفنى ؛ شاب صغير السن؛ صفحة بيضاء، لاخبرة له بالحياة؛ كان نَسِيم يعشقه، يحبه حبا جما؛ تبهره حكاياته الأثيرة حول النساء .
اِنضَمَّ سريعا إلي الرفاق، يشاهدون صور حفل زِفافِ نَسِيم ويهنئونه؛ توسطهم ، اِنتَزَعَ ألبوم الصور يُطالعه .
اِرتفعَ حاجباه وأخذ يحدق فى الصور، اِرتَسَمَ على شفتيه شبح ابتسامة، نظر إليه نَسِيم مُستطلعاً، سأله متضاحكاً بود ومحبة: هه، إيه … هل سبق لك معرفتها ؟!
رد ببساطة وتلقائية : مَلَك …. طَبْعًا !
غَارَتِ ابتسامة نَسِيم، وغاض الدّم من وجهه، امتقع لونه، نكس رأسه وارتخت جفونه منكسرة ….
نَدَّت منه تَنهيدةٌ حرّى مِلْؤُهَا الأَ لَمُ والحَسْرة ، تراءى له وجه مَلَك ببراءته وطُهره، وهاتفٌ يهتف به : قتلت رجلا .

السابق
حكاية ….
التالي
ثورةٌ على …

اترك تعليقاً

*