القصة القصيرة

زئبق الحب

التوى ساقه ، التفت، أمسك بالحبل الذي يحاذي رقبته ، تنفس ، انزلق الحبل ، تدحرج ، تزامن صوت الكركبة مع (آي ـأيْ آي أيْ أوه أوووووو) انصدم في حائط مشقق ، انزاح كم من التراب المتراكم على جثته الهزيلة ..جمد في مكانه ، عيناه ظلتا تنظران في قتامة المكان ..الشعر المختلط بالتراب الوجه المعفر ..ولّى خيالُه لعشرين سنة : سمع قهقتها همسها ؛ تقترب منه قالت وولت ضاحكة (أحبك ) ها هاها … صمت يشبه الجدار المهجور من عشرين عاما (أحبك ) ها هاها…
اسكتي : خائنة !!! أحبك أحبك تردد صداها ..كانت الخنفساء التي تحت ساقه باردة لزجة مثل زئبق المعمل المدرسي الذي حاول تحريره في الحصة السادسة من القنينة .وقع على الأرض تلطخ أصبعه الصغير الناتئ من الحذاء الممزق ..ذاب أصبعه وصارت أصابع قدمه أربعة … فرّ صارخا ..حتى ذلك الحين لم يُعرف من هو الذي سكب الزئبق على أرض المعمل ..كانت التهمة موجهة للعامل الذي يكنس المدرسة جيئة وذهابا ….
كان حبها مثل الزئبق يتأرجح في كل الأماكن تارة بارتفاع وأخرى بانخفاض !! ومرات كثيرة لايظهر شيءٌ، يخفت ويظل بصيصُه يلمع بلا معنى بلا جوهر ..التراب المُهال عليه ووجهه المعفّر ناحية الجدار…الخنفساء المستأنسة بحرارةساقه الذكرى المتأرجحة ..الحب القاتل الذي سيطر على كيانه هو الآخر، حبل مشنقة وتراب كتراب قبر أهِيلَ على إنسان حي : هاهو يرى مصيره المحتم ..حي ميت مكفن بحب بارد صاخب لا يهدأ فتهدأ كل الشرايين الصغيرة المحاذية لقلبه المسكين ذلك القلب الذي يشبه كرة الثلج يذوب…يذوب ثم يعود من جديد لكنه بنفس التفاصيل
أحبك ..ليتكِ لم تردديها …!! ليتكِ أصبتِ بداء الخرس ..أيتها الأنثى المليئة بصخب الحياة بقلب ذاعر يتيم يشعر بوحدة الخلاء المليء بالليل المظلم المدقع حتى ثمالة الفناء ..
أحبك ..أي حب هذا الذي تعطينه تأشيرة الدخول دون ممانعة وتمنعينه دون رحمة وقتما ترين وصالك سيُنْعِشُ ذلك القلب الخلاء ..وحينما ترين اللعبة قد انتهت عند حد معين فلاتمانعين من غرس سكينك المسموم في القلب الثلجي الأبيض ؛ الذي لُفّ في كفن جسدك وصار مضغوطا بأنفاسك !!
لماذا تفتعلين الكذب ؟
كانت ضحكاتها تتردد كلما قال لها كاذبة …
تجيب : أحبك وحسب ..هذا كل شيء ..تتلقف حقيبة اليد تتمايل كغصن هزته ريح تحن للقاء نسيم في أرض أخرى ..يتعانقان فتفر الطيور مصفقة … تدفعه……لاأحبك..!! يصاب بدوار الخيبة ..تندفع أثقال الحياة واحدة في ركبتيه ينحبس كل شيء ..ينكتم فؤاده ..يعرج الهواء المحجوز بين رئتيه والقصبة الهوائية ليأخذ منحنى يفيض به إلى ارتخاء يغم على نفسه ..يغُطّ قلبه في سُباتٍ عميق ..يمزق كل الرسائل ..يهشم أُطر الصور المعلقة لها… كل إطار يحمل أنثى بثوب مختلف ..هذا بحب مجنون ..وهذا بحب راقص ..أما هذا فلا مثيل له ..إنه لأنثى الزئبق المتأرجح بين الحياة والموت ..آآآآه أي أنثى أنتِ لماذا تُلْقمينني الطُّعم ثم تسحبينه دفعة واحدة ..لينسل القلب والهواء الذي أتنفسه من خلالك ..
هأنذا كطفل مجنون شقي يتيم تعيس مشرد يحوم في شوارع الوهم ، معفر الوجه ممزق الثياب بلا قلب بلا مشاعر، يسير فقط بحرارة أنفاسك يتحسس الأماكن بلا ناظرين… تلك الأماكن التي اجتزناها معا بصوت واحد يقهقه ويتردد عبر ممرات الفضاء ..هاهي بقالة العم مرزوق مازال العطر الذي تحبينه يعبق بأرجاء المكان وهاهي مدينة الألعاب مليئة بتلك التحف التي أحببتِ أن تكسريها دفعة واحدة بينما دفعت قيمتها من قلب جبيني …
يالكِ من مغرورة ..شقية …و… لا لا..لن تكوني سوى الحبيبة القاتلة ..أين تنزاح بكِ الشوارع ؟ أين تلفك المدن ..أي طريق هذا الذي يقضي معك ليلة مجنونة ويتنفس بأنسامك. أتذكرين ليلة اقتناص الفرص ..كانت فريدة من نوعها لكنها صادمة ..محطمة ..مهشمة ..كنتِ أنت والغبار شيئين معا ..عيار أُطلِق من فوهة لاتعرف الرحمة ..لا تفرق بين ذكر وأنثى … كان العيار ثقيلا ..كنتِ خائنة !
لستُ كذلك لقد فهمتَ الموضوع بطريق الخطأ ..هو رجلٌ طاعنٌ في السن مريض تعيس يحتاج إلى من يأخذ بقلبه ليعبرَ به الطريق ..هو أعمى
كاذبة كاذبة ..
كانت الطلقات متتالية …دماؤها متناثرة ..عيناها تنظران نحو قلبي … رددتْ بتقطع قطّع قلبي : إنه أبي ..أبي الذي تركني طفلة في اللفافة مع أم مريضة ..هاهو عاد وأنا آخذ بيده ..
لقد كنتُ أحمقا ..قتلني ذلك القلب ..بل قتلتها بيدي كي أستفرد معها في قبر واحد لا يشاركني فيه آخر ..لا يراها أحد غيري ..لايتنفس هواءَها إلا أنا ولا يشم عطرها غيري ..لا يشعر أحدٌ أنه طفلُها المدلل سواي …
ماتت وأنا أحاول الآن أن أدفعَ نفسي لذلك الحبل الذي هَوَى بي إلى تلّة هذا التراب حتى الموت لم يرحمني من عذاب قلبي ..صورتها في كل الأماكن ..رائحتها ..صوتها ..قهقتها … وكلمة ..أحبك ..ترادفها كاذبة مازالتا عالقتين في صماخ أذني ّ
كيف لي أن أُقبَر بجانبها !

السابق
قصة سارة
التالي
وسام البطولة

اترك تعليقاً

*