القصة القصيرة جدا

زائرة

صوت الريح يزمجر معلنًا غضبه، الأمطار تتسابق في النزول بغزارة لتغسل ما كان، القرية شبه خالية من سكانها، فروا هربًا من الحرب وويلاتها، خمسينيّ جالس على كرسيه الهزاز يحتسي فنجان قهوته، كل ما حوله هادئ، فبدت له طرقات على الباب، وضع فنجان قهوته على الطاولة وصدف إلى الباب، فتحه، كانت شابة في منتصف عقدها الثالث تقريبًا، نظر إليها بتفحص، ضحكت ضحكة ماجنة، سيجارة وقليلاً من القهوة وشيئًا من الحب، هل تسمح لي بالدخول؟
تنحى مُفسحًا لها المجال، جلست على أول كرسي واضعة رجلاً على الأخرى، كاشفة ساقيها الجميلتين، أقفل الباب، ناولها علبة السجائر وفنجان القهوة الذي كان يحتسيه، أشعلت السيجارة بشيء من التوتر، وضحكت ضحكة هستيرية، صارت أصابعها ترتعش، سحبت نفسًا عميقًا من السيجارة، نفثته نحو السقف وكأنها تنفث معه كل همومها وآلامها، نظر إليها بصمت، حاولت ألّا تنظر إليه، شتتت ارتباكها بتدوير فنجان القهوة على الطاولة، رفعت عينيها إليه مبتسمة، رأت النظرة نفسها، خفضت عينيها من جديد، زاد ارتباكها وارتعاش أصابعها، وهو لا يتحرك، كأنه نُحت من جليد.
– الليلة باردة، أليس كذلك؟
اكتفى بالنظر إليها، أنزلت رجلها، أسدلت فستانها، من دون أي مقدمات، أنا عذراء ومستعدة أن أهبك نفسي الليلة، أيضًا لم يحرك شفتيه، اختلطت مشاعر التوتر والخيبة والخوف والغضب داخلها، وقفت فجأة:
– هل تريدني أن أنصرف؟
لم يتحرك من مكانه، عادت إلى كرسيها لكن ليس بمثل الحماس السابق، هل تسمح لي يا سيدي بقضاء الليلة هنا؟، فالبرد قاتل، والحرب لم تبق لنا الأمان.
في هذه المرة وقف، دخل حجرة وخرج يحمل لحافًا ووسادة، تلقفت ما يحمل وهي تكاد تبكي، شكرًا أيها النبيل، سأخرج في الصباح باكرًا، لن أزعجك، لم يردّ عليها، اتجه إلى غرفته وأقفلها، ارتمت على الكنبة، صار عقلها يعمل بعد أن شله صمته، ما له؟، هل هو أخرس؟، أو مجنون؟، يائس؟، صارت الأفكار تعبث بعقلها إلى أن أعياها التعب فانصاعت إلى غزل النوم الشهي، استيقظت في الصباح، وجدت علبة السجائر عند رأسها، كأنه يقول لها هي لك، وضعتها في الحقيبة وانصرفت وهي تتسلل، الشوارع خالية إلّا من بعض المارة، جلست على أول كرسي في حديقة وجدته، كان مبللاً لكنها كانت في حاجة للبرد كي ينتشلها مما هي فيه، دست يدها كي تخرج علبة السجائر، وجدت شيئًا منتفخًا، أخرجته فإذا هو ظرف فيه مبلغ من المال، وورقة وجدت فيها، شكرًا على شيء من الحب، فأنا لم يزرني أحد منذ عشرين سنة.

السابق
سكون
التالي
الحَصَر

اترك تعليقاً

*