القصة القصيرة

زلةٌ

ذات عُرسٍ، عرَّفَنِي ببعضِ أصحابِهِ المقربين مِن الطلبةِ النابغين، وشدَّ على يدِ أحدِهم بِحرارةٍ، ثم همسَ في أُذنِي:
– (سامي) هذا، مِن خِيرة شبابِنا، سافرَ إلى الخارجِ ستَّ مراتٍ، ولم يقترف الزنا إلا مرةً واحدةً!
صعقتْنِي كلماتُهُ، فانتفضت كالملسوع، وغمغمْتُ مُستنكِرًا:
– وهل الأصلُ، أنْ يزنِيَ كلَّمَا سافرَ للخارج؟
في أوائلِ التسعينياتِ مِن القرنِ الماضِي، سافرْتُ لِدولةٍ بتروليةٍ، لِأعملَ مُدرسًا خاصًا. كنت مبهورًا بمظاهر التدين والالتزام من حولي ( فما كان لي درايةٌ بما وراء الكواليس): اللحية تزين وجوه الرجال، والحجاب السابغ يستر النساء، والمحلات تغلق قبيل الأذان، ويُهرع الجميع إلى المساجد، الكل يتبارى في حفظ القرآن والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكاد يمر أسبوع حتى تكون لهم عمرة، أو زيارة، وصلاة جماعة في الحرم. كثيرًا ما قارنت متحسرًا هذا الجو الملائكي الوضاء بأجواء بلادي المتفلتة فأشعر بغُصة في حلقي- وأنا المسلم العادي غير المتبحر في العلم الشرعي- متمنيًا اليوم الذي يمتد فيه هذا النور إلى بلادي، لينقشع عنها ظلام العلمانية البغيض.
كان مُحدثِي طالبًا جامعيًا في السنةِ النهائيةِ بمعهد المعلمين، وكنت أشرح له بعض ما غمض عليه، من ألفية ابن مالك وقطر الندى لابن هشام، وكان صاحبنا إلى جانب ذلك إمامًا لِأحدِ المساجدِ، وواحدًا من طلبةِ العلمِ الشرعِّي المُجتهِدينَ، فأذهلَني رأيُهُ المتساهل، ولم أقتْنع بِتبريرِهِ فَعلةَ صاحبِهِ الشنيعة، بِأنَّهُ حينَ زلّتْ قدمُهُ، وفرطَ منه ما فرطَ، كان شابًا غِرًّا، عزبًا، غريبًا، غنيًّا، فارِغَا، ثمَّ إنَّهُ تابَ، وأنابَ.
بعدَ عامٍ من هذا الحديثِ العجيب، أتانِي مَهمُومًا مَغمومًا، على غير عادتِهِ التي كان يغلب عليها المرح وخفة الظلّ. حاولْتُ التسريةَ عنْهُ ما استطعت، وحملَهُ على الفضفضةِ بِمكنونِ صدرِهِ، لعله يعود إلى سابق بشاشته ومرحه، وبعدَ لأيٍّ وعنت، افترَّ ثغرُهُ عن ابتسامةٍ مُرَّةٍ، وزفرَ زفرةً حرَّى، وشرعَ يحدثُنِي بِصوتٍ تخنقُهُ العبراتُ، وكلماتُهُ تقطرُ أسىً وحسرة:
– أنتَ تعرفُ سلمانَ أخِي طالبَ الهندسةِ، الذي يصغرُنِي بِعامينِ؟
أومأْتُ مُوافِقًا، ثم سرحْتُ في القصةِ الحزينةِ لِأخيهِ سلمان، الذي يختلفُ عنهُ كل الاختلاف: فهو شابٌّ رياضِيٌّ وسيمٌ، أنيقٌ، شديدُ الاهتمامِ بِمظهرِهِ، وسيارتِهِ، ودراستِهِ، وله زيارة أسبوعية ثابتة إلى جِدة، حيث الفتيات سافرات، يكحل فيها عينيه -على حد قوله- فهو مُستهتِرٌ، يهوَى مُعاكسةَ البناتِ بِالهاتفِ، ويحترفُ مطاردتَهنَّ في الأسواق، ومواعدتَهنَّ في (المُولاتِ) التجاريةِ المزدحمةِ، ممَّا يجرُّ عليْهِ الكثيرَ من المتاعبِ، وقد نشِبَتْ بينَهُ وبينَ بعضِ الشبابِ والأهالِي مشاجراتٌ عديدةٌ، باءَ على أثرِ إحدَاها، بِطعنةِ مديةٍ نافذةٍ نجلاءَ، قطعَتْ وترَ الفخِذِ اليُمنَى، فأصبحَ لا يتحكمُ في كفِّ قدمِهِ. وكان ارتخاءُ قدمِهِ هذا، يسببُ له حرجًا بالغًا، وألمًا نفسيًّا هائِلًا، عندما يُضطرُّ لِسحبِها عندَ المشْيِّ، أو عندَما يحجِلُ على قدمِهِ الأخرَى، خاصةً إذا تصادفَ وجودُ أنثى في المكانِ.
استأنفَ وهو يستاك مرارًا، بحركة آلية اعتاد عليها:
– ذهبْتُ معَهُ إلى طبيبٍ متخصصٍ شهيرٍ ليناظره، وقد أتَى زائِرًا لِلعاصمةِ أيامًا معدوداتٍ، وبعدَ الفحصِ وعملِ الأشعةِ والتحاليلِ المطلوبةِ، أعطانَا بطاقةَ عملِهِ، وضربَ لنا موعِدًا لمقابلتِهِ، لِلعلاجِ بِالخارجِ، واتفقْنا على الأتعابِ، فسافرْنا في الموعدِ، وعُدْنا بِالأمسِ.
– الحمدُ للهِ على سلامتِكم، وما هي النتيجةُ؟ هل اكتئابُك هذا لِفشلِ العمليةِ؟
-لا، أبدًا، لقدْ نجحَتِ العمليةُ بحمدِ اللهِ، وتمَّ وصلُ الوترِ المقطوعِ، لكنَّهُ لن يستطيعَ المشيَ عليْها، قبلَ ستةِ أشهرٍ، معَ استمرارِ العلاجِ الطبيعيِّ.
قلتُ متحيرًا:
– فعلامَ الحزنُ إذنْ؟ أحرى بكما أن تحمدا الله و…
قاطعني بحركة من يده تعني تمهّل ولا تعجل عليّ، ثم أكمل حديثه:
– قصدتُ صديقًا قديمًا لِي في البلدِ العربي الشقيق، فاصطحبَنا إلى عيادةِ الطبيبِ الشهير، ولم يستغرقِ الفحصُ السريريُّ أكثرَ مِن دقائقَ، قررَ بعدَها الطبيبُ الكبير إجراءَ العمليةِ، وحددَّ أتعابَهُ بِزيادةٍ عمَّا اتفقْنا عليْهِ سابقًا، ورغم تذمرنا قبِلْنا صاغريْنَ، قدَّمْنا إليهِ شيكاتٍ سياحيةً، فرفضَها، وطلبَ أتعابَهُ نقدًا. استمهلته أيامًا لصرف الشيكات بعد العُطلة البنكية، فوافق على أن نوافيه لإجراء العملية بمجرد تسييل الشيكات. استأجرْنا شقةً سكنيةً في بناية مجاورة بناءً على نصيحةِ صديقِي، لِأنَّها أرخصُ وأقرب لعيادة الطبيب من الفنادقِ، ولِاحتياجِنا إليْها فترةَ النقاهةِ بعد العملية. أجريْتُ عِدةَ اتصالاتٍ بِأهلي، لِتحويلِ المبلغِ المتبقِي، وذهبتُ لِلبنكِ بعد الإجازة صباحًا لِصرفِ النقودِ، وعُدتُ فإذا بحيةً رقطاءَ تشارِكُ أخي فِراشَهُ.
– مَاذا؟؟؟؟
– نعمْ… تخيلْ! المريضُ الذي ينتظرُ إجراءَ جراحةِ خطيرة بعدَ ساعاتٍ، قد لا يفيق بعدها من التخدير، بدلًا مِن أنْ يُمضيَها في التَّضرعِ والابتهالِ، كان يُغضِبُ اللهَ، ويهِمُّ بِارتكابِ الفاحشةِ، لولَا أنْ تداركتْهُ العناية الإلهية بوصولي في الوقتِ المناسبِ، لأمنع الكارثة قبل وقوعها.
– كيفَ؟
– صِحْتُ بِهما زاجرًا، فلم تتحركْ المرأة اللعوب قيد أنملة، واستمسكَ هو بِها في إصرارٍ عجيب، ولِأول مرةٍ في حياتِهِ أراهُ، يتحداني ويتصدَّى لِي، ويعصِي لي أمرًا! (وأنا أخوه الأكبر بمثابة والده الذي لم يره).
– لِهذِه الدرجةِ؟
– نعم يا أستاذ! كأنّهُ مسحورٌ أو به مسّ، فطفقْتُ أخوفُهُ عِقابَ اللهِ، وأناشدُهُ الرحِمَ، وأتلو ما حضرني من آيات الله، والأحاديث النبوية، حتَّى هدأَ واستكانَ وأفلتها من قبضته مُجبرًا.
– وهِيَ ماذا فعلَتْ؟
– لِدهشتِي الشديدةِ، لم تُعرني اهتمامًا، بل ظلَّتْ جالسةً بِجوارِهِ في هدوءٍ يبعث على الحيرة، واضعةً ساقَها العاريةَ على الأُخرَى، وبِكلِّ برودٍ وبجاحة، شرعَتْ في إشعالِ لفافةِ تبغٍ، كأنَّها تشاهدُ فيلمًا سينيمائيًّا مُمتعًا، وليست هي طرفًا في أحداثه!
اشتدَّ غضبي وحنقِي عليها، وبالكاد منعت نفسي من الإقدام على قتلها، فجررتُها من يدِها بعنف كما تُجرّ الشاة الشاردة (على غير عادتي في معاملة النساء)، وطردتُها خارِجًا، وألقيْتُ إليها ثيابَها، وأوصدتُ البابَ خلفَها بعد أن صفقته بشدة، ثمَّ رحتُ أعنفُهُ وأنصحه، وهو واجمٌ لا يريم، حتَّى أشفقْتُ عليْهِ مِن الانهيارِ النفسي، فضممْتُهُ إلى صدرِي بحنانٍ صادق، وبكيْنا سوِيًّا.
لم أتمالك نفسي فقلتُ بِلا تفكيرٍ:
– ألم يكنْ أخُوكَ حينئِذٍ، شابًّا غِرَّا، عزبًا، غريبًا، غنيًا، فارِغَا؟
حدجَنِي بِنظرةٍ ناريةٍ تُذيب الحجر، ولم ينبسْ بِبنتِ شفةٍ لفرط الغيظ، ثمَّ انصرفَ ساخطًا، وقاطعَني أيامًا عِدّة!

السابق
صًرْخَة
التالي
إيحاء

اترك تعليقاً

*