القصة القصيرة

زمن

على ذلك السفح المنبسط بين جبلين شهيرين ، يعيش الفتى (إبراهيم ) و تعيش عيناها تسد عليه الآفاق تتساقط عليه كُحلا جنيا، عندما تهب النسمات الخفيفة تتطاير ذرات الكحل مسببة حساسية عاطفية يكاد ينفجر لها الفؤاد ، يعيشون حياة من زركشة خاصة ،يقول كبيرهم ، و هو شيخ لم يبق فيه إلا لسانه:
ـ نحن أرذل عائلة لأننا دائما نعيش على حواشي المدن كحراشف الزرابي التي هي أول ما يظهر عليها الاتساخ ،نزاحم الشجعان الذين يعتمدون على سواعدهم في الدفاع عن أنفسهم ، لا على السلطة الفرنسية ، لا نغلبهم إلا بالمكر و بالإلحاح و السماجة .لا ألوم الأعراش عن عدم قبولها منحنا ألقابها ، أفعالنا رديئة للغاية ، سنبقى مجهولي النسب . كلّ البدو الذين تربطنا بهم قرابة الترحال و عاطفة التطويح يعافوننا ،و لولا عينيها اللتين تمطران علينا من كل حدب لانتحرتُ .
لا يقول هذا المعمّر كلامه من فراغ ، فجده الذي هو قدوتهم ، و الذي نصبوا له مقاما يزار قتل ابنه الذي كان دائما يعتدي على زوجته بالضرب، و عمّه اجتمع عليه إخوته الذين ملوا من ظلمه لهم ، فأرهقوه لكما حتى فاضت نفسه ، حدث ذلك بعد أن بدأ يفقد عنفوانه ، خاله أيضا كان يقطع الطريق على الناس ، و كانت نهايته على أيدي حراس قوافل الحجيج، حين كان الحج مشيا على الأقدام عن طريق البر .أخوه قتل أحد إخوته العشرين و سرق منه زوجته ، الأحفاد الأن متفرقون لا يعرف بعضهم بعضا.. أبعد شيء عن بالهم قصة الحلال و الحرام ، وحده معدن الكحل يميزون به الأشياء .
ستة من العائلة في (كيان) بجزيرة (كاليدونيا) نفتهم فرنسا هناك ، لا لأنهم ثاروا مع المقاومين، و إنما لأنهم ارتكبوا جرائم قتل و قطع للطريق . تتحدث النساء فيما بينهن عن جرائم أخرى تخص تشقق قنينة الكحل و تسرب الغبار منها ، و تخص الأعراض ، و تشير أيضا إلى الاغتيال عن طريق الرمي في الآبار و استعمال السم ، و لا أحد يعرف كيف توصل هؤلاء البدو إلى معرفة أسرار السم ، لحظات بوح معهن يفشي فيها المخمورون الفجار عن جرائمهم . قبورهم أماكن شؤم ، أينما يصبح الربيع كحلي الأنفاس . حتى (فرنسا) لم تشأ أن تصطفي منهم خونة لأنهم لا يشرّفون الخيانة ، يكتفون بالتقاط ذرات الكحل التي تغطي أشجار السدر و يخلطونها بعسل النحل البريّ .
ينهض (إبراهيم) باكرا ، ينطلق بقطيعه كعادته ،يحمل على كتفه لباسه الذي لا يتغير في كل الفصول ، عبء ثقيل ، لا يمكن الاتكال على السكين للوصل إلى الجسد لكثافته ، و حدها الرصاصة تصل متعبة ، أو استهداف الوجه مباشرة كما يفعلون هم مع الخصوم ، هذا ما تعلموه عبر أجيالهم . يحس بالقلق ، شعور غريب ينتابه ، اتجاه أسرته و المنطقة التي يعيش فيها ، كأن تلك العينين اللتين تلمعان له مصابة بالرمد هذا الصباح ، فتصيب آفاقه كلها بالغبش ..يترك كل شيء ، و يمشي مستعينا برمشاتها، إلى أن يصل إلى محطة القطار ، يترصّد الوقت المناسب ، ليركب مع البهائم ، و يصل إلى المدينة ، يدور في شوارعها النهار كله ، ثم يجلس مقابلا لمنزل كبير ، و ينام .. يلاحظه صاحب المنزل ، و هو شيخ طاعن في السن ، فيخرج له الطعام، و ينصحه بالابتعاد عن هذه المنطقة ، فقد سمع بأنه ليلة أمس أول نوفمبر تمت هجومات ضد المراكز العسكرية الفرنسية ،و يقولون إنها الثورة لقد تبدل غبار الكحل بغبار البارود ، نكهته أفضل و أعز، الجنود الفرنسيون يدورون غاضبين ، يفتشون كل شخص يشكون فيه ، و يتشددون مع من ليس لهم هويات .قال الفتى :
ـ و لكن سيدي ليس لي مكان آوي إليه ، و لست من هذه المدينة .
ـ يمكنني أن أستضيفك اليوم لأن الوقت أوشك أن يصير ليلا ، سترحل غدا لتبحث لك عن ملجأ آخر ، أنا أعيش مع حفيدتي .
في الليل تسلل نحو الفتاة ، وجدها مستيقظة تنتظره ، فرح ، و لكنها شهرت المسدس في وجهه ،قائلة له :
ـ إذا كنت تعتقد أنك رجلا ، فخذ المسدس و اقتل به حاكم المدينة الفرنسي .علمته كيف يستعمل المسدس ،فقد أخذت ذلك من أبيها المتوفي متأثرا بمرض عضال ، وكان قد شارك في الحرب العالمية الثانية مع القوات الفرنسية ضمن التجنيد الإجباري ، أما أمها فقد تزوجت برجل آخر في مدينة أخرى. لم يشأ أن يخبرها بأنه يجيد استعمال السلاح بشتى أنواعه حتى لا يزداد خوفها منه. لم تنم ليلتها تلك كما لم ينم جدها أيضا الذي كان يحمل السلاح أيضا و يراقبهما من بعيد دون علمهما. و الأهم من ذلك كله أن ذلك الغبار المتراكم مزيجا على كتفه لم ينم.
في الصباح خرج الفتى من المنزل و هو لا ينوي شيئا داخله سوى التخلص من هذا الموقف ، الآن أصبح مسلحا ، كما يحمل معه قطعا من الكسرة المطبوخة بزيت الزيتون .. خيّم الظلام ، لم يجد أين يذهب ، يمكنه أن يرجع إلى منزل الفتاة بعمل بسيط مقارنة بقدراته و قدرات أسرته، قصد المنزل الذي وصفته له، انتظر قليلا ،وجد الحراس يحيطون به ، تسلق الجدار ، التقى بالكلاب خاطبها بحركات و أصوات غريبة.. حميمية مؤثرة ، فكفّت عن النباح ، ثم أجهز على الهدف بالسكين ، و رجع في تلك الليلة إلى الفتاة ، انتظرت النهار لتتأكد من الخبر، بعد ساعات عرفت أن ذلك المنزل ليس للحاكم ، و إنما لمسؤول عسكري سام لا يقل عنه مرتبة ، فرحت بهذا الإنجاز ، و لكنها ما زالت تتوجس منه خيفة .
في الغد بنى له الشيخ بيتا صغيرا من الخشب داخل حديقة المنزل الواسعة ، لم تفكر الفتاة في هذه المرحلة ، و ماذا يمكن أن يحدث بعدها ، هل يمكن أن تتزوج من هذا الشاب الخشن الذي يتجرأ على ذبح عسكري تحت الحراسة ؟ يمكنها أن تهرب مع جدها و تترك له المنزل ولكن هذا ليس حلا، سوف تترك للأيام القادمة حل المشكل إن كان هناك مشكل حقيقي.
عرف الجد من خلال جلسات متفرقة أصل الفتى و حكايته ، فلم يتوجس منه ، بل على العكس تماما ارتاح له ، ورحب به لأنه هرب من تلك الأسرة الشريرة ،وعده بأن يزوّجه ابنته ، و يعطيه ثروته و لكن بعد أن تتلون شعرات رأسه بغبار البارود .اتصل الشيخ بمن يعرفهم من الذين كانوا يمارسون العمل السياسي السري، الكل نفى علاقته بما يحدث رغم تلطخ شعورهم بأغبرة غريبة ، إلى أن جاءه أحدهم ليلا ليسأله عن سر تحركاته لمعرفة ما يجري في الجبال ، فأعلمه بأنه يريد أن يجند شابا شجاعا . بعد أيام كُلف بمهمة ، و هي رمي قنبلة في ملهى ليلي، نفذ (إبراهيم) المهمة بكل بساطة، كان بإمكانه أيضا أن يطلق الرصاص ، و لكنه التزم بالتعليمات .
تم الاتفاق على يوم للصعود إلى الجبل ، لكن المجاهدين الذين التقيا بالفتى (إبراهيم) تفاجآ به لوحده ، فقد كانا ينتظران معه شابا آخر يحمل معه آلة راقنة تبرع بها أبوه ، مما جعلهما يشكان في القضية ، يجرّان الفتى معهما مقيدا بالحبال إلى غاية وصوله بعد يومين إلى المكان المقصود ، و هناك تأكدا من تخلف صاحب الراقنة الذي صعد بعد أسبوع ..الآن أصبح بإمكانه أن ينتقم من (فرنسا) التي نفت أجداده إلى تلك الجزيرة البعيدة في المحيط .
سأل (إبراهيم) :
ـ هل علينا حماية كل هذه الجبال ؟
ـ لا يا بني ، لن نحمي شيئا ، هدفنا هو إخراج فرنسا من بلادنا .
ـ هل يمكن أن نخرجها من بلاد واسعة ؟
ـ نحن لا نتعامل مع التراب ، بل نتعامل مع الجنود الفرنسيين ، حيثما كانوا نقاتلهم ، نخيفهم ، نزعجهم ، هذا هدفنا ، و أمثالنا منتشرون ..نحن نتحرك على ترابنا و هم يتحركون على أمواج ترتجف تحتهم، المعركة يفصل فيها الأغبرة ، غبار التراب و غبار الكحل و غبار البارود ..
مع مرور الأيام بدأ يحس بالملل من هذه الحياة ، شظف في العيش ، و ترقب دائم للخطر ، و صلاة ، و هو ما كان يزعجه ، لم يكن يجد طعما للصلاة و لا للأناشيد الوطنية التي يؤدونها ، همه أن يقاتل ، و يسفك الدماء ، ليرجع إلى المدينة ملطخا شعر رأسه بأي غبار و يتزوج تلك الفتاة ، قرر أن ينتقل إلى الضفة الأخرى ، سمع بأن الذين يقاتلون مع فرنسا يحظون بالنعيم و بالرعاية ،تأخر عن أصحابه ، فافتقدوه، و سلم نفسه للجيش الفرنسي .. أفصح عن نيته ، أشبعوه أولا ضربا، ثم أخضعوه أياما للمراقبة ، بعدها قرروا أن يزرعوه في صفوف الجيش الجزائري، و لتكن الخطة أنه تأخر فتاه عن قافلة الجنود ، وتم القبض عليه من قبل الجنود الفرنسيين الذين أوسعوه ضربا و علامات التعذيب طبعا مازالت بارزة ،ثم تمكن من الهرب ، و فعلا ، مشى مع المجاهدين فترة من الزمن أحس فيها بأنه مراقب ، و غير مؤتمن، خاض معهم معركتين ، و في المعركة الثالثة أصيب بجروح بليغة، ما جعله يتوقف عن القتال ، و يرجع إلى أهله من جديد ، يرحب به البدو ، و لا يلبث أن يصله الجيش الفرنسي ، و يحملوه للاستنطاق ، و لكن يكتشفون أنه متعاون معهم فيطلقون سراحه ، مع مرور الزمن تعافى ، و رجع إلى تلك الفتاة ، لم يجد جدها لأنه توفي ، كما أنها لم تسمح له بأن يدخل المنزل لأنها بمفردها ، و من عقد معه صفقة الزواج قد توفي ، أضف إلى أن الشرط ـ و هو الغبار ـ لم يتحقق بعد ، ناهيك عن أن الشكوك التي كانت تحوم حوله في الجبل وصلتها عن طريق الوسيط بين المداهدين .
فكر فيما سيفعله ، قرر أن ينتقم منها .عندما خيم الليل ، تسلق جدار منزلها ، قصد غرفتها ، لم يجدها ،بحث جيدا في المنزل الذي لا يعرفه مثلها ، و عندما تعب من البحث ، قعد على السرير، أشعلت الأضواء ، فانتفض من مكانه ليجدها تسدد في وجهه رصاصتين ليمتلأ المنزل كله دخانا و غبارا مباركا زكي العطر. أخذت إلى السجن ، و تعرضت لأبشع التعذيب ، و لكنها تصر على أنه أتى ليعتدي عليها ، و أنها طمأنته حتى قتلته بسلاحه ، بدا الأمر في النهاية ـ و لاسيما بعد تحملها للتعذيب ـ منطقيا، أطلق سراحها ، بعد الاستقلال نامت عيناها ، و لم تشأ أن تخبر أحفادها أنها قتلت خائنا قذرا ، تكتفي بالابتسامة كلما ذكروها بأنها قتلت سارقا ذات مرة عندما كانت يافعة ..

قاص و شاعر و كاتب

السابق
وهم
التالي
إستقالة

اترك تعليقاً

*