القصة القصيرة

زهرة عباد الشمس

في خفر العروس تلصق عينها بالأرض ،تقتفي شعاع الشمس الذهبي ،المتكسر على السفوح والروابي ، تتلاشى الخيوط وراء الشفق الأحمر البعيد ، تكتئب الزهرة ٠٠٠ تبتئس ، يصيبها الشحوب وتنكمس حزينة ، تتكوم على نفسها ، تنتظر قدوما جديدا بلا غيوم !
يحز في نفسك مآلها ٠٠ يلفظ مخك حمم أسئلة تتطاير تتحجر حائرة على شفتيك ٠٠ تتشظى على جدار ذاكرتك حكمة العصور التي تسري فيك :
– ما سر هذه الزهرة العجيبة ، الغريبة ؟؟
تقتحم مغارة ساحرة ، تبحر في متاهات مكتبة الموتى ، تطلبها : تدوس الجماجم : جماجم، ضخمة ،مسطحة ،مفلطحة ، لعاد وتمود ٠٠ جماجم صغيرة كحبات الرمان لأبلد بلداء تاريخ البشرية ، جماجم لا تفيدك في شيء !
تتيه بين أكوامها المتراصة كحبيبات العنب في عناقيدها ، تبتغي سرها ومستورها ، تضيع في سراديب أرشيفات ذاكرة الماضي :
– زهرة ، عشاقة ، تعشق عشقا مستحيلا ،معشوقها وهم قاتل :
رقص على ضباب ، تمسك بسراب :
“أبولو “إله الشمس بعربته يجرها جياده الأربعة يمخر مساحات السماء اللامتناهية ،ويسابق الفراغ ٠٠تضيع أحلام “المسكينة” العاشقة في ربوع الأرض لا السماء !
كل يوم يغيب “أبولو ” في المغيب ٠٠
تدبل وتروح بصمت في نوبة نحيب ٠٠
كل يوم يخترق متاهات فراغ الفراغ !
بين أوراقها تتقد نار الصرع والصراع !
زهرة خجولة ، بائسة لم تيأس ٠٠ تقتفي أثر “أبولو ” كل يوم من مشرق الشمس إلى مغربها طيلة الزمن !
زهرة رائعة ليس لها خلاص من الإخلاص !
عين كبيرة ترى كل شيء ، وحدك تراها ، تحميها ضفائر الشمس العسجدية !
تتيه في مكتبة الموتى ، تمارس إحياء هذه الجماجم القديمة : تختلس منها سرا من أسرار زهرة الزهرات، ملكة الألوان ، وطيف الشمس الأبدي ، عبادتها اتحاد وحلول !
ها هي زهرتك ماثلة أمامك ،تعرف عليها عن كثب ، تملى بسوالفها الصفراء الذهبية وغص في بحر أسرارها فما تراه عينك ليس كما تحكيه لك جماجم الماضي وكتبه الصفراء الباهتة !
اترك جماجم الموتى تنعم بالسلم و السلام، واحترس فقد تكون الضحية المائة أو الواحد بعدها،لشظايا جمجمة الشنفرى الملعونة !
آه ٠٠٠أنت بليد مخبول !
آه ٠٠٠أنت ابله مهبول !
فأنت لا تحسن السؤال !
هؤلاء الأموات سيخبرونك عنها :
– زهرة عباد / دوار الشمس :
عين” حورس ” فقدها في إحدى معاركه مع “ست” ، لكن أين هي خصية” ست ” هذا ؟ فقد أخبرنا هؤلاء بأنه هو أيضا فقد خصيتة ؟
كانت المعركة متكافئة : العين بالعين أو الخصية بالعين !
هي بوصلة معتوهة ، لا تغير مسار الشمس ، تمتص منها الضوء وتتمسك بتلابيبها أينما تحل وترتحل ، وتميل حيث تميل!
مسلوب الإرادة ، تتملى بجمال زهرتك ، تتلمظ روائحها الزكية :
– ز٠٠٠ز٠٠٠٠زز٠٠زز٠٠٠ززز٠٠٠ززز٠٠٠٠زززز ٠٠٠!
أزيز حوامة قديمة نازية الصنع ، يخترق تلافيف دماغك ،تمتصه طبلة أذنك المثقوبة ، يقترب منك ، يتضح شيئا فشيئا تتبينه :
كان أزيز ذبابة كبيرة خضراء ، مستكرشة ، قادمة من معلقة عنترة : قزحية العينين ، زجاجية الجناحين ،سوداء البطن كخافية غراب أسحم ، ، مركبة ترسو فوق أسود بؤبؤ عين “حورس” ، ذكية ، محنكة ، تعشق التألق ، تحب الأمن والأمان ، تكره قمع الأنظمة الفاسدة !
أسود العين جمالها ، فتنتها في سوادها :
لونها يمتص كل ألوان الطيف ، الخضراء ذواقة ألوان ، عاشقة موضة
أما رموشها الصفراء ، فهالة تفاؤل وانشراح :
في مساحة عين الزهرة ، تمارس هذه الذبابة طقوسها الخاصة ، تزيل ما علق بجناحيها والأرجل من روائح الأموات :
تمطط جناحيها تحت رجليها الخلفيتين ٠٠ تحك بذراعيها عينيها الكبيرتين البراقتين : هزجة ، فرحانة ، نشوى ، سكرانة وما هي بسكرانة ، تتغنى بصولات وجولات الذباب و لسان حالها يقول :
وخلا الذباب بها فليس ببارح ٠٠٠٠٠غردا كفعل الشارب المترنم !
هزجا يحك ذراعه بذراعه ٠٠٠٠٠٠قدح المكب على الزناد الأجذم !
وأنت ترقبها، تتسمر في مكانك كمومياء محنطة ، جسد جمده الصقيع ، بها تلتصق عيناك ، لا تريد أن تفسد عليها راحتها واستراحتها ، تتملى بطقوسها الغريبة ، و من داخلك يفترسك تطفلك الطفولي !
فجأة من خلوته، يطل برأسه المثلثة المخيفة خارج مخبئه ، الناسك/ المتعبد / فرس النبي : دورة كاملة ، استدارة حربائية ، يستطلع الحال والأحوال براداره اللعين في محيط الزهرة ، ينفض عنه غبار النسك و التعبد ، يتحول مصاص دماء ، قطاع رؤوس ، يرمي لباس الورع والوقار ، يغير لون برنوسه الأخضر ، ما يخفي صدره نية مبيتة ٠٠يستعد للقتل والفتك٠٠ وجز الرؤوس٠٠ وتقطيع الاوصال بمناشيره الخرافية المسننة :
بحدر شديد يتلمس سويق زهرة عباد الشمس ، يحكم قبضته عليها ، يصعد بتؤدة و بطء : كله عزم على ارتكاب جرمه العظيم ، فهو ليس الأول والأخير بعد قابيل ، يتحد بلون الساق الخضراء والرموش الصفراء ، تمويه شيطاني خداع ، يقترب شيئا فشيئا من الذبابة : المسكينة منشغلة ، بمساحيقها وعقاقيرها ، كانت تتبرج فرحة بنفسها ،كيف و هو الناسك المتعبد ؟ : يمقت التبرج ، ينشر الفساد بين العباد في البلاد ، تحجب رؤية ما حولها بذراعيها ، فرصته ذهبية ، يقترب منها ، يهوي عليها بمنشاره المسنن ، يدق عنقها ٠٠ يفصل رأسها عن جسدها : مقصلة النسك والناسك ٠٠يتلمظ دمها٠٠ يرقص رقصة انتصاره على جثة ضحيته المتبرجة ٠٠يشرع في افتراسها !
غير بعيد من مسرح الجريمة ، يقبع جدع شجرة يابس يرقص رقصة المغلوب ، المرعوب ، على إيقاع ضربات منقار نقار الخشب، يدمر خلاياه المدمرة ، يبتغي هندسة بناء بيته !
بمنظاره الثاقب ، يرصد السرعوف ينتشي بلحم الفريسة ، ويتبول ويتغوط على جثتها المدمرة ٠٠ يوقف النقر مؤقتا ، يحوم حول زهرة عباد الشمس ، ينقض على الناسك / المتعبد ،يهوي عليه بضربة من منقاره الثقيل ، يدمره ويبتلعه في جرعة ماء ، ينتقم للخضراء المتبرجة ، يتعجل العودة إلى نقر جدع الشجرة ٠
على ارتفاع شاهق يرصد الشاهين ، نقار الخشب متلبسا بالجريمة ، كقديفة طائشة ينقض عليه ، يخرم جسده بمخالبه ، يطير عاليا طالبا رؤوس الجبال !
حجرة طائشة شاردة من مقذاف مطاطي ،تردي الشاهين قتيلا !
نقار الخشب عالق بمخالب الشاهين ، والناسك لم يصل حوصلة النقار بعد ، الذبابة متشظية بين فكي الناسك :
هذه زهرة عباد الشمس : لا هي عين حورس ، ولا هي عين القمر ولا هي عين رع ، ولا هي معبودة أبولو إله الشمس !
زهرة عباد الشمس مسرح كوني :
للقاتل والمقتول !
للظالم والمظلوم !
للحاكم والمحكوم !
للجلاد والمجلود !
مسرح مفارقات بين ما يراه الأحياء ، وما يقوله الأموات !
زهرة عباد الشمس سر مخفي وحكاية عجيبة ، غريبة ٠٠ لا تختزل في قنينة زيت تزين مطابخنا !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
ليموزين
التالي
إستغناء

اترك تعليقاً

*