القصة القصيرة

زيزفونة

ما إن دخلتُ بيتَ صديقتي و استقررتُ في وسط غرفةِ الجلوسِ حتى دغدغتني رائحةٌ زكيةٌ لم أُميزها وقتذاك. لكنَّ شيئاً ما تحرك في سريرةِ روحي بقوةٍ و دغدغَ العمقَ. إستمرَ العبير يجتاحني وأنا أحاولُ التقاطَ ذراتهُ؛ إلى أن قابلتني تلك الكأسُ التي كانت تَحضِنُ الأغصان الغضةَ بأزهارها الناعمةِ حيث راحَ العطرُ يستبيحُ ذاكرتي.
” يا إلهي…! إنها هي..شجرةُ الساقيةِ “،صرختُ بأعلى صوتي.
كانت تنتصبُ بهيةً..رقيقةً و صامتةً على الطرفِ العلوي لساقية القريةِ، عند زاويةِ الممرِ الضيقِ الذي بالكاد كان يتسع لشخصينِ أو ثلاثة و يفضي بدوره إلى بيدرٍ صغيرٍ كان ساحةً للمدرسةِ الإعداديةِ الملاصقةِ لبيتِ جدي من أمي.
يميناً…في أولِ البيدر، وعلى رأس الساقيةِ قبالةَ الشجرةِ رسخَ مقامٌ مُباركٌ(للشيخ حسن) حيث استلقت خلفهُ مقبرة القريةِ الوادعةِ، فكان حارساً لساكنيها و مصدرَ اطمئنانٍ لزوارها.
كانت أوراقها تشبهُ أوراقَ شجرةِ الزيتون، خضراء بماسةٍ فضيةً مُشعةً، ساقٌ و أغصان ناعمةٌ؛ أما الرائحةُ..فحديثٌ آخر.
لم أتمالك نفسي..إقتربتُ و إحتضنتها و غُصتُ في شذاها إلى الأعماقِ، فتذكرتُ على أثَرِها كيف كنتُ أقتنصُ اللحظاتِ عندما كنت أهربُ من الصف لأقتربَ منها و ألمسها و أشمها، و كم نسيتُ الدرس و أنا واقفةٌ أتأملها…!
ذكرياتٌ بعيدةٌ مرت ببالي؛ فعصفَ الشوقُ و الحنينُ لأيام القريةِ الخوالي. كنتُ دائمةَ التساؤلِ
آنذاك…كيف،لشجرةٍ بتلكَ الرِّقةِ و الهدوءِ أن تتحمل هديرَ الساقيةِ المخيف؟
سأعترفُ بأنه كان يُصيبني بالهلَعِ خاصةً أيامَ الشتاء. كانوا يُسَمونها (ساقية) لكن حقيقةً…كانت نهراً هادرا.ً كنتُ كلما أمرٌُ بمحاذاة شلالها المزمجر ِيُوشكُ قلبي أن يتوقفِ عن النبضِ؛ فألوذُ بحضنِ أمي أو أختي و أتمسكُ بيديهما ريثما نجتازهُ..بينما عينايا تُنقِلانِ النظرَ مابينَ شجرةِ الزيزفونِ و ذلك الشلال.
لم أستطع وقتذاك..أن أفسرَ سِرَّ الإلتحامِ الغامضِ و الساحرِ بين تلك الرقةِ و الجمالِ الهادئِ و ذاكَ الفيضانِ المجلجلِ…!
قلبي لم يعد يحتمل عصفَ الذكرياتِ و الحنينِ؛ فخرجتِ مسرعةً و اتجهتُ إلى هناك. نزلتُ من السيارة و الشوقُ و الحنينُ يسبِقاني..فتسَمرَت قدماي…! لم أرى المدرسةَ ولا البيدرَ الصغير، بيتُ جدي قد تغيرت معالمهُ، الساقيةُ أضحَت ساحةَ إسفلتٍ، أما شجرةُ الزيزفونِ فقد رحلَت…!
أغمضتُ عينيَّ و رحتُ استرجعُ عبيرها، لكن…خانتني الروائحُ كلها؛ تيقنتُ حينها أن شجرتي ماتَت حزناً على ساقيتها…!
دارَ بي المكانُ و الزمانُ..فتَجَلَّت غصَّتي
دموعاً قارسةً..صرَختُ مخنوقةَ الأنفاسِ” وداعاً…يا زيزفونة”.

السابق
مغترب
التالي
قراءة في نص “زيزفونة”

اترك تعليقاً

*