القصة القصيرة جدا

زيف

لم أفهم يوما ما كان يقال عن سليم مجنون الحي الذي طالما رافقته في غزوات كان يقوم بها في الأحياء الأخرى. كنت أستمتع بصحبته رغم تنديد الكثيرين بذلك ومحاولتهم ثنيي عن ملازمته بحجة أن هذا غير لائق بي وبمكانتي. سليم الذي لا يعجب أحدا كان يحمل قلب طفل بريء عامر بالحب لم تؤثر فيه ملوثات الحياة المادية؛ فبقي كأرض بكر لم تطأها قدم إنسان، وهذا ما شدني إليه. في لحظات صحو تنتابه كان يمطرني بوابل من الحكمة والتعقل لم أجدهما في سليمي العقول. أقنعت بعض الأصدقاء أن يجتمعوا به ليتأكدوا بأنفسهم من كلامي، وينتزعوا من رؤوسهم تلك الأفكار الخاطئة عنه.
التقينا تلك الليلة في غرفته التي تشبه كل شيء إلا الغرفة؛ فجدرانها وسقفها من التوتياء، تتدلى منه إطارات خشبية لصور لا وجود لها إلا في ذاكرته المتعبة. على الجدران المتهاوية قصاصات من صحف قديمة تتصدرها مقالات لشعراء وكتاب أجانب وعرب. في الزاوية لمحت روايات عالمية وكتبا فلسفية. بالمختصر المفيد كانت غرفته مكتبة ضخمة، أنى اتجهت تجد أكواما من الكتب. الذين رافقوني في زيارتي أصيبوا بالدهشة، ووقفوا كمن أصيب بضربة على رأسه. المفاجأة كانت عندما بدأ بالترحيب بنا على طريقته؛ فقد وزع لكل واحد منا كتابا والابتسامة لا تفارق وجهه.
دعانا إلى افتراش الأرض وسألنا فيما إذا كنا قد قرأنا ما بين أيدينا من كتب. أطرقنا رؤوسنا خجلا، “سامي” أستاذ التاريخ، “أبو أكرم” خريج كلية الآداب، “فارس” الحقوقي اللامع، و”أنا” خريج قسم اللغة الفرنسية، اكتشفنا كم نحن جهلاء خاصة عندما بدأ يسرد لنا أحداث كل كتاب بالتفصيل الممل ويبدي رؤية نقدية في بعضها. كان ترحيبه بنا من الوزن الثقيل؛ فقد تحدث عن”كافكا- ليون تولستوي- مكسيم غوركي_ جان بول سارتر-” وغيرهم. ظهرت ضآلتنا وضحالة تفكيرنا نحن الأسوياء، أمام من ينعتونه بالجنون.
منذ تلك الليلة أصبحت غرفته مأوى لنا بدل الجلوس في المقاهي والثرثرة الفارغة، نتحلق حوله كتلاميذ المدارس، نحن المتعلمون الأميون، وهو المثقف المجنون.

السابق
لامبالاة
التالي
تنُّور

اترك تعليقاً

*