القصة القصيرة

سائق الهيليكبتر

انقضت شهور الصيف وحل ايلول..دبت الحياة من جديد بمدرستنا العتيقة..عادت الروح الى ساحتها الواسعة..ضوضاء وجلبة..تلاميذ منشغلون بتنطيف مخلفات شهور الصيف البائدة ..يمسحون الاثربة..يزيلون اعشاش العنكبوت ..يمحون مخلفات الطيور التي سكنت ارجاء الحجرات. يسقون الشجيرات.. يحاولون ببراءة الاطفال احياء اوصالها الميتة..
مدرسة قريتنا بها قسمان فقط..وسور طيني صغير يحيط بالساحة والحجرتان ..مشكلا مستطيلا طويلا ..سمح لنا برسم ملعب كرة قدم صغير بذاخله..خططنا بالجير تفاصيله..ومن خشب اقمنا عوارضه..كانت فرحتنا به غامرة..اسميناه باسماء ملاعب عالمية ..كل على حسب هواه..وما حب قلبه وما ارتضاه…
لم يتغير شيء عن السنة الفارطة..المدرسون انفسهم..
والاجواء نفسها تتكرر كل عام..فرحة اللقاء ترسم البسمة على الوجوه..
مدرس العربية يمازح الاطفال..يسال عن ما قمنا به صيفا..وهل كان للكتاب من وقتنا نصيب؟؟؟مدرس الفرنسية بنظارته الدائرية واناقته المعهودة ..يوزع مجلة التعارف-العندليب- كان شغفي بها كبيرا..اختار من بين صفحاتها اجمل البنات وامضي في احلامي اراسل الاحلام.. أصفو حينا واحزن احيانا ..اداعب الخيال..وارسم بالرمال قصورا..وبالغيمات فساتين اعراس..الملم النجوم وانظم عقدا..ازين به عنق الاحلام…
لاحت من بعيد ..تمشي الهوينى ..كسحابة صيفية..اخفت بدلالها بريق شمس الاصيل ..وافردت لها السماء حضنها..لتتربع وحيدة.. اقتربت اكثر وبدا جمالها لافتا غريبا بعيدا عن جمال نساء قريتنا.. كانت رقيقة كنسمات الصباح ..جميلة كزهرة -الكاردينيا- جلبابها الوردي اخفى نحافة عودها ..لتبدو متالقة كنجمة سينمائية على البساط الاحمر…
القت على الجميع السلام ..انها مدرستنا الجديدة..تدافع الاطفال لقسمها..بوعي او دون وعي الكل يريد ان ينهل من بحر علمها..او لربما يشثم من سحر عطرها..انجدبنا نحوها هائمين ..مستسلمين لسطوة سحرها..دون قيد او شرط منهزمين…
مر يومان على تواجدها بقربنا..سحرت قلوبنا الصغيرة..بدلالها بدت الدروس سهلة مهضومة..والساعات بوجودها تواني يسيرة..كلامنا ..همساتنا..تغامزنا…حتى لعبنا..كل شيء كان لها….
ودات صباح حلقت حوامة -هيليكبتر-فوق سماء قريتنا.. على غير العادة كانت تحلق على علو منخفض..اثار الدهشة وبعثر سكون البادية..غابت الحوامة ثم عادت من جديد..على علو اكثر انخفاظا..اقتربت من ساحة المدرسة..خرج الاطفال والمدرسون..إقترب اهالي القرية ايضا..كانت اول مرة نرى شيئا من هذا القبيل..الاعناق تصبو الى السماء.. والذهول تملك الجميع..اصبحنا نرى سائق -الهيليكبتر- بوضوح ..بزته العسكرية زادت من دهشتنا واتسعت عيون الحضور ..الحوامة تقترب من الارض اكثر…هدير محركها ..مرعب ..تراجع الجميع الى الخلف خطوات..اثارت زوبعة من الاتربة وهي تقترب من منتصف ملعبنا ..لتحط اخيرا في ساحة المدرسة
نزل السائق ..ببزته العسكرية..ونياشينه النحاسيةاللامعة..بدا كاحد ابطال فلم امريكي..او زائر من كوكب اخر ..توجه الى قسم نجمتنا.. لتستقبله بحضنها ..رسم قبلة على خدها..تحدثا قليلا في انسجام لايخفى ..سلمها بعض الاوراق ..ليعود مسرعا الى حوامته..انحنى قليلا ..ثم صعد ..وطار ..عاد من حيث اتى..
بعد لحضات غادرت المعلمة القرية..لنبقى وحيدين..
متسائلين حائرين…
حضر اعوان السلطة..وقدموا تقريرهم حول الواقعة ..الى الجهات المسؤولة..
قالوا بعد ايام..انه زوجها
قالوا…انه حبيبها…
كثرت الاشاعات …لاشيء مؤكد..
لكن الاكيد انه زرع حزنا ..واخد فرحة سكنت قلوبنا ليومين …
ليومين فقط….

السابق
أصل
التالي
تِسعينيّ

اترك تعليقاً

*