القصة القصيرة

سالف عذراء

تشغل الفنوغراف ،تستل أسطوانة قديمة من غشاء مزين بصورة المرحوم ،وبعنوان جميل بخط عربي مضغوط : [صوط عليه يطيب ] !
لفة ، لفتان ، يكبو الفونوغراف ، يتعثر ، تعلق شوكته بالأسطونة ، يتوقف نبضه الكهربائي تماما !
– ماذا دهاه ، أعلق به غبار الزمن ؟ أ توقف بتوقف أنفاس صاحبه ؟ أدخل في عطالة أو بطالة ؟
في ركن قصي من غرفة المرحوم ،تقبع أشياؤه محروسة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها ، لا يمسها الجن الأزرق :
كمنجة قديمة باهتة دون أوثار، علبة رزينة سوداء ، مزهرية مكسرة ، أزهار بلاستيكية صفراء ، مبعثرة فوق منضدة خشبية ، صورة المرحوم بشاربه المعقوف ،في إطار جميل منقوش ، يشنقها مسمار بارز مهترىء ،
أكله الصدأ !
تمسح الأسطوانة بكم قفطانها، تزيل عنها الغبار :
-خمس وأربعون لفة ؟ ولا لفة ، ولا دندنة يا لحظي العاثر!
تشعر بشوكة حادة ، تذبحها، وتقطع وريدها ، تمنعها من التنفس ، تكاد تختنق :
-لا لفة ٠٠لا لفة ٠٠ لا لفة ، توقفت اللفات ، لفظ الفونوغراف أنفاسه الأخيرة ؟ ربما توقف في غفلة مني ، وأنا أتلمظ حلاوة ليال حمراء ،و أنتشي باستمناء الذاكرة ، لكن أهو الغبار أفسد الأسطوانة ؟ أم تسربت الرطوبة إلى أحشاء هذا الفونوغراف الهرم ، فتعطلت حركته ؟
حيرة تتشظى في تجويف قلبها ، تزداد نفسها انقباضا، يكاد الدم يتجمد في عروقها المترهلة ، المرتخية !
دمعتان كبيرتان تلمعان براقتان ، تنفلتان من عينيها السوداوين ، تمسحان تقاسيم وجهها المتجعد ، تربتان على خطوط وشم باهت ، تعبران مسافة مهوى القرط منها، تستقران في منحر فيه شيء من جمال قديم ، و نضارة بالية !
تتكسر الذكرى على جدار الذاكرة ،جدار امحت نتوءاته ، تخترق شقوق النسيان ، تسترجع شريط متاهات الزمن الهارب :
– هيه !، هيه ، آه يا زمن ، آه يا أيام !
هناك ، هناك ! في سفح تلك الربوة ، تقبع [سالف عذراء] شامخة شموخ قبائل زعير، تقتات أرضة الأيام من جذعها الصامد ، غير بعيد ، بيوت طينية ترابية ، تلتصق بذلك النتوء : قرادا ، أو جرادا ، أو جحافل نمل أبيض !
يهدهدها حنين المكان ، يدغدغها الشوق ، تستحضر أمجاد [سالف عذراء ] تتذكر ليالي الأنس الخوالي : عشرات الوجوه ،عشرات المواقف ، عشرات الأعراس ، تعبر ذاكرتها الواهنة ، تمسح المحيط بنظرات زائغة ، تبتلع ريقها بصوت مسموع :
-ه …ه..هناك ! تجثو [ سالف عذراء] في خشوع تقبل أقدام الرابية ، يستظل بظلالها الوارفة السخية الحجر والبشر٠٠٠ الظلف والخف ولا تتأفف ،تحت أغصانها تحلو ليالي الأنس و السمر، من غياب أول شعاع إلى إيابه عند طلوع الفجر :
* أغصان سالف عذراء !
* مسدولة سوالف غيداء!
* نضرة نضارة حسناء !
من الجهة الشرقية، تنتشر خيام العز و التبوريدة : شامات سوداء على خدود كواعب حسان ٠٠ تدندن زهرة : وجبة ، [جعيدان] عصية متمنعة ،لا تتقنها إلا متمرسة محنكة في فن العيطة الزعرية :
– آجعيدان ، بان ،بان !
-آ هيه ، آجعيدان ،بان!
تكرر اللازمة ، تنفلت من بين شفتيها حروفا ضعيفة متكسرة، يتمنع عليها وتراها الصوتيان، يشدها طيف المرحومة لكبيرة ،تتذكرها ،تلسعها لسعة العقرب ،تغرز أظافرها في فخذها عندما تسيء أداء وجبة [جعيدان ] فتغني لا مخيرة وتبكي مجبرة ، وتشجعها قائلة :
-يا زهرة ، يا زهرة الزهرات ، يا جميلة الجميلات ، تتقنين كل سواكن العيطة : [خربوشة] ، [حاجتي في كريني ] فما لك ووجبة [ جعيدان ] و [حوز القصبة ] ؟ تعلمي أداء هاتين الوجبتين و سأبصم لك بالعشرة ، سأقلدك وسام شيخة الشيخات وسأشهد لك بالريادة في فن العيطة !
تعيد الوجبة ،مرات ومرات ولكنها تتعثر دائمافي اللازمة !
يتهدج صوتها ، يخرج مبحوحا ، تتشظى حروفها وتتكسر وتفسد جمال الأداء ، تجهش في البكاء ، تشعر بأن الزمن أرخى حبالها الصوتية وكسر النغمة على شفتيها :
وجبة [صوط عليه يطيب ] أحب إليها من وجبة [جعيدان] : لا تتمنع حنجرتها الذهبية ، لا تعلن العصيان ، لا ترفض الانصياع :
-ما باله هذا الزمن الأغبر ، لا لفة أسطوانة ، لا فو نوغراف ، لا صوت لاشيء،لا شيء ما بال حظك عاثر معوج يا زهرة؟
تخترق أسراب الخيول ذاكرتها : ها هم الفرسان بشموخ يتأهبون لإطلاق الطلقة الأولى وهي ترقص جدلى منتشية بندهات مقدم السرب :
-آ الخيل ، آ المكاحل ! آ شد عودك !
ينطلق السرب ، برشاقة ، يسابق ريح الريح ، وسط غيمة كبيرة من الغبار!
يستقبلون القائد ، ليعلن بداية موسم أعراس قبائل زعير : أسراب الفرسان بجلابيبهم بيضاء وسود اء الأطراف كطيور اللقالق ، وأ سراب الحسناوات يغزلن قوس قزح من ألوان ناصعة رائعة ، تتقدمهن الشيخة زهرة ،يشق البارود عنان السماء ، يمزق صمت المكان !
تخشخش الخلاخل في الأقدام ، والأساور الذهبية تشد المعاصم ، تدك الأرداف الثقيلة المكتنزة الأرض دكا !
تعض عذرا وات ، بسيطات ، محرومات من عز الذهب على البنان : خلخال ذهب حلم ممنوع ، وعشق سوار مستحيل : عشق زليخة/ العزيز لنبي الله يوسف !
القائد ملك بلا مملكة ، تحفه حاشية من البسطاء : تفرش له الابتسامة بساط ترحيب مزيف ، يبوسون يديه وكتفيه ، ويتوددون له !
في عراء المكان يتكئ على زربية مزركشة ، تحيط به وسائد حرير ية :
عين على سرب الفرسان ، و عين تتملى بجمال الراقصات يعانقن الفراغ بالصدور المصقولة ، ويمسحن الأرض بالمؤخرات في شطحات مجنونة !
يتمنطق بشكارة حريرية الحزام ، مطرزة الحواشي ، مشنوقة على خاصرته اليسرى ، تفوح منها روائح أوراق نقدية : قرفية ، خضراء ، زرقاء وبكل الألوان ، ورقة معجزة / مباركة :
بين الأعداء تلطف الأجواء !
وتشق الطرق في فراغ السماء !
تتسابق الخيول ، تعلق أجساد فتية غضة ، بين السماء والأرض ٠٠٠ وجبة زعرية رائعة يعشقها القائد [ صوط عليه يطيب ]، تعزف على شرف شكارته السخية المتخمة بالمال !
موسم الحصاد ضرع مدرار: حقول تحبل بحبيبات الخير و البركة ، عجول تملأ الحظائر خوارا ،يعم الخير ، تنثر حبيبات القمح في السهول و على رؤوس الجبال ، فلا طير يجوع ، تكثر الأعراس ، تعم الاحتفالات ، تتمايل سوالف [سالف عذراء ] انتشاء وطربا :
تتنوع الفرجة : أسراب الخيول ، جمال الأجساد : نحيب الكمان الممزوج بعذوبة صوت الشيخة زهرة الشجي :
عيطة زعرية رائعة ،قطعة شعبية ملتزمة ، تستنهض همة مقاوم، تنتقد ظلما يعيث في البسطاء فسادا ٠٠ يفتح القائد شكارته ، يطلق سراح أسراب حمام بأجنحة زرقاء ،يعلقهاعلى جيوب الشيخات ،و بعضها على لجين نحورهن، تشتعل جذوة الطرب حد الفوضى ، تغرد زهرة تغريدة بلبل منتش بمقدم الربيع ، تجلد أقدام عريضة متشققة قعدة حديدية ، طمعا في قليل من رضى القائد :
تنتشي [سالف عذراء ] تطرب ، تسكر ، تعانق أغصانها الباسقة الفراغ .. وتتمايل سكرانة وما هي بسكرانة ، على إيقاع أهازيج ونغمات شعبية وطلقات البارود!
أفواه جوعى ،تتقرب من القائد ، تطمع في قليل من كرمه، ينتشي ، يطرب ،يجعل شكارته مزارا للأنامل الناعمة ، يصل إلى قمة الانتشاء ، يأخذ بندقيتة ، يدس فوهتها في سوالف الراقصات المنسدلة ، يسدد و يطلق البارود ببراعة الرماة ، تشق زغاريد النسوة سماء [سالف عذراء] ،تصدح الكمنجة ، تتحد بروائع العيطة ٠٠ ولحظة ، لحظة يستمتعون بنكتة من خفيف ظل, أو طرافة من طرائف القائد ومستملحاته !
يخترق شريط الذكرى الذاكرة ، يكاد ينخرم، صور باهتة متلاحقة : القائد ٠٠٠لمعلمة لكبيرة ٠٠٠سالف عذراء٠٠٠ المرحوم ٠٠٠كلهم أصبحوا طي النسيان٠٠٠ ذكرى تبهت ،تخبو ٠٠ثم تنطفئ٠٠ وبفخر تتذكر الحاكم الفرنسي المقيم يعتقلها ، يضع الأصفاد في معصميها ، وهي تغني :
-يحيى الملك يحيى الدين !
يحيي الملك يحيى الدين !
٠٠٠يسقط الناس الخاينين !
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠اسمع يا المقول!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠هذا البند الأول !
٠٠٠٠٠٠٠٠٠الملك كان محول!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠شعبه بقى مهول !
تتسارع هذه الذكريات ، تضمحل ، تتلاشى ،ثم تستوي عليها صفحة الماء !
زهرة : زهرة ليلك ذبلت ، زهرة جمال محاه الزمن العابر! بخطى متثاقلة ، متعبة ، تقتفي أثر الذكرى ، تبحث عنها في ذاكرة امحت نتوءات جدارها، تبغي القبض على طيف زمن ،جميل ، هارب، زمن أشباح ، لم يبق منه غير عيطة زعرية ، محفورة على جدار الذاكرة !
وحدهاسوالف [ سالف عذراء ] تقاوم الزمن ،تزداد نضارة و اخضرارا ، باسقة تترامى في فضاء رحب كما كانت ٠٠٠ ،وحدها قبائل زعير تزداد عنفوانا وشموخا !
تقطف زهرة باقة من زهيرات شقائق النعمان ،و وريدا ت برية صفراء ،و حمراء ، كان يعشقها المرحوم ، ستضعها في مزهريته التي أثقلتها ورود بلاستيكية لا حركة ولا حياة فيها !
يفزعها نداء من دار القائد ، ينتشلها من إبحار عميق في متاهات زمن مضى ، ترتجف ، ترتعد ، ذكرها هذا النداء بصوته الجهوري ، إنه ابنه البكر ، نسخة منه :
– آ الحاجة زهرة ،الجماعة في انتظارك !
تدخل غرفة الضيوف : لا زالت فسيحة ، عريضة ، لم يتغيرفيها شيء ، فقط تغيرت الوجوه والأفرشة ، وترتيب الأثاث ٠٠٠ تسلم ، وتجلس بين الحشود المرحبة ، لا وجه منهم تعرفه ، كلهم غرباء عنها فقط صورة القائد معلقة على جدار الغرفة لم يعبث بها الزمن ، ولم تنساها ، تعود من جديد للإبحار في مغارات الماضي السحرية !
يرحب بها ابن القائد في تودد :
-أنت بين أهلك يا زهرة الزهرات ،ما مات من ترك خليفته!
ويسألها أحدهم بجرأة ولكنة وقحة :
– هل عندك أ ولاد يا حاجة ؟
تلمع عيناها وتبرقان وتذرفان دموعا ساخنة :
-عندي الله ، يا ولدي ، عندي الله ، الله كبير !
تروح في نوبة نحيب ، يطأطيء الحاضرون رؤوسهم حرجا ،يربت ابن القائد على كتفيها ،ويبوس يديها ورأسها و يعتذرعن عدم اختيار السؤال المناسب !
بقلم الأستاذ :صالح هشام
الأحد ٢٦ ~مارس ~ ٢٠١٧
هوامش للتوضيح :————————————————————
سالف عذراء : اتركها توضيحها للسياق !
-صوط عليه يطيب : عنوان لأغنية شعبية من فن العيطة ، ويقصد بها انفخ النار تحت براد الشاي لينضج ، مرتبطة بالمسامرات الليلية اذ يحتفى فيها بالشاي !
-اللفة : دورة الاسطوانة التي كانت تشمل ٣٣او٤٥او٧٨ لفة ، قبل ان تنقرض ويحل محلها القرص المدمج ،، في عصر تقدم تكنولوجيا المعلوميات !
-جعيدان : بتسكين الجيم وفتح ما بعد ، من اصعب اغاني العيطة من حيث الاداء
-خربوشة ، حاجتي في كريني ، حوز القصبة ، من اروع الوجبات الغنائية في فنون العيطة ،
-زعير : من اهم المناطق المغربية ،المعروفة بالفلاحة ، وتبعد عن الرباط شرقا بحوالي ٨٠ كلمترا .
-التبوريدة ، الفنتازية ، من الفلكلور المغربي ، يتربع فيها الفرس والفارس عرش الفرجة ، وهي فلكلور مشهور ،خصوصا بالمغرب !
-يحيى الملك ،،،،،،،،،،الى شعبه مهول : مقطع من قصائد طويلة جدا تهدف الى استنهاض الهمم ، للتصدي للاحتلال الفرنسي ، وكانت العيطة كفن شعبي سريع الانتشار ، إذ [سالف عذراء] : قصة قصيرة !
بقلم الأستاذ : صالح هشام !
تشغل الفنوغراف ،تستل أسطوانة قديمة من غشاء مزين بصورة المرحوم ،وبعنوان جميل بخط عربي مضغوط : [صوط عليه يطيب ] !
لفة ، لفتان ، يكبو الفونوغراف ، يتعثر ، تعلق شوكته بالأسطونة ، يتوقف نبضه الكهربائي تماما !
– ماذا دهاه ، أعلق به غبار الزمن ؟ أ توقف بتوقف أنفاس صاحبه ؟ أدخل في عطالة أو بطالة ؟
في ركن قصي من غرفة المرحوم ،تقبع أشياؤه محروسة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها ، لا يمسها الجن الأزرق :
كمنجة قديمة باهتة دون أوثار، علبة رزينة سوداء ، مزهرية مكسرة ، أزهار بلاستيكية صفراء ، مبعثرة فوق منضدة خشبية ، صورة المرحوم بشاربه المعقوف ،في إطار جميل منقوش ، يشنقها مسمار بارز مهترىء ،
أكله الصدأ !
تمسح الأسطوانة بكم قفطانها، تزيل عنها الغبار :
-خمس وأربعون لفة ؟ ولا لفة ، ولا دندنة يا لحظي العاثر!
تشعر بشوكة حادة ، تذبحها، وتقطع وريدها ، تمنعها من التنفس ، تكاد تختنق :
-لا لفة ٠٠لا لفة ٠٠ لا لفة ، توقفت اللفات ، لفظ الفونوغراف أنفاسه الأخيرة ؟ ربما توقف في غفلة مني ، وأنا أتلمظ حلاوة ليال حمراء ،و أنتشي باستمناء الذاكرة ، لكن أهو الغبار أفسد الأسطوانة ؟ أم تسربت الرطوبة إلى أحشاء هذا الفونوغراف الهرم ، فتعطلت حركته ؟
حيرة تتشظى في تجويف قلبها ، تزداد نفسها انقباضا، يكاد الدم يتجمد في عروقها المترهلة ، المرتخية !
دمعتان كبيرتان تلمعان براقتان ، تنفلتان من عينيها السوداوين ، تمسحان تقاسيم وجهها المتجعد ، تربتان على خطوط وشم باهت ، تعبران مسافة مهوى القرط منها، تستقران في منحر فيه شيء من جمال قديم ، و نضارة بالية !
تتكسر الذكرى على جدار الذاكرة ،جدار امحت نتوءاته ، تخترق شقوق النسيان ، تسترجع شريط متاهات الزمن الهارب :
– هيه !، هيه ، آه يا زمن ، آه يا أيام !
هناك ، هناك ! في سفح تلك الربوة ، تقبع [سالف عذراء] شامخة شموخ قبائل زعير، تقتات أرضة الأيام من جذعها الصامد ، غير بعيد ، بيوت طينية ترابية ، تلتصق بذلك النتوء : قرادا ، أو جرادا ، أو جحافل نمل أبيض !
يهدهدها حنين المكان ، يدغدغها الشوق ، تستحضر أمجاد [سالف عذراء ] تتذكر ليالي الأنس الخوالي : عشرات الوجوه ،عشرات المواقف ، عشرات الأعراس ، تعبر ذاكرتها الواهنة ، تمسح المحيط بنظرات زائغة ، تبتلع ريقها بصوت مسموع :
-ه …ه..هناك ! تجثو [ سالف عذراء] في خشوع تقبل أقدام الرابية ، يستظل بظلالها الوارفة السخية الحجر والبشر٠٠٠ الظلف والخف ولا تتأفف ،تحت أغصانها تحلو ليالي الأنس و السمر، من غياب أول شعاع إلى إيابه عند طلوع الفجر :
* أغصان سالف عذراء !
* مسدولة سوالف غيداء!
* نضرة نضارة حسناء !
من الجهة الشرقية، تنتشر خيام العز و التبوريدة : شامات سوداء على خدود كواعب حسان ٠٠ تدندن زهرة : وجبة ، [جعيدان] عصية متمنعة ،لا تتقنها إلا متمرسة محنكة في فن العيطة الزعرية :
– آجعيدان ، بان ،بان !
-آ هيه ، آجعيدان ،بان!
تكرر اللازمة ، تنفلت من بين شفتيها حروفا ضعيفة متكسرة، يتمنع عليها وتراها الصوتيان، يشدها طيف المرحومة لكبيرة ،تتذكرها ،تلسعها لسعة العقرب ،تغرز أظافرها في فخذها عندما تسيء أداء وجبة [جعيدان ] فتغني لا مخيرة وتبكي مجبرة ، وتشجعها قائلة :
-يا زهرة ، يا زهرة الزهرات ، يا جميلة الجميلات ، تتقنين كل سواكن العيطة : [خربوشة] ، [حاجتي في كريني ] فما لك ووجبة [ جعيدان ] و [حوز القصبة ] ؟ تعلمي أداء هاتين الوجبتين و سأبصم لك بالعشرة ، سأقلدك وسام شيخة الشيخات وسأشهد لك بالريادة في فن العيطة !
تعيد الوجبة ،مرات ومرات ولكنها تتعثر دائمافي اللازمة !
يتهدج صوتها ، يخرج مبحوحا ، تتشظى حروفها وتتكسر وتفسد جمال الأداء ، تجهش في البكاء ، تشعر بأن الزمن أرخى حبالها الصوتية وكسر النغمة على شفتيها :
وجبة [صوط عليه يطيب ] أحب إليها من وجبة [جعيدان] : لا تتمنع حنجرتها الذهبية ، لا تعلن العصيان ، لا ترفض الانصياع :
-ما باله هذا الزمن الأغبر ، لا لفة أسطوانة ، لا فو نوغراف ، لا صوت لاشيء،لا شيء ما بال حظك عاثر معوج يا زهرة؟
تخترق أسراب الخيول ذاكرتها : ها هم الفرسان بشموخ يتأهبون لإطلاق الطلقة الأولى وهي ترقص جدلى منتشية بندهات مقدم السرب :
-آ الخيل ، آ المكاحل ! آ شد عودك !
ينطلق السرب ، برشاقة ، يسابق ريح الريح ، وسط غيمة كبيرة من الغبار!
يستقبلون القائد ، ليعلن بداية موسم أعراس قبائل زعير : أسراب الفرسان بجلابيبهم بيضاء وسود اء الأطراف كطيور اللقالق ، وأ سراب الحسناوات يغزلن قوس قزح من ألوان ناصعة رائعة ، تتقدمهن الشيخة زهرة ،يشق البارود عنان السماء ، يمزق صمت المكان !
تخشخش الخلاخل في الأقدام ، والأساور الذهبية تشد المعاصم ، تدك الأرداف الثقيلة المكتنزة الأرض دكا !
تعض عذرا وات ، بسيطات ، محرومات من عز الذهب على البنان : خلخال ذهب حلم ممنوع ، وعشق سوار مستحيل : عشق زليخة/ العزيز لنبي الله يوسف !
القائد ملك بلا مملكة ، تحفه حاشية من البسطاء : تفرش له الابتسامة بساط ترحيب مزيف ، يبوسون يديه وكتفيه ، ويتوددون له !
في عراء المكان يتكئ على زربية مزركشة ، تحيط به وسائد حرير ية :
عين على سرب الفرسان ، و عين تتملى بجمال الراقصات يعانقن الفراغ بالصدور المصقولة ، ويمسحن الأرض بالمؤخرات في شطحات مجنونة !
يتمنطق بشكارة حريرية الحزام ، مطرزة الحواشي ، مشنوقة على خاصرته اليسرى ، تفوح منها روائح أوراق نقدية : قرفية ، خضراء ، زرقاء وبكل الألوان ، ورقة معجزة / مباركة :
بين الأعداء تلطف الأجواء !
وتشق الطرق في فراغ السماء !
تتسابق الخيول ، تعلق أجساد فتية غضة ، بين السماء والأرض ٠٠٠ وجبة زعرية رائعة يعشقها القائد [ صوط عليه يطيب ]، تعزف على شرف شكارته السخية المتخمة بالمال !
موسم الحصاد ضرع مدرار: حقول تحبل بحبيبات الخير و البركة ، عجول تملأ الحظائر خوارا ،يعم الخير ، تنثر حبيبات القمح في السهول و على رؤوس الجبال ، فلا طير يجوع ، تكثر الأعراس ، تعم الاحتفالات ، تتمايل سوالف [سالف عذراء ] انتشاء وطربا :
تتنوع الفرجة : أسراب الخيول ، جمال الأجساد : نحيب الكمان الممزوج بعذوبة صوت الشيخة زهرة الشجي :
عيطة زعرية رائعة ،قطعة شعبية ملتزمة ، تستنهض همة مقاوم، تنتقد ظلما يعيث في البسطاء فسادا ٠٠ يفتح القائد شكارته ، يطلق سراح أسراب حمام بأجنحة زرقاء ،يعلقهاعلى جيوب الشيخات ،و بعضها على لجين نحورهن، تشتعل جذوة الطرب حد الفوضى ، تغرد زهرة تغريدة بلبل منتش بمقدم الربيع ، تجلد أقدام عريضة متشققة قعدة حديدية ، طمعا في قليل من رضى القائد :
تنتشي [سالف عذراء ] تطرب ، تسكر ، تعانق أغصانها الباسقة الفراغ .. وتتمايل سكرانة وما هي بسكرانة ، على إيقاع أهازيج ونغمات شعبية وطلقات البارود!
أفواه جوعى ،تتقرب من القائد ، تطمع في قليل من كرمه، ينتشي ، يطرب ،يجعل شكارته مزارا للأنامل الناعمة ، يصل إلى قمة الانتشاء ، يأخذ بندقيتة ، يدس فوهتها في سوالف الراقصات المنسدلة ، يسدد و يطلق البارود ببراعة الرماة ، تشق زغاريد النسوة سماء [سالف عذراء] ،تصدح الكمنجة ، تتحد بروائع العيطة ٠٠ ولحظة ، لحظة يستمتعون بنكتة من خفيف ظل, أو طرافة من طرائف القائد ومستملحاته !
يخترق شريط الذكرى الذاكرة ، يكاد ينخرم، صور باهتة متلاحقة : القائد ٠٠٠لمعلمة لكبيرة ٠٠٠سالف عذراء٠٠٠ المرحوم ٠٠٠كلهم أصبحوا طي النسيان٠٠٠ ذكرى تبهت ،تخبو ٠٠ثم تنطفئ٠٠ وبفخر تتذكر الحاكم الفرنسي المقيم يعتقلها ، يضع الأصفاد في معصميها ، وهي تغني :
-يحيى الملك يحيى الدين !
يحيي الملك يحيى الدين !
٠٠٠يسقط الناس الخاينين !
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠اسمع يا المقول!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠هذا البند الأول !
٠٠٠٠٠٠٠٠٠الملك كان محول!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠شعبه بقى مهول !
تتسارع هذه الذكريات ، تضمحل ، تتلاشى ،ثم تستوي عليها صفحة الماء !
زهرة : زهرة ليلك ذبلت ، زهرة جمال محاه الزمن العابر! بخطى متثاقلة ، متعبة ، تقتفي أثر الذكرى ، تبحث عنها في ذاكرة امحت نتؤات جدارها، تبغي القبض على طيف زمن ،جميل ، هارب، زمن أشباح ، لم يبق منه غير عيطة زعرية ، محفورة على جدار الذاكرة !
وحدهاسوالف [ سالف عذراء ] تقاوم الزمن ،تزداد نضارة و اخضرارا ، باسقة تترامى في فضاء رحب كما كانت ٠٠٠ ،وحدها قبائل زعير تزداد عنفوانا وشموخا !
تقطف زهرة باقة من زهيرات شقائق النعمان ،و وريدا ت برية صفراء ،و حمراء ، كان يعشقها المرحوم ، ستضعها في مزهريته التي أثقلتها ورود بلاستيكية لا حركة ولا حياة فيها !
يفزعها نداء من دار القائد ، ينتشلها من إبحار عميق في متاهات زمن مضى ، ترتجف ، ترتعد ، ذكرها هذا النداء بصوته الجهوري ، إنه ابنه البكر ، نسخة منه :
– آ الحاجة زهرة ،الجماعة في انتظارك !
تدخل غرفة الضيوف : لا زالت فسيحة ، عريضة ، لم يتغيرفيها شيء ، فقط تغيرت الوجوه والأفرشة ، وترتيب الأثاث ٠٠٠ تسلم ، وتجلس بين الحشود المرحبة ، لا وجه منهم تعرفه ، كلهم غرباء عنها فقط صورة القائد معلقة على جدار الغرفة لم يعبث بها الزمن ، ولم تنساها ، تعود من جديد للإبحار في مغارات الماضي السحرية !
يرحب بها ابن القائد في تودد :
-أنت بين أهلك يا زهرة الزهرات ،ما مات من ترك خليفته!
ويسألها أحدهم بجرأة ولكنة وقحة :
– هل عندك أ ولاد يا حاجة ؟
تلمع عيناها وتبرقان وتذرفان دموعا ساخنة :
-عندي الله ، يا ولدي ، عندي الله ، الله كبير !
تروح في نوبة نحيب ، يطأطيء الحاضرون رؤوسهم حرجا ،يربت ابن القائد على كتفيها ،ويبوس يديها ورأسها و يعتذرعن عدم اختيار السؤال المناسب !
بقلم الأستاذ :صالح هشام
الأحد ٢٦ ~مارس ~ ٢٠١٧
هوامش للتوضيح :————————————————————
سالف عذراء : اتركها توضيحها للسياق !
-صوط عليه يطيب : عنوان لأغنية شعبية من فن العيطة ، ويقصد بها انفخ النار تحت براد الشاي لينضج ، مرتبطة بالمسامرات الليلية اذ يحتفى فيها بالشاي !
-اللفة : دورة الاسطوانة التي كانت تشمل ٣٣او٤٥او٧٨ لفة ، قبل ان تنقرض ويحل محلها القرص المدمج ،، في عصر تقدم تكنولوجيا المعلوميات !
-جعيدان : بتسكين الجيم وفتح ما بعد ، من اصعب اغاني العيطة من حيث الاداء
-خربوشة ، حاجتي في كريني ، حوز القصبة ، من اروع الوجبات الغنائية في فنون العيطة ،
-زعير : من اهم المناطق المغربية ،المعروفة بالفلاحة ، وتبعد عن الرباط شرقا بحوالي ٨٠ كلمترا .
-التبوريدة ، الفنتازية ، من الفلكلور المغربي ، يتربع فيها الفرس والفارس عرش الفرجة ، وهي فلكلور مشهور ،خصوصا بالمغرب !
-يحيى الملك ،،،،،،،،،،الى شعبه مهول : مقطع من قصائد طويلة جدا تهدف الى استنهاض الهمم ، للتصدي للاحتلال الفرنسي ، وكانت العيطة كفن شعبي سريع الانتشار ، إذ هي لسان القبائل ، التي تواجه قوة الحديد والنار ، إبان فترة الاحتلال .
-الوجبة : هي القطعة الغنائية ، حسب رواد العيطة !
-القعدة : أداة حديدية ، ترافق الرقص ،( تستعمل للرقص الرجالي والنسائي ) لسان القبائل ، التي تواجه قوة احديد والنار ، ابان فترة الاحتلال .
-الوجبة : هي القطعة الغنائية ، حسب رواد العيطة !
-القعدة : أداة حديدية ، ترافق الرقص ،( تستعمل للرقص الرجالي والنسائي ).

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
قَنـــاعَة
التالي
مُواطِن

اترك تعليقاً

*