القصة القصيرة

سباحة ضد التيار

حين سأله الرئيس عن طموحه صدمته الإجابة: ” كرسي سعادتك “!!
في الحفل السنوي للشركة تحلق الموظفون حول الموائد المستديرة، العامرة بما لذ وطاب من صنوف الطعام والشراب، بينما جلس رب العمل والمديرون خلف مائدة مستطيلة؛ تشرف على الجميع، في الختام ألقى الرئيس كلمة وجيزة، شكر فيها الجميع على حسن أدائهم، وطالبهم بالمزيد من الجهد؛ لتحافظ الشركة على الريادة التي تبوأتها منذ سنوات بفضل جهودهم، ووعد بصرف مكافأة؛ تضاهي مرتب شهر لجميع العاملين.
التهبت أكفهم بالتصفيق، وتباروا في الثناء والشكر للإدارة، ولهجوا بالدعاء للشركة بدوام الازدهار والتفوق.
انصرف الجميع مبتهجين إلا فريد، الموظف بقسم التسويق. كان الفتى قد ناهز الثلاثين من عمره، ولا يزال عزبًا، ورغم نجاحه في التسويق الإليكتروني، وعبقريته في علوم الحاسب الآلي، إلا أنه لم يتخرج بعد في الجامعة، ولذا فقد تخطاه زملاؤه في الترقي، وأصبح رؤساؤه أقل منه عمرٌا وكفاءة وخبرة، هذا الوضع الشاذ جعله ناقمٌا على الجميع، أحس أنه كنز مطمور، سبيكة ذهب يعلوها التراب في مخزن كبير للخردة، قبطان داهية في أسر ثلة من القراصنة الجهلاء، صانع ألعاب محترف وغيره يحوز المال والأضواء لإحرازه الأهداف.
لم يكن يداهن؛ بل يعلن صراحة ثورته على هذا النظام البالي؛ الذي لا يعترف إلا بالشهادات، ويغمط حقوق أهل الخبرة والكفاءة، كان يرى رجال الأعمال تماسيح ذوي كروش ضخمة، لا تنفك عن الأكل والاستلقاء للراحة، في انتظار الهضم لتبدأ وجبة جديدة. ملكات نحل تقتات على جهود ملايين الشغالات، لا لشيء إلا لأنهن خُلقن ملكات! حيتان عملاقة تشفط مياه المحيط وتلفظها، ومع كل شفطة تزدرد مئات الأسماك الصغيرة دون رحمة أو شفقة.
الغريب أنه جرب العمل الخاص مرارٌا، وأنشأ عدة شركات أفلست الواحدة تلو الأخرى، ومُني بخسائر فادحة أكلت الأخضر واليابس، نصحه صديق له بأن يتفرغ لأعماله كي تنمو، فصاحب العمل في عمله كالشمس للنبات: إن احتجبت اعتل، فإن طال غيابها ذبل ومات. لكنه يخشى المخاطرة بوظيفته. ذعره من الفقر لا يضاهيه إلا ذعر أرنب تشتد الثعالب في أثرها، والجحر بعيد وقد ضاق عليها الخناق.
كان لا يُخفى تعجبه من سعة رزق ( البلهاء ) من رؤسائه، بينما هو وأمثاله مُقتَّرٌ عليهم في الرزق؛ لتنقضي أعمارهم كالأيتام على موائد اللئام، يصنعون النجاح والثروة لغيرهم، لقاء فتات يقيم أودهم، ويبقيهم على قيد الحياة، عبيدًا في قبضة السادة الأغبياء.
دارت الدائرة، ووقعت الشركة في ورطة لا مخرج منها، حيث اصطدمت أثناء تنفيذ أحد مشروعاتها العملاقة بمصالح مسئولين كبار، أطاحوا برب العمل، وزجوا به في السجن بضع سنين.
زاد العبء الواقع على فريد، فقد تسلل المديرون من الشركة لواذًا، وأصبح هو المسؤول الأول، بذل جهده، وواصل الليل بالنهار؛ ليحافظ على بقاء الشركة، سبح ضد التيار، واستطاع إنقاذ السفينة من الغرق، وتحقيق أرباح لم تعهدها الشركة من قبل في أزهى عصورها، أتمَّ رب العمل مدة سجنه، وخرج ليصفى أعماله، ويغلق الشركة، ويغادر البلاد إلى غير رجعة.

السابق
عِشق
التالي
ألم

اترك تعليقاً

*