القصة القصيرة

سرادق الشتل الميت

كيف حالك؟ الجميع في بلدنا يسألنيها ، مللت سماع هذه الجملة .
السؤال يجبرني على الكذب ، فأقول أنا بخير، و حقيقة الأمر أنني لست بخير .
بعد العودة حرفت ابتهال الشيخ نصرالدين طوبار : غريب عنك يادنيا غريب ، وماذا بعدما زحف المشيب؟
صرت أنطقها غريب عنك يا بلدي غريب .
يقول رفيق الدرب ، الغربة تعني اختفاء ما إعتاده الإنسان في حياته ، وتبقى غربة الروح والقلب هما الأصعب في حياتنا .
طالت الغربة فبهت أثرنا بالمكان ، طمع الجار فجار على ما ليس له ، اقتطع نحو عشرين مترا غصبا واقتدارا ، طالت المشاحنات وقالت النيابة يبقى الوضع على ما هو عليه ، كانت غلطة أبي من البداية أن تعامل برفق مع ما يحتاج للشدة .
أبحث عن أبي وأمي ، الذين غادرا إلى النهاية ، صارت أشياء كثيرة غريبة عني ، فما عاد سرير أمي كما كان ، ولا طعم طبيخ أمي بالمتاح .
إنسدت طريق التفاوض والسلامة بيننا ، أقسمت أن أشكوه لله أولا ، وأشكوه للمختصين ثانيا ، أنفقت شهرين في الجدال والهروب من المحتوم .
– مهما خشيت المواجهات خوفا من الخسائر حتما هي واقعة ، التقوقع الذي عشته بعيدا لم يكن كافيا لتنأى بنفسك من الهزائم .
أصغ إلي باهتمام شديد ، فيما أكملت مقولتي :
– لابد للحياة أن تعاش ، وبمحض شروطها فقط ، أقسى الشروط هو الإختيار ، والأقسى منه إحساسك أنك محاصرا بهذا الإختيار.
إما مع أو ضد ، لن ينفعك ترفعك عن الغش والسرقة والرشوة من المواجة وبقوة ، الأسخف أن يحدث ذلك في موقف بسيط لايحتمل كل تلك الفلسفة .
واقف أنا كالمتسول أمام موظف المساحة ، تافه قذفتني كلماته لآتون هذا القلق ، أعاني حالة عدم تأكد من أي شيء ، كان ذلك هو أول قلم لي .
وبخت نفسي لضعفها وتناقضها .
جاء الرد عنيفا خاذلا ، لم أعهده من قبل ، وطن نفسك على القبول والإنغماس ، وبصفة يومية .
أقلقتني نظرتي للحياة ، وصرت أكثر إصرارا على الإنعزال بعيدا ، ولم يعد ممكنا لي إعادة الإنخراط بالدنيا على هذه الصورة .
تكاد مشاعري أن تموت ، وبدأت أفقد التواصل مع جذوري ، تأكدت قناعتني بأنني أعيش ممددا على سطح الماء ، وبلا غوص أو إلتحام أو وقوف على أرض صلبة تمنعني من السقوط بالقاع ، او حتى الطيران بعيدا .
بكيت وبكيت وبكيت دون دمعة واحدة ، فقط صرخة مدوية بقلبي ، أحتاجك أبي ..
ألوم نفسي ، هل بعد هذا العمر مازلت أفتقد وجود أبي بجواري ؟
هل مازلت أعاني سلطة أبوية ؟
وهل أعتبر نفسي الإبن الضائع بدون أبيه !
أفق يا رجل ، جاوزت الخمسين ومازلت تتعثر بخطواتك ؟
ألا تعلم أن إبراهيم فارق أبيه ؟ وان نوح لم يفعل لإبنه شيئا أمام إرادة لله ؟
وأكيد تعلم أن موسى تربى دون اب ، والأدهى أنه في بيت فرعون ؟
وليس هناك أكثر من ان عيسى خلقه الله بدون أب .
وان محمدا مات أبوه وهومازال جنينا في بطن أمه .
فلتعلم أن القيمة دائما للفرد الذي يعمل و يثابر، و للعمل الجماعي الذي ينتج الاثر و تكون له الغلبة دوما .
أسئلة عصية على الإجابة .
تقوض ما بنيته من حالة الإطمئنان الزائفة التي عشتها طوال حياتي ، فقبل موت أبي وأمي لم أكن لأفكر في مسألة فقدهما ، طوال حياتي أشعر أنني قوي بهما .
ليست آخر الخيبات ..
جملة رددتها لنفسي دوما وقت الفشل ، وكانت صورتي كطفل يختبئ بحض أبويه تعيد لي أمان المفقود ، كأنما أركن لوجود ركن قصي في حضنهما أستطيع العودة إليه بعد كل خيبة .
كثرت هذه الأوقات في حياتي ، ولعلها تكتفي بما حدث لي حتى الآن ، لكن هيهات ، فواضح أن شجرة الفشل تظل مثمرة حتى آخر العمر .
الأغرب أن ثمارها تبدو كبيرة بحجم الألم الذي يتغشى حياتي كلما زاد عمري لحظة جديدة ، ويزيد إحساسي بوطأة الحزن كلما زادت مساحة الخيبات ..
أمشي في شوارع بلدنا التي حفظتها في صباى ، راح الصبا والشباب ومعهما ضاعت الشوارع ، فلا معالم بقت ولا وسعها تركوه ، زحف الأسمنت على أرواح الجميع .
عجز عقلي عن إدراك معنى ما يحدث ، كثرت بالشوارع اللقطات غير المفهومة ، ليست أكثر من صور فردية ، لأناس متعبة مرهقة تضحك من همومها .
تغيرت معاني القوة ، هي لمن يحاول التغلب على مشاكله ، حتى ولو بالسخرية منها .
تغيرت الوجوه وتبدلت ، فقط النذر اليسير من أهلنا هم كل من أعرفهم ، أشعر بألم شديد يغشى روحي ، الصورة صارت مشوشة ، أفقد الزمن الأشياء والناس صورهم المنطبعة بذاكرتي .
حتى من كان صغيرا وقت سفري ، عشر سنوات وبعدها يسير بيده أبناءه ، رفيق صباى صار جدا يلعب أحفاده على أكتافه ، نستمر جلوس نسترجع ما كان من أمرنا ، فاكهة الحديث عن الأبناء والأحفاد ، وكثير من مشاكل الحياة .
يحتل الحديث عن الأمراض باقي جلستنا ، ولا أجد بدا من الهروب من إحساس الغربة الذي يهاجمني ويصيبني في صميم القلب ويدمي الذاكرة .
تفرقت بنا السبل ولم يعد لنا إلا جنازة أو سرادق عزاء ، وكأنها الفرصة الوحيدة للقاء ، واليوم فقط اكتشفت أن المسافة من المسجد للمدافن تأخذ وقتا طويلا ، كأنما تضاعفت على مر السنين ، رغم ثبات المسجد بمكانه منذ البناء الأول ، وقد بني من مائة عام أو يزيد ، كما المدافن راقدة بمكانها منذ الأيام الأولى لبلدنا على الخريطة .
المشوار طويلا كما الجنازة ، أعرج بقدمي ، شد بعضلة السمانة اليسرى ، رغم أني لم ألمس كرة القدم مذ غادرت الأربعين .
غريبا أن يحدث ذلك معي ، وصلت قرب الخامسة والخمسين ، ولم تكن أول مرة ، إنما تكررت الاسبوع الماضي ، أخطو بصعوبة مع ألم بالساق .
أرقتي ماحدث ، لكنه أخف وطأة مما شاهدته أمس في جنازة أحد أقاربي .. حضور الجنازة يضم كثير زملاء الكرة ، فئات عمرية متفاوتة ، أكبر أو أصغر بعشر سنوات .
فرقتنا المقادير ، جمعنا أن أقدامنا لم تعد تطيق حملنا ، لابد من العكازين ، أو يتكأ على أحد أبناءه أو أصدقاءه .
رحم الله أيام كنا نتسابق من أسرع في الجري !
أجلس غريبا وسط أناس أعرفهم جميعا تقريبا ، أرى صورهم المشوشة بذاكرتي كأعشى يقرأ رسالة منتظرة ، خجلا أحاول تذكر الإسماء ، لا مناص من السؤال المحرج : من أنت ؟
الإجابة طعنة بمسيرة حياتي كلها ، هذا الذي كان زميل المقعد بالمدرسة الثانوية ، جسمه نحيل قصير القامة شعره سلاسل ذهب وعيناه زرقاوان ، أين هو ممن يقف أمامي ، متوسط الطول أصلع أشيب ، اختفت عيناه خلف نظارته الطبية السميكة ، والآخر لا يذكر متى تقابلنا للمرة الأخيرة .
قفزت الأعوام حاجز العشرين والثلاثين منذ إلتقينا يا صاحبي ، جملة تختصر رحلة قاسية حتى وصلنا لحافة النهاية .
كنا وقوفا في حفل خطوبة أحدنا ، بعدما افترقنا بالملعب وتواعدنا للوداع ، ومن عجب أن تموت كل الذكريات ، لا أجد بداخلي أية رغبة لأتذكر ما حدث ، صار طعم الحروف صبار معتق ، تبا للحياة ونهايات العمر .
بينما يقرأ الشيخ بصوت جميل ، تأخذني هرولة الجميع إلى الجميع بدلا من تدبر الآيات .
يناديني صوت لا أعرفه داعيا للجلوس بجواره ، لم أرد فوات متعة القرآن ، انشغل الداع بمصافحة رتل من المعزين .
انتهت القراءة لما امتلأ الصوان ، كان علي المغادرة ولكني أجلتها لحين سماع باقي السورة .
بالإستراحة جلس بجواري ، همس الشاب المتحمس :
– تشوه مفهوم الحق والصواب ، المشكلة أصبحت سيكولوجية فى المقام الاول ، فالحق هو ما أرى فقط ، ومايراه الآخر دوما الباطل .
– هذا الحق يصبح ليس مجرد رأى بشر، و يخضع لأن يكون صوابا أو خطأ ، وإنما يتحول لمرتبة المعتقد .
– فعلا وهذا هو السبب في قتل الحوار قبل أن يبدأ .
صمت استمع للقرآن ويدور في ذهني معان كثيرة ، كلنا تغيرنا بالفعل ، لكن هل ندرك ذلك ؟
واضح اعتناقنا لنمط تفكير يشبه الرمال المتحركة ، تحكمنا عواطف هوجاء دوما ، نتفائل ولا نفكر، لدينا شعارات بديلا عن الحلول الحقيقية ، غير مدركين واقع أننا نغرق بالبطيئ أو في طريقنا للغرق .
حينما وقفت للوداع ، همس الشاب في أذني :
– إنني معجب جدا بما تكتب ، ولكنه كالآذان في مالطة .
صدمتني الحقيقة التي طالما تجاهلتها دوما ، لكنها أعادت لي أفكارا قديمة عن الإغتراب وسط أهالينا .

السابق
سقوط
التالي
مشروع للرومانسية

اترك تعليقاً

*