القصة القصيرة

سر العنكب

أستيقظ البحر في الصباح الباكر من سباته العميق ، وتحدث بلسان الموج عن حلم راوده .. الهدوء خيم على المكان ، لكن مع إطلالة الشمس راق الجو للنورس . فحلق فوق السماء الزرقاء النقية راسماً بذلك لوحة تشكيلية في الهواء تزدان بالبياض والسواد .
كان نائماً على سرير من الخشب المهتري ، وكلما تقلب يميناً وشمالاً ، عزفت كل خشبة لحن منفرد غير متجانس .. لم تكن حجرته ضمن منزل ، بل منفردة على الشط الطويل الممتد على الساحل ، لقد عرفه البحارة شديد الكسل ودائم الالتصاق بقميصه البني وبنطلونه الأمريكاني المتسخ .. كان دائماً ينتظر عودتهم من رحلة الصيد ليجلس معهم بغية أن يحتسي كوب من الشاي ويمص بشفتيه البنيتين أرقيلة .
وفي هذا اليوم ، وفي كل يوم ، كانت شمس الصيف الحارقة المتسللة عبر النافذة الوحيدة المطلة على الشرق هي التي توقظه بلسعاتها ، وكان غالباً ما يستيقظ ليبول في الجوار ويعود للنوم بعد أن يغير المكان ، لكن اليوم غادره النوم فاراً من رائحته النتنة .. فتح عينيه ، وأول ما وقع نظره وقع على عنكبوت يحبك شباكه في الركن العلوي من الحجرة ، أغمض عينيه مجدداً وهو يحك رأسه بذات الأظافر السوداء التي حك بها جسده من قبل ، لكن النوم أبى أن يستجيب ففتح عينيه ليجد العنكبوت ينظر إليه بشكله المقرف المقزز .. أنتابه شعور غريب ورعشة هزت كل شعرة من جسده النتن ، فنهض غاضباً وحطم بالمكنسة تلك الشباك في ثواني وخرج كالعادة ليغسل وجهه دون أن يعرف للسجادة طريق .
وفي اليوم التالي ما أن رمى بجسده على السرير حتى بدأت المعزوفة ، و فجأة أنتفض واقفاً ومستغرباً عندما شاهد ذات العنكبوت رابضاً في شبكته في انتظار الصيد ، فأفسد على الفور صنيعه مجدداً ليهرب من تلك النظرات التي يبثها العنكبوت ، لكن هيهات فما أن وضع رأسه على الوسادة حتى أرتفع شخيره الحاد ، وعاد العنكبوت مرة أخرى في بناء بيته وفي ثواني ربط خيوطه طولاً وعرضاً وحدد نقطة الارتكاز ، وبدأ يلف الدائرة بأبعاد محددة لا يخطئها الصواب .
في صباح الغد لدعت شمس الصيف كتلة اللحم المكومة على السرير .. أستيقظ وفمه محشو بكم هائل من السباب يكيلها للعنكبوت الذي لم يكن ينظر إليه هذه المرة لأنه كان منهمك في إلتهام الصيد .
خرج الكسول إلى ضوء الشمس مرحباً برواد البحر ، أنزل البحارة الصناديق الممتلئة بالأسماك ، فقال أحدهم أنزل الشباك لإصلاحها ، فتسمر ذو الكرش العاري في مكانه مندهشاً عندما أدرك سر الإشارة بمقارنته لشبكة العنكبوت وشبكة الصياديين ، فقرر في اليوم التالي أن يرافقهم فركب البحر لأول مرة ، وللمرة الأولى يشعر بأنه إنسان ذو كيان .. سرت في نفسه طمأنينة جعلته يشكر الله ويفكر في الصلاة .
دخل حجرته مركزاً النظر على الركن الذي أتخذه العنكبوت نزل ، لكي يشكره على الرسالة ، لكنه لم يجده .. لقد اختفى العنكب وظل البيت مليء بالثروات ، وفي لحظة هدوء مزقتها الأمواج .. أطرق وهو سابح في التفكير والتأمل ، وإذ بالعنكبوت على الأرض يجره طابور طويل من النمل في جنازة مهيبة ..
لم ينم على السرير هذه المرة ، أفترش الأرض ونام ، ولأول مرة يستطعم النوم ، ويستلذ بالأحلام ، حتى إنه بدأ يفكر في اصطياد حورية .
اكتب رسالة…

السابق
عصيان
التالي
قراءة في نص “سر العنكب”

اترك تعليقاً

*