القصة القصيرة

سفر في متاهات النص !

أنا نبتة ، ترعرعت بين أحضان أمة (إقرأ ) ، تمتد جذوري من عمق الصحراء العربية ، و من البر إلى البحر ،أعشق [ديوان العرب ] عشقا صوفيا ، أفتحه : بين دفتيه كتب لا تعد ولا تحصى ، كل نص فيه يختزن مئات النصوص ٠ يختزل حقبا ضاربة في عمق التاريخ الانساني ، في كل جملة معان لا متناهية ، فيه من كل رائع جميل ومن كل جميل رائع !
يشكل علي الأمر ، تختلط علي الحروف ، تمارس علي شغبها ، أقرأ النص تلو النص : المعاني ضبابية ، أتمسك بها ، أقبض على السراب ٠ الهزيمة لا أنا من ثوبها ولا هي من ثوبي ٠ أغوص في التركيب ، أبحر في متاهات البحث عن المعنى ، عن المغزى المدفون بين السطور والكلمات ٠
أمتطي صهوة جيم جنوني ، أركب جيم جمال ذائقتي القرائية ،أخترق جيم الجاذبية ، تشدني الى الواقع : أجدني أحوم في محاكاة فقيرة ضحلة ، أحلق بعيدا،بعيدا أطلب نورا بين حروف النص ، وأهيئ المجذاف والمركب أقرر الإبحار ، أعزم على السفر، على اختراق النص ، فن الاستغوارفي مغاراته السحرية تقتضي مغامرة سندبادية في مناطق صمت الصمت ، ربما أخرج من هذه المتاهات بأخف الأضرار قال لي فاليري:
-ما مرادك ياهذا ؟ لماذا هذا التيه والهذيان ؟
قلت له وأنا أتشظى على محراب العشق و الحيرة :
-أبحث عن معرفة أسرار النص ، أريد كشف مكنونه ، أريد فتح مستغلقاته ، أريد تفكيك شفراته !
قال فاليري ساخرا من حمقي :
– معنى النص ؟ (ليس هناك معنى حقيقي لنص ما ) عليك أن تخترق الزمن ، أن تعبر طبقات المعرفة الإنسانية ، علك تحصل على مرادك وتحقق هدفك ، لكن هذا احتمال فقط ، والاحتمال لا يؤخذ به !
أحمل همي في نفسي و أرحل رحلة تردد الصدى : مني إلى أبعد مدى في عمق الزمن ، ومن هذا المدى الى عصري الذي أعيشه بما له وما عليه !
سوق معنونة خيامها بأسماء أشعر الشعراء ونوادر الكلم ، تحتها تتشظى قوافي القريض قرضا ونقدا وتحكيما ، وتتلاطم أمواج بحور الخليل ، حلقات علم و معرفة :
شعر ، بديع ، عروض، بلاغة ،بيان ، وعلم معان ، يديرها شيوخ معممون ،يروضون المعنى والمبنى :
– من يمدني بأسرار النص ، وغموض المعنى وأسباب تمنعه علي ، كيف لي أن اقرأه وأفضح مستوره وأبين خفي خفيه ، وأظفر بالجوهرة تلو الجوهرة من عمق الصدفة ؟ معمم حسبته فوق رأسه عش لقلاق يقول لي بنبرة الواثق:
– ما كل قاريء قادر يا هذا على شق الصدفة والظفر بجواهرها ، لا نعرف إلا علامة عصرنا ، وحجتنا ومؤلف اختلافنا، وحكيم حكمائنا ، بحر درر الشعر والشعراء والنحو والأدب والبيان والبديع :
شيخنا عبد القاهر الجرجاني ، أسراره ودلائله اخترقت حدود الزمن و المكان ونحت منحى العالمية عنوان خيمته: (الله أعلم ) وهو معروف بتواضعه !
– يا شيخنا ،تختم حكمك في الشعر واللغة والنقد بقولة (الله أعلم ) فهل لي أن أعرف إن فاتك شيء في النص ؟
يمسح على لحيته الثلجية البيضاء ويقهقه عاليا و يقول :
– وهل يمكن أن نعرف كل شيء يا هذا ونصادر معرفة غيرنا ؟
فالنص نسج ونسيج منفتح ،لحظية شخصية قراءته تحكمها الذائقة الجمالية و الذوق ،و تتحكم فيها ظروف القاريء زمانا ومكانا ، انفعالا وتفاعلا، تأثيرا وتأثرا !فماذا تريد أن تعرف رعاك الله ؟
أريد معرفة سر النص أفلا تدلني على ما يعبد طريقي ؟
-إعلم يا هذا ،أن سره في اختلاف عناصر لغته، من النص الأصغر إلى النص الأكبر ،والكلمات مفردة باهتة اللون ، ليست ذات قيمة تذكر ،لكنها تكتسي بريق ألوانها القزحية الجميلة من اتكائها على بعضها البعض وجمع أعناق مختلفاتها ، إذ يرفد اللاحق السابق منها ،فتجمل هذه بجمال تلك وتعضد هذه تلك فتحصل المزية ، بحثك عن معنى النص قبض بقبضة فاشلة على الماء ، قبض على الزئبق في فراغ الفراغ ( فالمعنى في النص كالجوهر في الصدف ، لا بد أن تشقه عنه وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه ) :
وهذا يقتضي منك معرفة معنيين :
(المعني الاول )حرفي، سطحي ،ضحل ضحالة معرفة العامة، يحتاج منك للكفاءة اللغوية وهو (مما يتراجعه الصبيان )
أما (المعني الثاني ) فهو متستر،خفي مخفي حربائي الظهور، بريق برق في عتمة الليل ،تطلبه دوما بين السطور فتجده ، فتحقق نشوة المنتشي بلذة خمر بدون خمرة ، ولا تنس أن : ( أجود الكلام شدة إئتلاف في شدة اختلاف ) و هذاملازم لقدراتك على التأويل ،هذا التأويل الذي يظل متصلا بما سبقه من تأويلات أخرى ، وهي تأويلات مفتوحة على طبقات دلالية متآزرة !
فكل معنى أول ( بنية سطحية )يحيلك إلى المعنى الثاني (بنية عميقة) لكن هذه الإحالات وليدة اللحظة، متتجددة دوما مع الزمن والمكان ،وحسب طبيعتك وطبيعة غيرك كمتلق!
هذا النص ذو المعنيين مفتوح أبد الدهر وغلقه مشروط بضحالة معرفة قارئه : فنجاح قراءتك مرهون بموازاة معرفتك النص في طاقته الإنتاجية ولوازمه المعرفية ، وأقول (الله أعلم) لأن :
(المعنى في بطن الشاعر ) وما بطن عكسه ما ظهر ، معناه أن مقصوده باطن لا ظاهر ، والظاهردائما لقريب الرؤية ضعيف الروية ،و لمن يستسيغ السباحة على السطح ! وعليك أن تحفظ عن ظهر قلب أن : [من المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى وبالمزية أولى ، فكان موقعه من النفس أجل وألطف وكانت به أضن وأشغف ] !
في خيمة أبي تمام ،أسمع صراخا أحسبه شجارا ، أحدهم يستنكر استغلاق شعر أبي تمام وينفي عنه الشعرية لأن قارئه قد ينحت جلاميد الصخر ولا يتأتى له فهم شعره:
-يا أبا تمام لماذا لا تقول ما يفهم ؟ فنصوصك مغلقة ؟
يشعر الشاعر بامتعاض كبير وفي قرارة نفسه أن يردد :
فياموت زر إن الحياة ذميمة
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ويا نفس جدي إن دهرك هازل!
ويرد عن سؤال هذا السائل بمثله :
– ولماذا لا تفهم ما يقال ؟ أهل نفسك يا أخ العرب للتمتع بجواهري ، فإنها في عمق العمق من بحر النص ولاتطفو على صفحة الماء ، جواهري قصية ،عصية، منيعة،متمنعة
عن كل من يحبهاطافية على السطح ،امتلك كفاءة قرائية تؤهلك لفتح ما استغلق منها أو كما تراه ،فهي مفتوحة فلا تغلقها بضعف معرفتك وهزال رؤيتك !
وأنشد قائلا !
لو كان يفنى الشعر أفتنه ما قرت ..
…………………………حياضك عنه في العصور الذواهب
ولكنه فيض العقول اذا انجلت
………………………………سحائب منه اعقبت بسحائب
هذا نصي مفتوح فلا تغلقه وتمسح ضحالة فهمك وسوء تأويلك بروعة حروفي وتلقي علي اللوم والعتاب ، فخلف اشترط على أبي نواس تأهيل نفسه إذا أراد قرض الشعر: أن يحفظ كذا أشعارا وينساها ، فاختمار المحفوظ ونسيانه : في الذاكرة خميرة الإبداع ، وخمر المبدع وما يجري عليه كمبدع يجري عليك كمتلق فأنتما في الهم متساويان ، ومخزونك الثقافي مجذافك في بحر النص!
يطأطيء السائل رأسه ويمسح العرق الذي ينز من جبهته ، خجلا من هذا الرد ، إذ يشعر بفقره وضيق فكره : فالشاعر يريده أن يرتقي درجات السلم إليه ،وهو يريده قابعا في حضيض فهمه البطيء ،ليساوي بين الإبداع والاستقبال ، بين المبدع والمتلقي حتى يحصل التكافؤ !
عجيب ، غريب،أمر سوق عكاظ :
فيه تتكسر القوافي فوق العمائم، وتصدح دندنات بحور الخليل من النواة (دن : فا) إلى النواة (ددن : علن) في حضرة مشارط النقاد والقراء ، ويصول الحرف ويجول منتشيا بشعرية وفحولة هذا ، و بانفتاح وانغلاق نص شعر ذاك!
-آه !هناك شجارآخرحد العراك حول شعرية بيت المتنبي :
الليل والخيل والبيداء تعرفني …………………………….
……………………. والسيف والرمح والقرطاس والقلم !
يقف هذا موقف الناكر شعرية البيت :
-هذا بيت تضيق فيه دائرة الاحتمال والتأويل حد الانغلاق ، يوظف الشاعر كلمات حياتية ، مألوفة وهي مبتدلة (الليل ، الخيل ، البيداء ، السيف ، الرمح ، القرطاس ، القلم ) وتفتقر إلى شهوة الاختراق والعبور نحو غرائبية القول ، إذ إنها لا تقول إلا ما تقوله ، فأين هي شعرية المتنبي؟
أين هي اللغة التي تسببت في طرد الشعر والشعراء من جمهورية أفلاطون ياصاحبي ؟
ويتصدى له الثاني وقد عزم أمره على نصرة أبي الطيب :
-إن جدار ذاكرتك أملس، وضحالة معرفتك سبب في ضيق دائرة الاحتمال ،لم تنفتح على الحمولات الدلالية[للمعاني الثواني] ، التي تلاعبك لعبة القط والفأر وتمارس عليك لعبة الغميضة : فكل كلمة يوظفها حبلى بالحمولات الدلالية حتى التخمة ، لكنها لا تعطيك بعضها إلا إذا أعطيتها كلك وجهلا أو ضعفا منك تمسكت بالقشور وأخذت بظاهر النص، فراوحت مكانك ، وغابت عنك درره وجواهره وغفلك جعل الكلام غفلا يوازي ضحالة الخطاب العامي ولأنك بخلت بإعمال ذهنك، فأبي الطيب تخلص في بيته هذا من كل المرجعيات السقيمة الفقيرة التي لا تتجاور إلا السطح ، فما قولك في قوله :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ………………………………
………………………………وأسمعت كلماتي من به صمم
أنا ملء الجفون عن شواردها ………………………………
……………………………..ويسهر الخلق جراها ويختصموا
فانفتاح النص على التأويل والقراءات يدعو إلى السهر والاختلاف في التصورات وفي الفهم من أسباب نشوب هذه الخصومات بين هذا الخلق !
أقصد البغدادي، ألتمس توضيحا يغنيني عن لغة السكاكي التي ينحتها من الصخر الصلب ،فيفتح (مفتاحه) ، ويغلق أمامي كل أبواب الفهم ، ويتلف لي رأس الخيط ، أجدني تائها في [مفتاح ]لا يفتح إلا باب التحجر أمامي ، فلا أنا بالفاهم ولا بالمتمتع ولا بالمستمتع!
ألوذ بخيمة هذا البغدادي فيطوح هو أيضا بي في متاهة من المتناقضات ويتلاعب بالتضاد الذي يكلفني جهدالفهم ومشقته ، أكل هذا العناء والتعب من أجل قراءة النص الشعري الذي أعتقد أنه يقول كل شيء ، وهو في حقيقة الأمر لا يقول شيئا ،يربت البغدادي على كتفي ويقول :
– لا عليك يا هذا [ إن المختار من الشعر هو : القريب ، البعيد ، الوحشي المستأنس ، الدمث الوعث ، البدوي الحضري ، المجيب المتأبي ، المتمنع المتأتي ٠٠٠٠]
-يا بغدادي أتعطيني مباديء قراة النص أم تعطيني لغزا أو أحجية من أحاجيك ؟
-يا هذا أنت قاريء ، وأرى أن مذهبك في اختيار مقروئك لا يقل أهمية عن اختيارات العلماء ، فمل إلى السهل المنقاذ والمذلول على اللسان ،والدال عند استماعه على المراد ، أو مل مع المائلين إلى منغلق المعنى ، خفي الغرض ، الصعب المنال وأنت تهم باستخراجه ، إلا أن هذا سيكلفك طول الفكر وبعد النظر !
ربما كان البغدادي على حق ، أتذكر أني قرأت لأحد علماء عصري : أن نظام اللغة يقوم على اختلاف عناصر هذا النظام ، وإذا كان ذلك فالشعر نظام لغوي وسياق له حقه من اختلاف العناصر اللغوية ، يقول دو سوسير :
[إن النظام اللغوي يتحقق بواسطة الاختلاف الذي يحدث بين الوحدات والعناصر التي تكون النظام ]
واراه لا يختلف كثيرا عن العلامة عبد القاهر الجرجاني في قوله :[ أجود الكلام شدة ائتلاف في شدة اختلاف ] .
بعد هذا السفر القصير في عالم العمائم و إبحارها في متاهات النص ، انفتاحا وانغلاقا ، أمتطي بساط العودة ، يعيدني رجع الصدى إلى عصري الحديث لأحل ضيفا على فكر وأدب غير فكرنا وأدبنا ، أجدني بين ذوي البدلات المكوية ، وربطات العنق الملونة والاحذية البراقة ، لكنهم لا يختلفون كثيرا عن ذوي العمائم ، في تصوراتهم للنص ، مع التميز بطابع العصر باعتبار النص وليد عصره وبيئته !
تستقبلني امرأة قوية الشخصية أيقونة النقد الحديث ، إنها جوليا كريستيفا تسألني :
-ما أتى بك يا سيدي إلى أرض غير أرضك وقوم غيرقومك وثقافة غير ثقافتك ، فمن أنت ؟
-أنا نبتة من [أمة إقرأ ] ، أما ثقافة غير ثقافتي فهذا أمر آخر ، ألست من يدافع عن عالمية الأدب واختراقه للزمان والمكان ، أريد أن أعرف النص ، كيف أقرأ النص ؟
-ألم يطفيء علماؤكم القدامى حرقة السؤال في نفسك ؟
-هم قالوا ٠٠ أبحروا ٠٠ فسروا٠٠ حللوا٠٠أولوا ٠٠قعدواواخترقوا مجاهل النص أريد أن أعرف وجهة نظركم أنتم -معشر الغرب -؟
– من أين تريد البداية يا سيدي ؟
– النص : ما له وما عليه وشروط قراءته !
– حسنا ،[ النص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى ] فهو قراءة وإعادة كتابة لنصوص اخرى ضاربة في عمق التاريخ تكون لحمة النص الجديد ، هذا! الامتصاص يتم تناصا أو تضمينا أو تحويلا ، وإن كان علماؤكم يعتبرون هذا التناص سطوا وسرقة ، ويبوبونه في مجال السرقات الأدبية التي اعتبروها من العيوب !
وبما أن النص -رغم كونه -يشكل بنية لغوية تستقل بذاتها ولها طابعها الجمالي الخاص ، فإن المبدع في كثير من الأحيان لا يترك لك إحالات أو اشارات للنصوص التي تكون غائبة في نصك/مقروئك . ومادام النص مفتوحا على التنوع النصي منه ما ظهر وبطن ومنه ما غاب وحضر ، فإن قراءته تدعو إلى المتح من مختلف العلوم الانسانية عبر اختلاف أزمنتها وأمكنتها ،لأن النص يتعالق مع هذه العلوم وبالتالي فالقاريء ملزم بتنويع معارفه حتى لا يدمر النص عندما يقرؤه تأويلا وتحليلا وتفكيكا لشفراته ودلالاته فكما يختلف المبدعون في توظيف النصوص ، يختلف القراء في الكشف عن هذه الغائب منها و التي تؤهل المبدع وبالتالي تؤهل القاريء تبعا لخلفيته الثقافية ومخزونه المعرفي ولا تنسى أن تسأل أولا عن نوع النص الذي تريد قراءته !
-وكيف لي أن أحدد هذا النص أو ذاك يا سيدتي ؟
-عليك برولان بارت فقد قسمه نوعه وهو سيرشدك !
أقصد بارت وكان يدخن سيجارة السجارالبنية ، ومن حين لآخر ويضغط على صدغيه ،ربما كان في حرب مع ضميره لأنه كان يدبر مكيدة لقتل المؤلف وتتويج القاريء !
-سيدي ما النص ، وكيف لي أن أقرأه ؟
-يا هذا حدد موقفك أولا أتريد أن تكون قارئا مبدعا تستقبل النص وتعكس قراءتك إلى النص ، أم أنك تريد أن تستقبل النص من أجل استهلاكه فحسب ؟
-لا ، لا أحد يكره القراءة المبدعة ، التي تبدع الخطاب على الخطاب !
– النص نوعان : مقروء ، يكتفي فيه المبدع بتبليغ رسائل محددة يقبل على استهلاكها القاريء ، فيتبوأ المكانة السلبية وهذا يجعل منه عقيم الفهم منعدم التفاعل ،يكون سلبيا لا انفعال ولا تفاعل ، لا تأثر ولا تأثير !
مكتوب : تقرأه فتشعر أنك جزء منه ، فتعيد انتاجه ، لان كل قراءة كتابة وكل كتابة إبداع جديد ، وهذا يحدد طبيعته المعقدة ، من حيث إبداعه وتكوينه الثري ! والاختلاف بين النصين يتجلى في خاصية الانفتاح والانغلاق، وعليك بامبرتو إيكو !
يزيل أمبرتو قبعته السوداء ويمسح نظارته ويحدجني بنظرة استغراب و إعجاب :
-قيل لي يا سيدي أن فضلك كبير على النص فهل لك أن تفيدني ؟
-كما أخبرك صديقي بارت النص نوعان :
مغلق : يراوح فيه القاريء منطقة السلب ، لأنه أحادي المعنى ، فلا يقول إلا ما يقوله ، فلا تفسير ولا تأويل ،إذ لا يحتمل معناه إلا تفسيرا واحدا وهو يلاحظ في النص العلمي وكذلك في النص الأدبي ، وفي هذا كلام يطول !
مفتوح : ينقل فيه القاريء إلى منطقة الإيجاب ، لأنه لا يوقف التفسيرات والتأويلات ، وتفكيك شفراته تبعا لقدرات القاريء على هذه المنطقة الإبداعية في مجال القراءة ، وهذا لايختلف عما عرفه صديقي رولان بارت في حديثه عن النص المقروء والمكتوب ، وربما الاختلاف في التسمية ، أما الهدف فواحد !
أستنتج أن النص بحر ، والإبحار متوقف على المبحر ، هناك من يفضل السطح ، أان مركبه مهتريء لا يقوى على الغوص ، وهناك من لا يرضى بإبحاره إلا غوصا في عمق العمق ، والبحث في مناطق صمت الصمت ، مقتفيا أثر الدرر والجواهر ، وشتان إبحار هذا وإبحار ذاك ،أعود قافلا من حيث أتيت وأنا أتغنى :
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
تمثالُ…
التالي
علاقات

اترك تعليقاً

*