القصة القصيرة جدا

سقراط

مازال ثوب الليل مسدولة أطرافه على المكان، نور الفجر يطلّ محتشما من خلف البنايات المتعالية، أرجل قليلة تعبر الشارع، فيكسر صوت خطاها صمت ليل أتعبه طول السهر، مقهى نفثتْ كراسيها على الرصيف. شرطيّ ملّ طول الوقوف، أسند ظهره إلى عمود نور، ينتظر انسحاب ثقل وقت العمل. عامل حمل مكنسته المهترئة على كتفه، بعد ليل عمل طويل، الظهر احدودب من ألام الانحناء. صاحب تاكسي ينظّف سيّارته، يلعن زبائن الليل حين يمزقون أوراق كتاب الأخلاق المتهالك. كهل لامس جدار الستين، أخذ بياض الشعر حقّه من السواد، مكث على شعره الناعم يذكّر من يراه أن صفحات العمر كلّما دوّن الزمان عليها سنينه ازدادت بمداده بياضا، يفتح باب محلّه صغير، باب بدفّات ثلاث، إذا شُرّع يكشف كلّ ما تكدّس من كتب ومجلات قديمة في المحل، اصطبغ بالزرقة كباقي أبواب المحلات المجاورة، لم يتحمّل شمس الصيف الحارقة فتشقّق كأرض بور هزّها الشوق للمطر.
سقراط… صباح الخير يا سقراط…كيف الحال يا سقراط؟…الكل يناديه بهذا الاسم، قليل من يعرف اسمه الحقيقي، زوجته هي الوحيدة من تناديه بعبد الرحمان، محله الصغير الذي ورثه عن والده حين ينفث ما بداخله يكون كما وصفه أحد روّاده في أحدى الجرائد: محل سقراط صغير حجمه، عظيم قدره، كالبحر بأصدافه حوى الدّرر النفيسة، يقصده صغير حابٍ في طريق العلم، وشاب يتلمس أي المعارف يجني، فتاة تقلب مجلات قديمة أضمرت في القلب كلاما في الغرام تفقده، شيخ ينشد كُتبا تقرّبه إلى الله، من فقه، وسيرة، وتاريخ الصالحين…
سقراط يعرف ما يبيع من كتب ومجلات قديمة، يعرف اسم الكتاب، وصاحبه، وتاريخ نشره، والدار التي نشرته، ولونه، وحجمه…عشقه للكتب تقرأه في حركاته حين تراه يرتبها بعناية أمام محله، يمسح ما لصق عليها من غبار، يصلح ما تآكل من غلافها.

الكتاب عنده هو الحياة، ينصح كل الواقفين على كتبه: اقرؤوا…اقرؤوا…كثرة الأكل تزيد الوزن والمرض، وكثرة القراءة تزيد العلم والذكاء، فأمة لا تقرأ كشراع في محيط يحمله الريح حيث شاء، اقرؤوا لتكونوا ريحا لا شراعا.
لكن سقراط في السنوات الأخيرة أصابه اكتئاب، قلّ كلامه، والنصائح، والحديث عن الكتب، ما عاد يمسح ما تراكم عليها من غبار، ما عاد يصلح ما تمزّق من غلاف، أذنه دوما إلى ذلك الراديو اللعين، يتصيّد به الأخبار من كلّ بلاد.
لامه صديقه، صاحب المقهى القريب: أراك يا سقراط ما عاد علمك نافع لأحد، أين حديثك عن الكتاب، وعن أعلام المجلات القديمة، أجفّ نبعك يا سقراط؟؟
العين تنطق بالجواب لو نقرأ حرف العيون، وسقراط أثقلت أخبار ذلك الراديو اللعين على شفتيه الكلام: آه يا صديقي نحن أمة كالشراع ، الريح تلهو بنا، نسير كما شاءت لنا، إن أحببنا أو كرهنا، لو قرأنا لعرفنا أننا بالحرف نعلوا هامة بين الأمم، لكننا يا صديقي أمة شعارها: وأسوأ جليس في الزمان كتاب.
الفجر عاد يطلّ من خلف البنايات كعادته، لكنّ سقراط تغيّب، ما عاد عشقه للفجر والكتاب يزرعه في الشارع قبل الشروق، الكلّ عنه تساءل، الكلّ عنه تحيّر، لكنّها الكلمات تسري من الشفاه إلى الآذان، قالوا رأوه على جسر المشاة يبيع سجائر مستوردة، و قالوا بل يبيع الملابس المستعملة، ناداه أحدهم بسقراط فغضب، قال: يا أمة الشراع، يا أمة الشراع، أنا لست بسقراط، اسمي: عبد الرحمان.

السابق
صهيــل الشـــرفات
التالي
مقبرة

اترك تعليقاً

*