القصة القصيرة

سقوطٌ

انشغل بإصلاح سيارته العتيقة حتى هبط الليل، إثر منعطف خاطئ، أيقن أنه ضلَّ الطريق. توقف حائرًا، الظلام حالك، الريح تعوي كصرخات أشباح معذبة، المطر يتدفق بلا انقطاع، على ضوء البرق الخاطف يلمح صحراء شاسعة تمتد على الجانبين كفم هائل مفغور، يشقه لسان أسفلت أسود على مدى البصر، تعلوه سحابة عظيمة داكنة تغطي وجه السماء، كبساط سميك يحجب القمر والنجوم.
تعلقت عيناه بنقطة ضوء باهتة تبدو من بعيد، تنهب الأرض تجاهه، عاد للسيارة ينظر للجثة المسجَّاة على الكنبة الخلفية، والحقيبة المتخمة بالأموال المطروحة تحتها. قبل ساعتين كان قد أفرغ خزانة الشركة التي يعمل بها صرافًا، ليسدد ديونًا تراكمت عليه لعجزه عن سداد فوائد قرض بنكي بدده في سهرات القمار، تردد كثيرًا في الإقدام على هذه الخطوة الخاطئة، لكنَّ الغلاء المتواصل دفعه إليها دفعًا، بعد أن سُدت أمامه السبل، وتنكر له القاصي والداني.
قبيل خروجه، شاهد ألسنة النار تندلع في المبنى تتخللها سحب الدخان، لحقه حارس الأمن، حاول أن يروغ منه، لكن الرجل لاحقه بإصرار، فكمن له وتبادلا اللكمات والركلات، أفلت منه بمشقة وأدار السيارة وتحرك مغادرًا. لمح في المرآة جسد الرجل متشبثًا بالسيارة كالقرادة. لم يجد بُدًّا من أن يطوِّح به في فرملة مفاجئة ليتخلص منه. لم تطاوعه نفسه على الهرب قبل أن يطمئن على الرجل، الذي اصطدم رأسه بعمود أسمنتي وخمدت حركته. حمل الحارس الغائب عن الوعي، ومدده على المقعد الخلفي، وانطلق مبتعدًا عن النار والدخان.
اقترب الضوء البعيد وأصبح الآن نقطتين واضحتين، تبين أنهما مصباحا سيارة مسرعة، أشعل قميصه وراح يلوّح به، اعترض طريق السيارة محاولًا إيقافها، السائق المذعور أبى الوقوف، وكاد يصدمه لولا أن قفز جانبًا، عاد يحاول تشغيل السيارة حتى دارت من جديد، وانطلق في أثر السيارة المارقة، حين بدأت المسافة تضيق بين السيارتين، زاد السائقان من سرعتهما حتى هوت السيارتان، واستقرتا في قاع النهر، بعد انقطاع الطريق فجأة، لعدم اكتمال الجسر تحت الإنشاء.
خرجت صحف الصباح، تعلن مصرع صاحب الشركة واثنين من الموظفين غرقًا، بعد نجاتهم من الحريق بمعجزة، وتشيد ببطولة أمين الخزنة الذي أنقذ رواتب العاملين.
صرفت زوجة صاحب الشركة وثيقة التأمين، ولم يستطع الحارس الميت أن يشهد، بأنه رأى مالك الشركة بنفسه يشعل النار فيها، ولا بأن أمين الخزنة اختلس المرتبات وقتله.

السابق
مُتيّم
التالي
نكرانٌ

اترك تعليقاً

*