القصة القصيرة

سلال من الشوك

صمت رهيب.. قاتل .. لا يقطعه غير سقط أقدام ثقيلة .. منتظمة.. رتيبة .. أجهدني ثقل الظلام .. ثقل الصمت.. الذي ألقي في قلبي الرعب .. اتجهت صوب الباب .. خلعتُ عيناي علي صاحب الخطوات ــ كدقات عقارب الساعة المنتظمة ــ ألمح ظلاُ ألقاه ضوء المصباح علي الأرض ….. ناديت .. فلم يرد .. فضربت الباب بعصبية .. اقترب.. جلس علي الكرسي من جريد .. يئز .. أمسك دفتراً ضخماً .. وضعه أمامه علي ” الطرابيزة الخشبية “.. غير آبه .. أو مكترث.. بصوتي المبحوح .. ينهمك في تقليب الصفحات التي أمامه .. وأنا أكيل له السباب , والشتائم .. بلا جدوى .. صمتُ رهيب .. قاتل .. هُنَيِةَ تفكيرٍ ……
” حين كنت واقفاً .. كتمثال رمسيس , ويداي مكبلة بالحديد .. مرتجفاً .. تدور عيني في نظرات الجالس .. خلف المكتب الأنيق .. وهي ُتلفّني.. تَخْترِقُنِي .. ُتفْزِعُني .. وهو يرتب أوراقه فوق المكتب .. يَرْمُقُني .. بنظرات حادة .. فاحصة من حين لأخر .. مرت دقائق كئيبة .. ينهض .. يتجه نحوي .. في بدلته الزيتية .. ممشوق القامة , مفتول العضلات , أبيض البشرة , والأسنان… صوت عربة يشق غلاف الصمت .. الجاثم .. ثم يرتئب الصمت من جديد .. أخذ يدور حولي بخطوات واثقة من نفسها .. شعرت ببرد يديه علي كتفي .. لمدة ثواني معدودة .. يثبت عينيه في وجهي المرتجف .. أبتعد عني بمقدار خطوتين .. أو ثلاث , لا أذكر .. وقف تجاهي .. فرك يديه .. جزَّ علي أسنانه .. هزَّ رأسه.. زمجر.. ثم عاد إلي مكتبه الضخم , الفخم .. أدار الكرسي المتحرك .. مسح المكان بعينيه الخضراوين .. ولم ينسي قبل أن يجلس عليه .. أن يضع نظرة محدقة علي وجهي .. المرتعد … وبصوتٍ خافت هادئ بعض الشيء ….
ــ ما أسمك …؟.
ــ ……………
” … ليس مهماً أن أذكر أسمي .. كان من الممكن … أن أدعي زيداً … أو عمراً ….. ألأسم .. تافه … المهنة … عاطل … أسكن مع كائنات غريبة … لكنها أليفة .. بالنسبة للبسطاء , أمثالي ….والمطحونين من الشعب الكادح .. علي بعد , مائة وخمسون متراً .. من محطة { طهطا } … تجاه الشرق .. يقطن شارع { العبد } .. رقم المنزل : { 33 } .. ذلك الشارع الضيق .. الطويل جداً الذي اقطنه .. كثيراً ما أغرق في سر أنشائه .. فبالرغم من أن الأرض .. في الماضي كانت واسعة جداً .. وبرخص التراب .. الا انهم أنشأوه هكذا .. لا يسع اثنين في حجمي.. يمشون فيه بالعرض.. تري هل كانوا خائفين علي الرقعة الزراعية ..؟ .. أم تراهم كانوا يحبون بعضهم لدرجة أنهم لا يستطيعون البعاد عن بعض .. إلا بمقدار خطوتين فقط .. ؟ .. أم ترى ظهر هكذا , عشوائها ..؟.. وأخيراً.. أفترض , بأن نساءهم .. الثرثارة هنَّ اللاتي طلبن ذلك من أزواجهنَّ .. حتى يستطعنّ ممارسة هوايتهنِّ المفضلة .. الرغى .. ومسك السيرة .. الاتي توارثنها جيلاً بعد جيل …” …
ــ ما أسمك .؟
ــ ……..!!!
الجدران المطلية بالجير .. واللون البرتقالي .. الباهت .. عليها رسوم صغيرة .. وتواريخ , وأسماء , كثيراً جداً .. لا أعرف إلا القليل عن أصحابها .. والارض المسفلتة تحت أقدمي تضرس أسناني .. وحشرات غريبة الشكل .. أألفها جيداً .. تسبح حولي .. وتطير .. طارت عيناي علي نافذة الباب الصغيرة .. اندفعت إليها بقوةٍ .. تشبثت بها .. مددت عيناي , للمنتهي .. لم أر غير زاوية الجامع الصغير .. وبعض الأشجار .النائمة في سكون, شتوي , جميل , وحزين , وغرفة السلاح ,بجواره ينبعج منها أصوات هزر, ومزر .. وكشاف كبير جديد … يرسل شلالات من الضوء في الفناء الضيق , ليحيله إلي نهار صامت .. وصاحب الخطوات , تضخم فوق الكرسي , وأنتفخ بشخيره .. فالنوم قد سرق عينيه المقبقبةُ .. وعم سكون الليل المكان .. حتى صار كغراب يحلق في السماء .. وفوق الأرض .. بجناحين كبيرين ,, ليجعله مرتعاً .. للعفاريت .. ومسرحاً للأشباح .. ونقيق الضفادع .. وصفير الصراصير .. وكلباً ينبح أنثاه .. وأغصان الأشجار الصنوبرية تداعبها نسمة هواء باردة .. فتسقط أوراقها .. لتنام في خشوع .. تحت جزع الشجر .. وكنت أتابع هذه المسرحية المرعبة .. في منتصف الغرفة .. ذات الجو الأسطوري .. والهواء الممزوج برائحة العفن .. يملأ أنفي .. يزكمها .. تختلط الأحداث برأسي .. تتداخل الصور ….تتداع …..
” .. التفت الواقف بجواره , نحوي .. غمز بعينه … مستفسراً في اهتمام .. فأجابه بصوت هادئ .. لم يتغير بعد نبرته ..” .. شوهد وهو يتسكع في الطرقات …. والشوارع , وعلي النواصي .. يقف يعاكس بنات المدارس .., بألفاظ بذيئة .. وقد ضبط أخيراً .. متلبساً وهو يقفز من فوق سور “مدرسة البنات ..” …. وكان الكاتب منكباً وغارقاً .. لأذنيه في الأرق التي أمامه .. والرجل الأنيق .. ذو العينين الخضراوين , الواسعة , الفاحصة , ممسكاً بعقدته الحمراء .. الملتفة حول عنقه … يضغط عليها بأحكام …” …
والصمت مازال مخيماً في المكان .. والليل يلف المدينة .. بعباءتها السوداء .. كماردٍ .. مخيف .. يشدني من رأسي .. والظنون خناجر تذبح عقلي .. ساورني شك .. بأنه كابوس مفزع , مزعج .. .. تمنيت لو أنه كذلك ….ولكن هيهات …
ضربت جبهتي بحد الباب .. حتى أفيق , أستيقظ .. فلم أعد أطيق هذه الرائحة .. العفنة , الكريهة .. فهي تخنقني .. وتتسرب تحت مسام جلدي .. وتصعد إلي تلاتيب مُخي .. لتتلفه , تدمره .. وتتوغل لتسكن فيه .. فمياه المجاري الطافحة لم تترك لي ولو شبر واحد ..لأستريح فيه ..ــ تبت لكم جميعاً ــ ويخيل إلي أنها ربما قد تغرقني بعد قليل .. ..
حاولت أن تذكر … ما الذي حدث بالضبط ..؟ . … عصرت رأسي .. ذاكرتي تخونني ــ هي دائماً هكذا ــ .. سألت نفسي ..؟. .. وأنا أقطع أرض الحجرة ذهاباً , وإياباً ..ضارباً أخماساً في اسداس .. .. وأعدت سؤالي علي نفسي .. ؟. .. ” ماذا حدث بالضبط ..؟ ” … أنا لم أفعل شيئاً .. البتة..!!.. حاولت أن أتذكر .. أفتكر ..؟…
” حين رأيته .. كان واقفاً في المواجهة .. بزيه المميز .. حين سألته ..؟!.. ــ أن كان من الممكنً أن أجتاز وأمر من وسطهم .. حتى ألحق بالقطار الذي سيقللني للجنوب ..؟! .. صفعني بنظرةٍ حادةٍ .. نافذةٍ .. ثم أخذني من يدي .. ثم أوقفني أمامهم مندهشاً .. وهم جلوس تحت مظلةٍ ملونةٍ .. صارت أيديهم تُقَلّبني .. ــ تفتيش ذاتي ــ .. دس أحدهم يده بين أفخاذي …. ! .. والأخر راحت يداه تُقَلُّبِني .. تبحث تحت إبطي , عن شيء ما .. ! .. والثالث أمسك بأوراق البطاقة , واشتراك القطار …! .. وعلبة كبريت ــ لم ينس أن يفتشها هي أيضاً ــ .. كان هذا كل ما أملك آن ذاك .. ثم وضعوني في عربةٍ .. مكشوفةٍ .. في قلب الميدان .. تحت الشمس المحرقةٍ .!! .. وكنت أتصبب عرقاً .. وهم وجنودهم , يصوبون بنادقهم نحوي .. وعيون المارة المتلصصة , المتطفلة .. والذين ألفت أقدامهم الطريق .. ينظرون إليّ في أشفاق .. ومنهم من رسمت علي وجهه علامات تعجب .. واستفهام .. اندهشت لذلك المشهد , الذي انا فيه .. وظلت أنتقل من مكانٍ إلي مكان .. ومن غرفةٍ إلي غرفةٍ أكبر .. وقفت أمام كثيرين .. جالسين خلف مكاتب نظيفةٍ , مفخفخةٍ .. أغرقوني في سين . وجيم .. حتي صارة الورقة, اليتيمة التي كُتب عليها أسمي .. حزمةٍ من الورق .. حتى جئتُ إلي هنا .. اللعنة علي الجميع … ..”
فجأة تسلل إلي أُذني صوت , همهمات قادمة من الخارج .. ارتعبت ,, ارتعدت .. انتفضت , ارتجفت , ــ علي طريقة الفأر الذي رأى خَنَّاقَه ــ نصبت طولي المتهالك , بالعافية .. وأنا أتسند علي الجدار البرتقالي الصدأ المتأكل .. دوران المفتاح في القفل له وقع خاص , لا يعرفه إلا من جرب السجن …. خفت.. خنثت .. خنقت سيجارتي بين أصابعي .. لم أشعر بلسعتها .. يأتيني الصوت من قريب .. شاب أمرد .. يأمرني بالابتعاد عن الباب ..؟! .. ؟أنزوي بعيداً .. أتسعت رقعت الضوء .. برز أمامي واضحاً صاحب الصوت .. شاباً تجاوز العشرين من عمره بقليل .. ذو بشرة بيضاء ملونةٍ .. وسيم .. وعيون لامعة .. يدفع بالمتهمين .. للداخل ؟! .. يأمرهم أن يجلسوا .. القرفصاء .. متراصين .. اثنين , اثنين .. في حزي واحد .. يتمتم .. يشير بكتلة مفاتيح , ضخمة في يده .. يعدهم .. يهز رأسه .. صوت , طائش ينطلق .. يتضجر من الحر .. وضيق النفس .. يشدّ السجان الباب .. وهو ينظر إلي صاحب الصوت .. بوجهٍ عبوسٍ , متجهم .. ” نجبلك تكييف يا ابن الكــ…..”..؟!! … تنطلق الأصوات من الحناجر .. بتعليقات ساخرة , مازحة .. سخيفة .. يعقبها ضحكات , عالية .. وهمهمات ,, وهمسات .. تختفي شيئاً فشيئاَ .. حتى تتلاشى تماماً .. ويخيم الصمت المطبق من جديد .. والظلام الدامس يحتل المكان .. وكنت أتابع كل هذا في صمتٍ .. وكل واحدٍ منهم وهو يمهد مكاناً له ويهيئه للنوم … ودخان السجائر .. راح يكون شبورةٍ , كثيفةٍ ضبابيةٍ .. تكاد تحجب الرؤية .. يصحبها سعال رجل .. في خريف العمر ….. يقال … ” بأنه أغتصب فتاةٍ دون العشرين ..؟!! .. بعدما أستدرجها إلي حقول الذرة , البعيدة .. ثم أفترشها , بشراهةٍ ونهم …؟؟!!!… ” !! …
وهناك روايةٍ أخري تقول …” بأن الفتاة هي التي استدرجته إلي هناك .. أكثر من مرة .. ثم طلبت منه .. الزواج ,, ليستر عرضها .. ويداري الفضيحة , وبطنها التي ارتفعت فجأة .. ارتفاعا ملحوظاً .. فرفض .. فاشتكته لتنتقم منه ..!! .. صوت اخر يخرج من رأس مضمومة بأربطة الشاش الأبيض ألمتسخ بالون الأحمر الداكن ….
ـــ لو سمحتم ساعدوني في تنظيف المكان ..؟1!
ينهمك في تشمير ساعديه .. يقترب من بعض الفتيه .. فينظر بعضهم لبعض .. باستغراب بالغ … ثم ينفجرون بالضحك الهستيري .. يبتعد عنهم بحزر .. يسمع أحدهم يذكر ..” نعناعة ” زوجته ….” ـ يقال والله أعلم .. ــ أن أمرة هذا الرجل .. لعوب .. ومسيطرة عليه تماماً .. وهي التي فعلت به هذه الإصابة .. تضربه كلما تأخر عن تلبية رغباتها .. الجامحة المجنونة … وحاجيتها التي لا تنتهي أباً .. فهو امكانياته بسيطة جداً .. ــ مسكين ــ وفي راوية , ثانية تقول … ” هو الذي بطح نفسه .!! “.. وفي رواية ثالثة .. تقول .. ” .. بأنها كرت عليه بعض الشباب ” الصايع ” .. وأعطتهم الثمن من جسدها الطري الدن .. ..” !!! …
فككتُ ازرار قميصي البني … زفرتُ زفرت طويلةً .. تلمست ابعاضي المتداعية بالسهر والحمي .. انخرطت دموعي .. من الا شعور .. ورحت أدور في الحجرة الضيقة .. اجز علي اسناني .. .. ورائحة المكان تخنقني.. وكأن سلالً من الشوك .. زرعت في عيوني .. وصاحب الظل .. يقدم ليّ من حين لأخر .. ابتسامة بلهاء و باهة.. لأعطيه سيجارة أخري .. والشخير ظل يتكاثر من حولي .. ليكون تيمة شاذة .. تضاف إلي منظومة الليل الكئيب .. وتنضم إلي نقيق الضفادع وصفير الصراصير .. وحفيف الاشجار الصنوبرية .. وأوراقها النائمة في صمت .. فوق الأرض اليابسة .. “” وأذان الفجر يتردد صداه .. فوق أرجاء المدية الناعسة … في استرخاءٍ تام ….. وأنا ……”

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
نزوح
التالي
بلاد بَرَّةٌ

اترك تعليقاً

*