مقالات

سوق عكاظ واغتصاب الالقاب!

غريب أمر هذا العالم الأزرق ، بمجرد ما أسجل دخولي تحملني ذاكرتي المجنونة إلى سوق عكاظ ، فأهيم على وجهي في مجاهيله أجد الخيام تعج بالأسماء والألقاب بمختلف أنواعها ، وكل من يلج خيمة من خيامه يلصق على ظهره هذا اللقب أو ذاك فهو الشاعر أو القاص أو الناقد ، وكأن اللقب أصبح رقم بيت ، أو خاتم خطبة ! ، يعج سوق عكاظ بهذه الألقاب بمختلف اشكالها أقسمت برأس أمي وشرف أبي أن ألج عالم اللغة ومجاهيل المعرفة ، التي سأبحر فيها وربما لن أحتاج إلى مجاذيف ، و لكن بمجرد اقتحام فضاء هذه اللغة ، وجدت الجملة العربية تستغيث ، وتطلب النجدة ! ممن مني أنا القاريء البسيط الذي لايحمل على ظهره ألقابا فلا أنا بالناقد ولا بالقاص ولا بالشاعر ولا بالمبدع ، أرق لحالها ، وأحاول التدخل ،لكن الشتائم تنهال علي من كل حذب وصوب، فينكل بي شر تنكيل كيف أتجرأ على هؤلاء العظماء الذين عظموا أنفسهم وتبادلوا العظمة بينهم كما لو كانوا يتبادلون باقات الزهور أو أطباق الحلويات وكل من يدخل خيمة من خيام سوق عكاظ يشرف بلقب يختاره على مزاجه ويفصله على مقاسه ،فيمارس هو أيضا اغتصاب اللغة باسم الإبداع ، ويل لك أنت- الغريب – أن تدخل خيمة من خيامهم في سوق عكاظ وتتجرأ على تغيير المنكر ،فإنك ستكون أضحوكة بينهم !
في سوق عكاظ هذا يراودني العجب ، فأؤلائك الذين يستحقون أن يلبسوا هذه الألقاب تخلصوا منها استغنوا عنها واكتفوا بأسمائهم العادية (فلان بن فلان ) ،وفي أحسن الأحوال ، يلقب نفسه أستاذا لأنه فعلا أستاذ ،ويترك تلك الألقاب الرنانة والبراقة لمن لا يستحقونها ولعشاق بريقها وبها يمارسون اغتصاب اللغة !
فماذا سأفعل ، يا ترى ، لقد أصبحت جزء لا يتجزأ من هذا العالم الافتراضي ، سوق عكاظ العصر الحديث ، عصر يعج بالتكنولوجيا والمعلوميات ! والفرق بين عكاظهم وعكاظنا أنهم يلبسون العمامة ونحن نلبس البدلة وربطة العنق ، هم يتميزون بالصدق في ألقابهم ونحن نمارس التزوير وانتحال الشخصيات ، هذه التسميات التي أصبحت توزع مجانا وليس حسب الحياة العريضة التي يعيشها منتحل اللقب ، هم كانوا أكثر صدقا مع أنفسهم ، ونحن نمارس الكذب على أنفسنا وعلى الآخرين ، وما أصعب أن تكون على وعي بأنك تكذب على نفسك !!هو عذاب الضمير سيصحو في يوم من الأيام كحمم البركان الخامد فيحرقك إلى آخر عظمة ،هم كانوا يتحكمون في مستغلقات اللغة فتطاوعهم ،وتنساق أمامهم يدفعونها فتتدافع سلسة عذبة كالماء الزلال يتسرب بين الأصابع ،ونحن نمارس عليها العنف ، فتعصانا ،و تخلق لنا الفوضى فتخرج عن طوعنا ، فنضرب الأخماس بالأسداس ، وتعلن كل مقولة لغوية العصيان والتمرد على بعضها البعض ، فيختلط علينا الحابل بالنابل ! ،هم كانوا حكماء وفلاسفة لغة ورواة ،كانوا بحارا من الدرر والجواهر ، فاستحقوا اللقب ، عن جدارة ، استحقوا لقب الشاعر لأنهم شعراء ولأنهم قالوا الشعر ، فجعلوه يخرج عن حدود الزمان والمكان ، ومن ثم إلى العالمية ، استحقوا ألقابهم ، أما نحن فماذا فعلنا ، حتى نستحق إلصاق هذه الألقاب بظهورنا وكأنها شارات تعريف أو أوسمة مزورة لجنود جبناء ، افلتوا بأنفسهم في أعماق الحفر ؟ ماذا فعلنا حتى نستحق هذه الألقاب التي والله تستطيع أن تقبض على الجمر ، ولا تستطيع القبض عليها ،فاللقب مسؤولية ياناس ،والله في كثير من الأحيان أدخل صفحة قاص أو شاعر أو ناقد ، تطفلا ، وحبا في المعرفة فأجد بعض المنشورات الخجولة التي لا تفلت من التمرد اللغوي ،وهناك من لا تجد في جعبته شيئا يذكر ، فاللقب عنوان العطاء والترفع عن الدنايا والصغائر ، و اللقب بحر بلا شطآن ، و نهر بلا ضفاف ، و ربع بلا تخوم ، هذا هو اللقب ، أماما عدا ذلك فإنه مجرد اغتصاب وكذب ، وانتحال شخصيات ، وربما سيحاسبنا أبناؤنا في يوم من الأيام لأننا كذبنا عليهم وبعناهم الوهم ، وتظاهرنا بالعظمة ونحن لا نساوي حبة بصل .والله أهون علي حمل الجمر في يدي من لقب يطلقه علي قرائي لأني أخاف أن أخذلهم ، وتظهر حقيقتي غير التي خلقوها في أذهانهم ، شرف لي أن أكتفي بلقب الأستاذ ، لأني فعلا أستاذ ، أحمله على بطاقة هويتي ، وأقتات منه خبزا طاهرا نقيا ،وهذا خير لي من أن ألصق هذه اللافتة ، وكأني أضع شارة السماح بدخول خيام عكاظ ، فلسانك سيدخلك دون أن تحتاج إليها !!!

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
طاولة لفردين
التالي
النقد عبر الخاص أم العام ؟

اترك تعليقاً

*