القصة القصيرة جدا

سيطرةٌ

وقف الفتى ذو العشرين ربيعًا نافخًا صدره، متشبهًا بالرجل الخارق (سوبرمان)، بشَعره اللامع تحت أشعة الشمس الموشكة على الغروب، مستندًا بإحدى راحتيه إلى سور الفيلا الخارجي، بينما تقبض الأخرى على (كلابش) متصل بسلسلة معدنية، تنتهي بطوق جلدي يسوِّر رقبة كلب ضخم، يسَّاقط الزبد من شدقيه المفتوحين عن لسان طويل لاهث.
كان الفتى يلوك علكة، ويدندن بأغنية على نغمات السماعة المتوسدة تجويف أذنه، بينما ترتسم ابتسامة واسعة على وجهه الوسيم، وقد زانت جيده سلسلةٌ ذهبية تتلألأ في فتحة صدر قميصه اللازوردي قصير الأكمام، الذي يبرز عضلات ذراعيه، وتحته بنطال الجينز الساقط الذي حشر فيه نصفه الأسفل حشرًا، وبينهما حزام عريض يلتف كالحية حول خصره النحيل.
قُبالته وعلى بعد خطوات معدودة، وقفت فتاة جميلة وقد أسقط في يدها من شدة الرعب، بدتْ كفراشة تنظر في هلع إلى حرباء كامنة، أو كحشرة منكوبة فاجأتها عظَّاءة مخيفة. اختلطت رائحة الكلب المُقززة بعبق العطر الثمين الذي ضمَّخ به جسده وملابسه، ومن بين أسنانه البيضاء المُفرَّشة حديثًا همس:
– لا تخافي، كل شيء تحت السيطرة.
لم يسمع سوى صوت أنفاسها الخائفة فأردف:
– تعلمين أنه ليس كل ما يلمع ذهبًا، ولا كل من اعتلى الخيل بخيال! إنني متمرسٌ في تربية الكلاب من الصغر، وخبرتي بطباعها أكبر من معرفتي بطباع البشر.
لم تنبس سوى بهمهمة لم يتبين معناها، وزاد اتساع عينيها رعبًا، وهي تشير إلى شيء وراءه. لم يلتفت وضحك ضحكة مُجلجِلة، وهو يقول في لهجة الخبير:
– الكلاب كسائر الوحوش عدوانية بالغريزة، لكنها قابلة للتدريب والتعلم والتآلف مع أصحابها، إلا أنها عند التحدي تصير عنيدة وشرسة، تميل لإخضاع غريمها وبسط نفوذها عليه خاصة إذا تلاقت الأعين.
إزاء صمتها المُطبِق استطرد شارحًا:
– إذا أبدى الخصم انكسارًا رضيتْ وهدأتْ، وإن بدتْ منه مقاومةٌ انزعجتْ وهاجمتْ، وهي بارعة في تشمم رائحة الأدرينالين، الذي تزداد نسبته في دم الضحية عند الخوف، فتزداد جرأتها عليه. لذا لا تتحركي حتى أشير إليكِ، ولا تبدأي في الجري فيعدو خلفكِ.
انتبه إلى أنه يكلم نفسه، والفتاة متجمدة ممتقعَة الوجه كتمثال من الشمع، رفع يده ليطمئنها إلى إحكام قبضته على الوحش، كانت السلسلة في يده خاوية، والكلب يُقعِي على بعد أمتار حيث كانت تشير الفتاة، وفي عينيه نظراتٌ غير مريحة.

السابق
اعترافات آثمة…
التالي
صور رمادية

اترك تعليقاً

*