قراءة في مجموعة قصصية

سيكولوجية التعبير وأنماط الواقع فى “تراتيل وحكاوى قصيرة للغاية”

للكاتب أحمد الباسوسى

القراءة

يمثل الفن القصصى انعكاسا هاما فى واقعنا وفى رؤيتنا لأنفسنا وذواتنا ويحمل فى طياته العديد من الملامح والفلسفات التى لاتقف عند التأطير والنمذجة أو تستلهم الأشكال والأوصاف الحكائية فقط، وإنما تتجاوز ذلك لتعظم الوجود والحقيقة الإنسانية، وتصف القدرة الهائلة للعقول، فى تخيلها وقوة منطقها وبعثها للحياة بطريقة متجددة، وذلك عندما تكثف الفكر وتترجمه إلى كائنات حية تنبض بالحركة والفعل، نقلا من الواقع المتحرك الصاخب إلى الواقع الساكن الباحث عن الفاعل والباعث للنفس والوجدان .
فالإنسان عندما تتهيأ له الفرصة ليرى نفسه على صفحات الأوراق فى رمزية إبداعية فلسفية، تقوم على التصوير واستدراك النفس فى منقلبها وفى يقظتها وفى حيواتها المختلفة، يصبح الخيال والحقيقة واقعين لنفس واحدة فى مجتمع واحد، وانعكاسا نفسيا ورمزيا لصورته ووجوده، وذلك من خلال قضايا ودلالات تتجه موضوعيا فى اتجاهات عديدة وفى أنماط وقوالب اجتماعية متباينة شكلا، متحدة فى الحال والمصير، متشابكة ومعقدة نفسيا بحيث يصعب تفسير دلالتها أحيانا، ويبدو فيها التسطيح والعفوية والمباشرة أحيانا أخرى، ومن بين الحالين تأتى التجربة والعملية التأملية التى تستلهم دقائق الأمور ومعالم الواقع، من زاوية النفس، مثار التأثير والتأثر، ومكمن الحس والشعور .
هنا تبدو المعالم الإنسانية هى الدافع للبحث فى حياة الواقع والمجتمعات من حيث تقديم الشخوص والأماكن والقضايا والأفكار مصحوبة برؤية القاص ووجدانه وموقفه وخياله الذى لابد من حضوره والاعتماد عليه فى عملية النقل والرسم والتشخيص، وهذا يجعل الدلالة التعبيرية قريبة من النفس ومن التصوير فى درجات متفاوتة من التجسيد الحى للواقع ومتفاوته بين الوصف والحكى النفسى وتقديم الصورة النهائية فى لحظة توافقها وجدانيا مع الكاتب وميوله وغريزته فى التعبير والتقاط الصورة فى دلالتها وفى لحظتها القصصية الموضوعية التى يسعى لها جاهدا .
والواقع الأدبى والواقع النفسى فى المجتمع الواحد لايقومان على ترجمة ما يدور على سطح الحياة الإنسانية تلقائيا رغم تميز هذه الحياة دائما فى حركتها الموارة وانفعالها وشموليتها واضطرابها واستيعابها للعديد من الفكر والاتجاهات المختلفة ومن ثم بعدها عن السكون المحض، مما يستدعى خيالا وحضورا خارجيا لمراقبة ما يدور ومحاولة بعثه فى صور أدبية مختلفة ومتعددة الاتجاهات، يمكن تنميتها وجدانيا وعقليا بواسطة القاص ومن ثم إقامة علاقة نفسية تقوم على الجذب والتأثير ونقل النتيجة المترتبة على ذلك إلى الواقع الأدبى الذى لايلبث أن يتحول مباشرة إلى واقع نفسى يستوعب الأفكار والقضايا والأشخاص ويعيد واقعها مرة أخرى فى علاقات إنسانية متشابكة تحتاج إلى تحليل دقيق لفض مكنونها، ولايكون ذلك إلا عن طريق القاص بداية حينما يقيم علاقات تواصل بين الأفكار والأركان التى يضمها النص تهيئة لترجمة الواقع وبعثه نفسيا وإنسانيا .
ويختلف التكوين النفسى من مجتمع إلى أخر ومن شخص إلى أخر، فلا يوجد تطابق يجمع بين صفات الأشخاص إذا رصدت سماتهم وأوصافهم الحسية والمعنوية، بينما يتفق الجميع فى التأثير النفسى وفى الاضطراب سلبا وإيجابا وفى الحاجة الماسة لتتبع الظواهر العامة ورصدها وترجمتها إلى واقع نفسى عام يمكن بواسطته تفسير وتحليل النفس والمجتمع والوقوف على أهم القضايا والأفكار، وهنا يمكن للأدب والإبداع عامة أن يسجل مثل هذه الإشكاليات ويقدمها ويطرحها فى صور فنية وموضوعية، مشخصنة، ودلالية زمكانية، تجمع بين الجمال الفنى والمتعة الأدبية والمعالجة .
ويقوم الواقع النفسى للمجتمعات عادة على رصد عملية التناقض المباشر واستلهام القضايا والإشكاليات وتسجيلها من خلال المتابعة الدقيقة لحركة الأشخاص وتحليل الظواهر الاجتماعية والنفسية، ومحاولة التوافق ضمنيا على حلول جذرية نهائية، تنعكس على تحقيق الكفاءة النفسية بين الأشخاص وانعكاسها على الواقع والمجتمع، مما يسبب الشعور بالرضا ظاهريا ويبدو ذلك فى الصور الاقتصادية والسياسية بالدرجة الأولى وما يتبعها من انحسار للرهبة فى ظل التوافق النفسى الأمنى وعدم تدنى الشعور بالأهمية، أوتباين الأفراد ماديا ومعنويا وإنسانيا .
ويكون الواقع الأدبى معنيا بالمراقبة والوقوف على تيارات الحياة والمجتمع، ورصد الظواهر العامة من خلال مناهج الإبداع والبحث والنقد الأدبى، وتقديم الدلالة الاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، والنفسية، التى قامت عليها العملية الإبداعية، مع تحقيق القدر المناسب من الخيال الذى يسمح بوجود النص المكتمل الأركان والدلالات، وتقديم الجمال الفنى من وجوه عديدة، بداية من اللغة ودلالتها، والفكرة ورمزيتها، والوظيفة الإنسانية التى تعد من ركائز النص الأدبى .
وهذا لايبعد بأى حال من الأحوال عن المنهج النفسى الذى يحلل النصوص وينفتح على تأويلات وجدانية وشعورية لاتتعلق بالحب والكره واحتياجات المرء فقط وإنما تستلهم القضايا العامة والأفكار الخاصة، وتكشف مراحل تطور الشخصية والمجتمع، وتصف الواقع وصفا شعوريا يشمل المشكلات العامة والطبقات الاجتماعية، ويعرض المتناقضات من زاوية التحليل بعيدا عن كون النص وثيقة نفسية أو ظاهرة مرضية، حتى لايخرج النص من وظيفته الأدبية، ولايكون وسيلة نفسية فى المقام الأول، وهنا تبدو رؤية الأديب وانفعالاته بالواقع متساوية مع ترجمته للظاهرة التى تشمل الواقع الكلى وتنفتح على معالم الحياة فتصف ملامحها وتترجم .
وتكون الصورة التشخيصية هى أكثر العناصر والأركان استيعابا لمثل هذه الموضوعات نظرا لما تتضمنه الصورة من وصف وتجسيد كلى لايقف عند حدود الحس المادى وإنما يشمل كافة الدلالات، المعنوية والشعورية التى هى بطبيعة الحال ركن هام من أركان الواقع وعلامة حقيقية للقيم النفسية، وغالبا ما يلجأ الأديب فى عمله على التأثير الوجدانى من توظيفه للصورة فى اتجاهات مختلفة من الحس والشعور، ويساعده فى ذلك أن الصورة قريبة من الملتقى ومن وجدانه وتقدم القضية والفكرة من جذورها وتشمل على نواحى تعبيرية عديدة .
وقد يواجه الأديب بتناقضات مختلفة فى تصوير الحياة، فيلجأ إلى الوصف دون تحليل المشهد أو تعليل الظاهرة، فيعتمد على الرمز فى وظيفته الأدبية، التى تعتمد على التجسيد ودفع الصورة، لتشير إلى المعانى المجردة فى رسم وتوصيف الواقع، وتقديم الوجوه المتناقضة والمتشابكة فى إطار الفن، عندئذ تصبح جوانب التعبير ممتدة لتشمل مع الوصف والرسم دلالات موضوعية، كالسخرية من الواقع والنقد الاجتماعى، والاعتماد على العرف النفسى فى قياس الظواهر حتى لايكون العرض قابلا للتحليل السيكولوجى التقليدى، أو الملاحظة النفسية، ومع كل ذلك التأكيد على الجانب الإبداعى فإن الغريزة النفسية تحتل حضورا واضحا فى النص وصوره الكلية والجزئية .
ومن بين الحقيقة الواقعية والوظيفة الإبداعية تبدو تجربة الكاتب النفسى وميله الغريزى فى حشد النص ورصد الوقائع الاجتماعية بكل تعقيداتها وتداخلتها، وإن أدى ذلك إلى تقديم الحياة الواقعية كما هى، ولايبدو الكاتب هنا مضطرا لانتخاب المواقف بقدر ماهو مدفوع لاقتناص اللحظة والصورة الموضوعية التى تكتنز بما يراه مناسبا لعرض الفكرة والقضية التى يرصدها ويترجم ملامحها ويبحث عن توصيف لها فى الواقع، وهو هنا لايهتم كثيرا بتفاصيل اللحظة وما فيها من أمور قد تبدو غير جديرة بالتسجيل والتعبير من وجهة نظر البعض لكنها تمثل وجهة نظره هو وفلسفته فى التمثيل وتخيل الحياة، وبعث أدواتها فى منطقية تتوافق مع إمكاناته وميله النفسى والوجدانى فى رؤية أكثر المعالم والمواقف تأثيرا وانتشارا فى المجتمع، وتحقيقا لمراقبة عملية التحول وانطلاق الشخصية نحو تأكيد الإشكالية أو الخروج من الأزمة .
وهنا يصبح النص تجربة مهيأة لاستقراء الحياة الخارجية وتقديم وجهات النظر ورؤية الصورة العامة من عدة زوايا أهمها مرحلة التطور والقدرة على المتابعة والرصد وطرق القضايا والأفكار من منظور خاص يحتوى فى طياته على المعالجة والمناقشة الضمنية لهذه القضايا، التى تمثل عقبات تقف حائلا ضد تطور الفرد وانتقال الواقع من وجهة نظر االقاص الخاصة جدا، إذ ليست بالضرورة أن تكون هذه المبادىء صحيحة وضرورية، حتى لاتتناقض مع العملية الإبداعية الجمالية الفنية والموضوعية .
وفى مجموعة الدكتور أحمد الباسوسى ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” القصصية، نجد تيارات من التعبير تمتزج فيها الواقعية بالرمزية، وتتماوج فيها حركة الواقع، وتتباين الأشكال الفنية المعروفة فى فن القصة القصيرة فى فضاء نفسى مكثف، مما يجعل القصص لاتقوم على اتحاد فى البناء أو الإطار بقدر ماهى متحدة فى اللقطة التى وقفت عندها، ومتوافقة مع بعضها نفسيا من حيث استلهام الفكرة ومناقشة الدلالة وطرح المتناقضات السلوكية فى المجتمع الإنسانى .
وفى هذا التوصيف نقف على مجموعة من الحقائق تتعلق بسيكولوجية الإبداع لدى القاص أحمد الباسوسى الذى يندفع اندفاعا حول مناقشة القضايا والظواهر الإنسانية والنفسية بطريقة القصة القصيرة، ومرواغاتها العديدة بحكم اختصاصه وتبحره فى مجال علم النفس طبيبا، وأستاذا، وإنسانا يحمل هموم واقعه وجيله، وكان الفن وسيلته فى تفسير الواقع والتنفيس عن ذاته وتمثلها فى مواقف انعكست قصا فى حكايات وموضوعات تبدو للناظر أنها صورا سريعة ولقطات كاريكاتورية لكنها عميقة فى معناها، تحمل انفعالات وعلاقات متشابكة ومتداخلة للمجتمع والبيئة التى أنتجتها .
من ملامح الإبداع لدى القاص أحمد الباسوسى، النمط الوجدانى الذى يغلف نصوصه ويجعل الرؤية ممتزجة بعملية التأثير والاندماج فى الحدث والصورة المشهدية التى يطرحها، واختياراته التى تنم عن تعلق شديد بالواقع والتغلغل فى مشاهده، ثم الفضاء النفسى الذى يهيمن على شخصيته وينعكس فى سخريته أحيانا وفى تركيبه للمشهد والصورة من حيث التداخل بين الحدث والفكرة وصولا إلى حالة نقدية اجتماعية تعلن الرفض أو التأثير بالمشاعر، وقد أدى ذلك إلى وجود عدة حقائق تتعلق بالعملية الإبداعية وسيكولوجية التعبير منها :
أولا : اهتمامه بالشكل والإطار المكثف جدا والذى يجعل النص ينحسر فى فقرة أو فقرتين لاتتجاوز السطور القليلة .
ثانيا : اهتمامه بالصورة المتحركة ظاهريا الثابتة ضمنيا .
ثالثا : اقتناصه لحظة القص واشتباكه مع النفس بعيدا عن صخب العقل، فلا يملك القارىء أن يغادر الصورة محررا من عملية التأثير بسبب قوة الملاحظة .
رابعا : قدرته فى إنشاء التداخل بين الصور الجزئية الشخصية والواقعية والرمزية .
وفى ذلك قدرة على الاختيار والالتقاط وتمييز الأفكار التى يستوعبها المتلقى والتحكم فى درجة التواصل مع جمهور القراء، والانفعال الذاتى مع الصور الحكائية، وتعيين أسس الجمال كوجهة نظر خاصة لاتنفصل عن العملية الإبداعية وسيكولوجية النفس لدى الكاتب، والتى تميزه من ناحية الذوق الأدبى، والعرف الذى نشأ فى كنفه حتى تشكلت ثقافته الذاتية وقدراته النفسية .
العنوان :
وعند ملاحظة العنوان ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” نجد أن الدلالة لاتقف عند الوظيفة الأولى فى العنوان والمتعلقة بالإشارة إلى النصوص القصصية فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى حالة تأثيرية أخرى تتعين فى الصدق وفى فطرة الطرح حيث تطلق كلمة ” ترتيل” عند أهمية المرتل وفى حالة التوضيح بغير انحراف مع طلاقة المحكى عنه والذى يمثله الواقع، ثم تأتى بقية العنوان لترمز إلى نوعية القص شكلا ومضمونا حيث تشير الدلالة فى ” حكاوى ” إلى النمط الشعبى واستلهام العرف، وتمثل كلمة ” قصيرة ” الشكل الفنى الذى يستوعب هذه النصوص، والتأكيد على هذه الحالة المتجسد فى الحقيقة التأثيرية لكلمة ” للغاية ” ويرمز ذلك إلى الإطار الفنى والموضوعية .
وهذا يؤكد أننا أمام مراوغة إبداعية تتشكل من ثبات النفس وتوجيه الوعى نحو الفطرة الواقعية، وتوجيه القارىء إلى أنماط حقيقية واقعية مركبة تركيبا تصويريا رمزيا بقصد التأثير ونقل المعنى النفسى كسيكولوجية عامة، ولعل حالة الثبات التى تجسدت من خلال الصياغة الاسمية للجملة والدلالة الخبرية ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” توضح ذلك، ولم تكن العناوين الداخلية بعيدة عن هذه الصياغة حيث وردت معظمها فى كلمة واحدة، وفى إشارة رمزية أوعلامة رقمية، أوعملية حسابية، وبعضها ورد فى جملة قصيرة، وقد غلفتها حالة الاسمية والدلالة المعنوية، بعيدا عن الحركة أو الفعل، مثل : ضحى- مؤتمر – غضب – الشص- وفاة – اغتصاب – الكرة – 3×3 – انتخابات – تراتيل ..”، ومنها ما جاء فى جملة مثل : نافذة مطلة على البحر – أيام الحصار – عاد ومضى..” كل ذلك يوحى بأن الدلالة النفسية وحقائق التعبير لدى الكاتب تتلخص فى الناحية الفنية ذات الشكل والإطار القصير، وأن حالة الثبات والاعتماد على التصوير النفسى يعد سيكولوجية اعتمد عليها الكاتب فى قراءة الواقع وترجمته فى نصوص قصصية، وحقائق إبداعية وفنية قامت عليها الفكرة التعبيرية، وهى لاتبعد عن كونها تعبر عن نظام نفسى اجتماعى ” سيكوسوسيولوجى”، وإن كان الكاتب قد تجاوزه موضوعيا فى أحيان ليست بالقليلة، وذلك عندما لجأ إلى السخرية وعرض شرائح مجتمعية متباينة فى البيئة والعرف والمكان فى دلالات رمزية إسقاطية .
ولأن الواقع والطبيعة حقائق لايمكن أن يتجاوزها الفنان فإن الانطباع الذهنى غالبا ما يتوافق مع ما يقرره العرف فى هذا الواقع، وهذا ما ينعكس أثره على العملية الانطباعية والجمالية التى تعد مخزونا نفسيا تتشكل منه الدلالة السيكولوجية، يستحضرها الفنان تلقائيا عند استظهاره للواقع مما يجعلها ركيزة هامة فى استلهام القضايا والأفكار الإنسانية والرمزية، وهذا يؤكد على أهمية البحث فى فن القصة عند الكاتب الدكتور أحمد الباسوسى من خلال الحقائق تم رصدها فى رسم الملامح الإبداعية لديه من ذلك :
أولا :_
الشكل والإطار :
اعتمد الدكتور أحمد الباسوسى فى كتابته القصصية فى مجموعة ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” على الشكل الفنى المكثف الذى لايتجاوز مساحته صفحة أو صفحتين، وأحيانا فقرة أوفقرتين قصيرتين للغاية، ولم يبسط رقعة الوصف والسرد إلا فى قصص قليلة محدودة للغاية، وهذا يفتح مجالا للنقاش حول الفن ونوعية الجنس والقالب الذى اعتمد عليه ( القصة – والأقصوصة) وبعيدا عن الاشتباك والتداخل الفنى والإغراق فى تحقيق المصطلحات، فإن أهم ما يجب أن نقف عليه هنا هو مساحة التأويل، وتركيب الصورة الفنية، ومحتويات السرد بناء على الوظيفة الرمزية والبنائية، ومن ثم الوصول إلى بلاغة النص، وعملية التناول والسمة الفنية والتعبيرية التى تعينت فى دلالة الإيجاز فى العرض، وتحقيق العلاقة الموضوعية بين الواقع بأنماطه، وسيكولوجية التعبير، والقدرة النفسية والوجدانية للنص فى استيعاب الواقع بطريقة عقلية، حدد لها إطارا يسمح بتكثيف الصورة وشحن العاطفة والتأثير النفسى، فكانت الومضة القصصية برمزيتها وقوة تأثيرها هى الإطار الذى يغلب على السمة الشكلية فى معظم قصص المجموعة، وتتميز الومضة القصصية بتكثيف الدلالة والتعبير والتركيز عن طريق الصورة المركبة والجزئية، والبيان الأسلوبى ودوران المعنى حول معانى عديدة ومركبة .
ويمكن تعزية ذلك إلى الطبيعة النفسية للكاتب وتحليل السلوك والنمط الوجدانى فى تناوله للأفكار السياسية والاجتماعية، ومن ثم توسيع رقعة القراءة والتأثير المباشر فى الملتقى، بعيدا عن الإطالة والحشد، وإمعانا فى تصوير اللحظات والمواقف النقدية والاجتماعية الساخرة فى حياة المجتمع والأشخاص، وتقديم الإشكاليات والوقائع من منظور فنى وإنسانى يجمع بين جماليات الفن ودقة التعبير، ووظيفة القص فى شكله التكثيفى والرمزى، عندما يكون ترتيلا وحكايات قصصية تومىء بدلالات النفس وتستظهر الواقع فى أنماطه وأشكاله المختلفة، كحالة تعبيرية سلوكية تشير إلى النمط الكتابى وإلى النمط الواقعى .
ويمكن ملاحظة سيطرت هذا الشكل القصير ” الومضة ” على أكثر من نصف عدد القصص التى وردت فى المجموعة وهى : قصص ” ضحى- مؤتمر – كلام- غضب – يوم حار – الشص- وفاة – نافذة مطلة على البحر- اغتصاب- الكرة – 3×3 – دعوة- أجازة ..” وجاءت بقية القصص فى نمط تعبيرى يبدو أكثر رحابة وانطلاقا نحو تأكيد البعد الأخر من الكتابة القصصية المطولة، رغم أنه لم يتجاوز المألوف والغالب لدى الكاتب إلا فى قصص قليلة هى: ” انتخابات – انتظار- المتخصص ” والتى تعد طويلة نسبيا بعضها تجاوز عدة صفحات وتخطى نمط الشكل التعبيرى الذى اتسمت به المجموعة، والبعض الأخر تباينت صفحاته مابين صفحتين أو ثلاثة تقريبا، بينما تخطت بقية القصص القصر المعهود فى المجموعة وهى : أيام الحصار – رحلة – تراتيل – عاد ومضى – عيون – العنوان ” .
مما يؤكد أننا أمام ثلاث حالات من التعبير تمثل سلوكا فنيا فى المجموعة يقترب فى موضوعيته من توصيف التجربة، ومعرفة أسرارها والسمة التكوينية الغالبة على محيطها . الحالة الأولى :
وهى القصص القصيرة شكلا وتعبيريا المكتنزة بالتصوير وما يمكن أن يطلق عليها الومضة القصيرة أو القصة الصورة، التى تنطلق كالشهب والبرق اللامع، لتؤدى وظيفة تصويرية مركبة فى فضاء نفسى يعكس طبيعة التعبير وسماته لدى الكاتب، ويمكن الوقوف على النماذج التالية التى تمثل الومضة :
1- مؤتمر :
صباح الخير.. كدت أقولها عندما مرت أمامي خاطفة بصرها نحوي .. والطريق بسرعة لعلها ردت؟.. جميلة جدا كانت .. رائعة في حشد المتأنقين الملتمعين مضت وكدت أنساها في زحام ردهة قصر الضيافة حيث المؤتمر السنوي .. كانت تجلس أمامي.. منتبهة .. مهتمة..ترفع ساقا فوق ساق .. يلتمع بياض فخذها الأيمن بعنف .. في نهاية الجلسة ووسط الزحام زاحمتني .. أطلقت شرارة التحية .. ومضت..ولم أمضِ . (1)
2- غضب :
كنت أمر كل يوم من هذا الشارع وكان يقف كل يوم منتصب الهامة . مفرود الصدر ينظر نحوي بغضب وكان الشارع ملئ بالحجارة والحفر . وموظفو الوحدة المحلية يتعقبون رجلا خالف الأمر العسكري وأضاف طابقا فوق طابق . وكان الرجل الوسيم الغاضب يفرد صحيفته ويلعن دون صوت مروري المتكرر بلا اكتراث أوغضب.(2)
3- نافذة مطلة على البحر :
من النافذة المطلة على البحر يتسرب ضؤ ودخان كثيف.. تحت النافذة المطلة على البحر يجلس رجل اسمر البشرة، أجعد الشعر، أفطس الأنف القرفصاء يستجدي المارة في الطريق.. خلف النافذة المطلة على البحر تتمدد امرأة بدينة بقميص النوم تعب كؤوس الخمرة والرجال … أمام النافذة المطلة على البحر قارب صيد يمخر العباب، فيه امرأتان ورجل وطفل صغير يعبث بأشياء في يده.. فوق النافذة المطلة على البحر جثة رجل متعفنة، وباب موصد بالمزلاج، ودولاب مبعثرة محتوياته، وذباب كثير.. ينهض الرجل المتسول.. يتفحص المارة جيدا.. ينظر في اتجاه موضع النافذة المطلة على البحر.. يرفع حجرا كبيرا بين يديه.. يضعه بتؤدة تحت النافذة المطلة على البحر.. يجلس عليه في استرخاء شديد للغاية . (3)
فى النموزج الأول : ” مؤتمر” نجد دقة الوصف للحالة الشعورية التى ارتبطت بتقديم المتخيل النفسى فى صورة من صوره الخاصة جمعت بين تعيين المشهد العام وتخصصيه فى المراقبة والتصوير والانتهاء بشخصية قد ترمز إلى أشياء عامة ونمط واقعى .
وفى النموزج الثانى : ” غضب ” تتسع الرؤية لتقدم حالة من المتابعة الخارجية وحالة إدارية تجتمع فيها السياسة بالاجتماع بالإدارة كحالة ونمط واقعى يسجل السلبية ويرمز لمراقبة الواقع بطريقة تسجيلية والمشهد يدور فى فلك التصوير وفى رمزية التعبير .
وفى النموزج الثالث: ” نافذة مطلة على البحر” تنتقل الدلالة الوصفية من المراقبة المحدودة بحدود المشاهدة إلى المراقبة والتدخل فى مواجهة مركبات الصورة والمشهد، وهى تسجل حالة من التعرية الاجتماعية والإنسانية، فى صورة متناقضات مختلفة فى التأويل متحدة فى الرمز والتوجيه السلوكى للواقع والمجتمع والكاتب فى وصفه .
والمتأمل فى تطور الرؤية فى المشاهد الثلاثة يجد أن الومضة القصصية لدى الكاتب تقوم على الرصد والنقد الواقعى الاجتماعى فى مناحى مختلفة سياسية واجتماعية واقتصادية، تقوم على الوصف الحسى المادى، وتعكس الدلالة الشعورية، فتقدم نمط الواقع وفى نفس الوقت تعكس سيكولوجية التعبير لدى القاص، وتصف كثيرا من جماليات الصورة لديه، والتى يمكن تخصيصها فى الرمز وفى التوجيه النفسى وفى تحديد الفروق الفردية فى بنية الواقع، ورغم اختصار الجمل والاعتماد على الوصف الخارجى واللجوء إلى الزمن الماضى والمضارع، بواسطة الأفعال الصريحة ” كان” والحالة الآنية المستقبلية التى ترتكز فى الزمن المضارع، وفى الأفعال المستخدمة، إلا أن الشعور وحالة التأمل والتأثر بالمتابعة والمراقبة الذاتية والخارجية، تبدو من المعالم النفسية والسيكولوجية فى الصورة وفى نمط التعبير لدى الكاتب، وذلك لاتساع طاقة الحكى زمنيا ونفسيا، وتلك حالة وجدانية تعكس فى طياتها شعورا بالوحدة وحالة من الغضب وعدم الرضا، وفى نفس الوقت تختزل كثيرا من رحلة التعبير، ومن حالة التكثيف للواقع فى دلالات تعبيرية وصفية بالدرجة الأولى، وجاء المكان هنا عاما لكنه تحدد فى قاعة المؤتمر، وفى الشارع، وفى شقة مطلة على البحر، وهذا يجعل التأويل مركبا من التشخيص الذى يناسب الوصف ومن النقد النفسى والاجتماعى الذى يواكب حالة الكثيف التى تعد من سمات الومضة .
الحالة الثانية :
ويمثلها القصص ” انتخابات – انتظار- المتخصص” وهى نصوص قصصية قصيرة من النوع الثانى الذى ضمته المجموعة ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” وتقوم الدلالة فى هذه القصص على تقديم القضايا والإشكاليات المختلفة من خلال طرح تناقضات عامة وأشخاص لاتمثل نفسها بقدر ما ترمز لحالة من الشتات والانفلات الاجتماعى والنفسى والسياسى، فمثلا قصة “انتخابات” تطرح مشكلة سياسية وحالة رمزية ونمط اجتماعى لا يقف عند الموقف الشخصى فقط وإنما يتجاوز النمط التقليدى ويطرح الوجه السياسى، فى إشارة رمزية لعملية الانتخابات سلبا ومحاولة جمع الدلالات العامة فى بؤرة تصويرية واحدة تتركز أثارها على الشخصية موضع الحكى، يقول القاص فى قصته ” انتخابات” :
مضى وقت طويل على بداية الأزمة.. وكان اسمي ورسمي معلقين على الجدران .. ضائعين بين الآلاف الأسماء والصور الممسوخة..الآن في هذا الزمن استطيع أن اعلن على الملأ مولدي القادم من خلف كل الجدران المتسخة بالأسماء والرسوم ..الساعة ألان الواحدة بعد الظهر.. والمقهى في منتصف النهار حافل.. ومذيعة التلفيزيون صفاء حجازي لم تتوقف عن سرد إنباء الحروب والكوارث من عينيها الجميلتين ..وكنت قادما من وسط الظهيرة قاصدا مظلة صغيرة ومن خلفي سيارات تفر وضوضاء .. اتسعت عيناي لما تجاوزت صاحب المقهى “الرجل الفيل” .. الجاثم في الصدارة وماسح الأحذية الألعبان ..ونظارة العجوز السميكة المعلقة في وجهه منذ نصف قرن .. جاء عامل المقهى في ظروف صعبة.. عرض عليا أشياؤه.. وعرضت عليه اسمي.. راح يتلفت يميني.. وخلفي.. وضاع وسط زحام الأغبرة والدخان وظهيرة أغسطس.. هذه الطاولة.. وهذا أنا.. وعروض عامل المقهى لم تستفزني … صوب الرجل الفيل أعلنت اسمي..هذا أنا.. وهذه الأسماء من حولي على الجدران صغيرة.. أعلنت فوزي وهم الخاسرون.. تقدم نحوي رجل اعرفه.. قدم نفسه وأنا اعرفه.. شرح لي ظروفه وأنا اعرفها.. جاء صوت أم كلثوم قويا من مذياع قديم وضعوه جوارالنصبة,, وكان عامل المقهى يتمايل …قال لي الرجل الذي اعرفه “الانتخابات جاءت ومضت “.. كان يتكلم بجدية بالغة.. قال “مازالوا يذيعون أم كلثوم.. رجال البلدية متكاسلون في محو الأسماء وغسل الجدران .. لقد لعبوا لصالح رجالهم.. لا بأس هارد لك “.. انتهت المذيعة من سرد الوقائع الكاملة لمذابح رواندا.. واغتيال الرئيس.. والرجل ما زال يجلس أمامي ينز عرقا وانفعالا.. لم يكن أمامي من شيء سوى إمعان النظر في الصورة المعلقة للرجل الفيل وسؤاله كيف يجرؤعلى شطب اسمي من سجل الفائزين..تاهت قدماي.. ورنات فشاط الطاولة الأسود تتبعني بلا يأس كأنها تقول لي”حبستك في خانة اليك”(4)
فى هذا النص حاول الكاتب حشد وجمع أطراف عديدة فى الصورة الكلية وتقريب الأحداث ووضعها فى بؤرة تصويرية واحدة وربط بعضها ببعض، وصولا إلى حالة تأكيدية لشمولية الفساد وانتشاره محليا ودوليا، وقد اتسعت مساحة التأويل وانفتح النص على على أفكار مختلفة عديدة، مما يؤكد أن القصة القصيرة تختلف فى درجة تكثيفها ويتسع فضائها ليشمل مجموعة من الاتجاهات الاجتماعية والنفسية .
وفى قصة ” انتظار” تنتقل الدلالة من العموم إلى الخصوص وطرق قضية المخدرات وانعكاساتها على الشخصية ومناقشة الإدمان، فى صورة عامة لاتقف عند تحليل الشخصية وإنما تبدو ملاحظتها من الأثر النفسى العام على الأشياء والأشخاص، والناتج من ذلك الانحراف النفسى والإنسانى يقول الكاتب :
كانت العيون حائرة.. قلقة.. أنهكها السير والتجوال طوال الليل.. تمسح الأرصفة والشارع وزجاج السيارات الواقفة قبالة الرصيف أو التي تفر بحثا عن قادم من الجهة الأخرى يعيد لها الحياة.. كل شيء كان يرتعش.. ينهار.. والناس والأطفال قبالته يتغيرون بسرعة مدهشة داخل متجر لعب الأطفال الكبير القابع بالقرب من الميدان ويواجه تلك العيون الحائرة القلقة.. والرصيف الممتد الجامد واليد التي ترتعش..الوجنتان تنزان عرقا.. الركبتان متخلخلتان.. ودخان السيجارة اللعين ماعاد يضرب في النافوخ ..وهؤلاء الصبية العفاريت كيف يروحون ويجيئون داخل المتجر بهذه الخفة والحيوية؟؟ ومازالت العيون ترقب مثل كشافات ضؤ تمسح الرصيف والشارع في منتصف النهار.. وما زال المؤذن يستعد لإقامة آذان الظهر.. ومازال القادم من الجهة الأخرى لم يظهر بعد.. الزمن ممطوط..”وقطعة” المخدر اللعينة تكاد تفتك بعظامه.. وما زال الأطفال يمرحون بخفة داخل متجر لعب الأطفال الكبير.. الرصيف جامد.. العيون تحجرت.. ما عادت تدور.. صوت المؤذن اخترق كل شيء..عظم الجمجمة.. والركبتين الخربتين.. والأحشاء.. ومرح الأطفال.. والواجهة الزجاجية الكبيرة لمتجر لعب الأطفال.. والسيارات الرابضة جوار الرصيف.. والسيارات التي تفرفي الشارع.. والقادم من الجهة الأخرى لم يظهر بعد.. ظلت السيجارة الأخيرة تسري بسرعة بين أصابعه المتيبسة.. وظل الناس من حوله يتحركون بعشوائية في اتجاه المسجد وأماكن أخرى.. وظلت الشمس تضرب بسياطها هذا الجسد النحيل المتخشب الواقف قبالة سيارته المازدا القديمة يرقب شيئا لا يأتي.. وبقايا السيجارة تزحف نحو الجلد الناشف.. هدأت حركة الميدان الواسع لما سمع صوت الإقامة للصلاة.. وغلقت الشمس إشعاعاتها.. ومن بعيد جدا التقطت الأذن صوت حركة ليست عادية.. إذ هتكت سيارة شرطه صمت الميدان في هذه اللحظة القصيرة جدا من الزمن.. نزل منها ثلاثة رجال.. أطبقوا بسرعة على شخص لم تبين ملامحه بسهولة ووضعوه في السيارة وفروا بسرعة.. التقطت العيون المتحجرة هذه اللقطة العابرة فأدركت إن السيجارة مرقت في اللحم.. وأن الميدان خال تماما.. وأن متجر لعب الأطفال مغلق للصلاة.. وأن القادم من الجهة الأخرى ما عاد يجيء .. وأن العظام والجسد النحيل ما عاد يتحمل المزيد . (5)
فى هذه القصة نلاحظ اتفاق الوصف مع الحالة النفسية والسلوكية التى عليها الواقع، ونجد تطور الصورة وانتقالها عبر النص، لترسم لوحة واقعية لمجتمع يبدو متمزقا أو متناثرا فى اتجاهات مختلفة، وتقترب فيها الدلالة من التأمل والغوص فى الوصف والملاحظة الدقيقة، والاهتمام بحالة التأثير الوجدانية كنمط تعبيرى للواقع وحالاته المختلفة،
وفى قصة ” المتخصص” يتجاوز الكاتب الواقعية المألوفة ويحلق بنا فى تفاصيل دقيقة من الحياة فى طرحها وفى إشكالياتها، من خلال سرد وقائع داخل عربة أتوبيس، تعكس رمزية حقيقية لواقع مهترىء ممزق تعصف به أمراض اجتماعية وإنسانية عدة، يقول الكاتب فى قصته المتخصص :
عندما تلقى الصفعة القوية على قفاه لم يلتفت خلفه.. واصل اندفاعه وسط الكتل المحشورة في مرونة مستغلا جسده المطاطي النحيل في المرور عبرالثغرات الضيقة للغاية التي تخصص في العبور منها وسط ذهول الجميع،ورميهم له باللعنات فوق رأسه بمجرد أن يمرق مثل السهم خلال تلك الكتل البشرية غير عابئ بالصفعات واللكمات والسب والزجر الذي ينهال عليه من الخلف.. هدفه الوحيد فقط الوصول إلى مقدمة الأتوبيس لينحشر بالقرب من السائق حتى ولو كلفه ذلك حياته.. تمكن أخيرا من الاختراق.. أنفاسه تتلاحق.. وأزرار قميصه الأبيض انفك معظمها.. وظهرت فانلته البيضاء المتسخة بوضوح..”لوسمحت تكاد تكفيني فوق الست.. خف نفسك”..هكذا قال له الأصلع البدين.. لكنه لم يعبأ بما قاله بل ردد في نفسه وهو يحاول المرور”لا ادري لماذا يتركون أنفسهم يسمنون بهذه الطريقة.. اثنين مثله وينفجر الأتوبيس من الركاب.. الحمد لله لا يوجد اليوم سوى واحد فقط “.. زادت حدة الصوت وخشونته “بقولك لوسمحت سوف أسقط فوق المرأة.. إنها تتألم”.. صرخة نسائية غير متوقعة ” آه..أه.. حاسب ها اتفعص”.. الأصلع البدين يقاوم بشدة لينتصب دون جدوى.. فتخرج كلماته بصعوبة واستجداء” لوسمحت الست تتألم “.. قال له بلامبالاة أوبحكم المعتاد ” لحظة واحدة سأمر من هذا المكان”.. مال بجذعه إلى الخلف قليلا.. احتج من احتج من المحشورين إلى جواره.. قذف نفسه كما يفعل عادة في كل مرة ليعبرمن هذا الأصلع البدين.. ولكن لم تكلل المحاولة بالنجاح.. صرخة نسائية مدوية انفجرت فجأة.. صرخة رجالي خافتة.. مال بجذعه إلى الخلف مرة ثانية.. فاستحق صفعة قوية حولت قفاه الأبيض الناصع إلى اللون الأحمر الدموي.. قال في نفسه”لا بأس المهم الآن أن أعبرهذا المانع الحصين.. قذف نفسه مرة أخرى كما يفعل عادة.. فارتد إلى الخلف.. نال صفعة أخرى على قفاه وسب ولطملا يستطيع تحديد مصدره.. كل ما أدركه إن الرجل البدين لم تتحمل تقويسه جذعه المحاولة الأخيرة الفاشلة فسقط بكتلته الهائلة فوق المرأة المحشورة في الكرسي من الجانب الأيسر للأتوبيس.. لم تصرخ المرأة هذه المرة.. لكن الأصلع هو الذي صرخ عندما شاهد المرأة الشاحبة فاقدة الوعي.. تهللت أساريره وقال لنفسه” الآن استطيع المروق.. فتحت ثغرة أخيرا في الهضبة المقوسة.. يمكنني أن أمرق الآن “.. لم يكن هناك داع لأن يثني جذعه إلى الخلف حتى ينال صفعات أخرى.. استجمع كل قوته وكل ثقله ليعبر.. وفي جزء من الثانية كان قد تجاوز الرجل البدين المنكفئ فوق الكرسي .. لكن هذه المرة كان البدين قد ارتمى تماما في حضن المرأة فاقدة الوعي وملقاة على الكرسي.. لحظات مرت حين تسمع بعدها أصوات لم يهتم لتبيان مصدرها “حالة إغماء ” “افتحوا الشباك” ” معصلج لا نستطيع فتحه” ” شوية هواء حرام عليكم باين عليها حامل ” قال الرجل البدين مشفقا ومتألما” زمان الواد مات ” (6) .
هذا النص من النصوص الصاعدة والنامية التى تطرح القضايا فى إطار عرض الفكرة ثم تتوالى الدلالات فى صعود مستمر بداية من تأكيد السلوك مقرونا بالحالة العامة مرورا بعمليات التركيب للصورة وانتهاء بأزمات نفسية وجدانية وإنسانية دقيقة، مما يدل على أن عملية النمو والصعود جاءت فنية دقيقة تطرح القضية مقرونة بفنية التعبير تأكيدا لحالة الواقعية التى تفسر كثيرا من آليات النص، ولاتقف عند التقليد والمحاكاة، وتوضح عملية التأثير النفسى كسيكولوجية إبداعية، ولعل متابعة الشخصية وأحداث الصفعة وشرح تفاصيل المشهد ممتزجا بدقة التأثير يوضح كثيرا من ذلك ويكشف عن أنماط التعبير لدى الكاتب ويفتح مجالا لتأويل الصورة فى اتجاهات مختلفة .
والملاحظ أن هذه النصوص الثلاثة ” انتخابات – انتظار- المتخصص” تعكس قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية قامت على تأمل الواقع ورسم ملامحه من خلال الشخصية كركن أساسى فى فهم الصراع وتوضيح دينامية الحياة، وهى تعتمد على خاصية البناء المتنامى، الذى يطرح الدلالة من خلال ركن عام من أركان القصة، هو هنا بجانب الشخصية وأهميتها يمكن حصره فى عملية الوصف الدقيق وقد جمع الوصف بين طرح الشخصية وتأكيد نزعة التأمل فجاءت الأوصاف الخاصة ممتزجة بالأوصاف العامة، وجاءت الشخصية نتيجة نفسية، وأثرا لواقع متهاوٍ، مما جعلها حقيقة مجتمعية عامة، وفى نفس الوقت تمثل نبض الواقع ونمطيته، وتوضح طريقة الكاتب فى التعبير .
وفى جانب أخر تمثل هذه النصوص حالة الصعود الفنية من الأقصوصة للقصة ومن اللقطة السريعة المباشرة إلى الصورة الكلية العامة، والمتابع لبداية النص ونهايته وما بين ذلك من تصوير ووصف يمكنه أن يسجل العديد من اللقطات ومن الدلالات الرمزية، التى تزخر بها الصورة والنص وذلك فى لحظات من الوعى النفسى والتأمل الناضج الذى يقدم الكاتب من وجهة النظر ومن حالة التعبير وسيكولجية القص .
وعند مراقبة الفضاء النصى نجد أن المكان له دلالته فى هذه النصوص الثلاثة حيث يمثل رحلة من البحث فى جدلية الواقع بداية من ” الشارع – والمقهى – والميدان ” وانتهاء بالمكان المتحرك غير الثابت والذى يرمز له ب ” الأتوبيس”، واقتناص هذه الدلالات المكانية وعدم الدخول فى تفاصيل خاصة بتأثير المكان وتوحد المشهد والعناصر ” الشخصية – المكان – اللغة- الزمان ” فى نسيج إبداعى واحد يعد سمة تتميز بها هذه النصوص حيث لاتستطيع فصل عنصر عن أخر، وقد ربطت الصورة بين عناصر القص فكانت القضية هى النتيجة ممثلة فى الشخصية، وكانت النزعة التأملية فى الوصف درجة من درجات التعبير، انعكس أثرها فى تحديد السيكولوجية الخاصة بالكاتب، وتقديم ملامح الواقع فى أنماط بشرية تحمل قضايا وسلوكا إنسانيا نقديا، لايبعد عن تداعى المجتمع وترديه فى حالة السقوط اللامتناهى فى قضايا الجهل والظلم والفساد، وفقر الفكر المجتمعى وتخلفه .
كل هذا يؤدى إلى طبيعة التعبير لدى الكاتب واعتماده من خلال الوصف والتأمل النفسى الدقيق لرسم الصورة وإحداث حالة من التأثير النفسى والوجدانى عن طريق الرسم وتتبع حالة الواقع وأشخاصه فى تفاوت متقن وفى لحظات مقصودة .
الحالة الثالثة :
الحالة التعبيرية الثالثة يمثلها قصص ” أيام الحصار – رحلة – تراتيل – عاد ومضى – عيون – العنوان ” وفى هذه القصص نلاحظ اكتمال النضج الفنى واستواء الشكل وبلوغه مرحلة من التجويد والموضوعية، ليس على مستوى التصوير والالتقاط فقط وإنما يتضمن حالة من المعالجة والاقتراب كثيرا من خصوصية الواقع فى نمطه الشعبى، وتوظيف الفلكلور الساخر بطريقة وجدانية نفسية تعكس مدى السخرية وجلد النفس، وتترجم المعاناة الحقيقية فى الحياة العامة، بعيدا عن التخصص التطبيقى أو النمط الفردى الدقيق للواقع، وهذا يجعل من هذه القصص دورة تعبيرية واحدة لاتنفصل عن بعضها، ويطرح فكرة الشكل وأثره فى البناء الفنى، والمضمون وعلاقته بالشكل فى حالة المعالجة الموضوعية والتركيبة الفنية التصويرية، والصلة الحتمية بين النفس والواقع الإنسانى، ولعل عملية الانتهاء بهذه القصص من ناحية التكنيك والنوعية وعملية التوظيف فى بناء الوحدة الموضوعية وفى ترتيب المجموعة يوضح كثيرا من عملية التدرج لدى الكاتب، ووعيه بعملية التنسيق ووحدة المجموعة انطلاقا من وحدة النص، واستنادا لجماليات التعبير، وهذا وحده يعد سيكولوجية خاصة تتعلق بطبيعة الكاتب والتجربة، ويعد نمطا فنيا واعيا .
وسأقف أمام قصة ” تراتيل” كنموزج لهذا الوعى الفنى والموضوعى، نظرا لما تتضمنه من تنوع فى السرد، وقربا من الفلكور الحكائى الشعبى، وذلك على غرار الحكى البصرى، التأريخى الذى لايقف عند القص فقط وإنما يتجاوز ذلك ليعكس حالة مجتمعية مركبة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، ويوضح دلالات القهر فى المجتمعات المغلوبة على أمرها، وقدرة الكاتب فى الجمع بين السخرية والتعبير النفسى والانطلاق نحو تأكيد الدلالة الواقعية فى ثوبها ونمطها الاجتماعى النفسى، ولعل عملية العرض للنص تكشف عن ذلك يقول الكاتب فى نصه ” تراتيل ” :
(1) – ما من مخلوق يسير في الشارع محني الظهر أومرفوع الهامة إلا وقد سلب قفاه.. والمزاعم كثيرة.. والدوافع أكثر.. والخلاص الوحيد أن يتهيأ الناس لهذه العملية لتصبح فيما بعد عادة ..فالمسالة حتى الآن لم تتعد طور التجريب.. وهاهم الناس يسيرون في جماعات كالقطعان المتكاسلة ليضرب كل منهم (حسب دوره)على قفاه..ويكون بذلك استحوذ على تصريح بالمرور في الشارع الرئيسي.. وعندالعودة تمارس نفس الطقوس ليحصلون على تصاريح الإيواء للمنازل وأحضان النساء..هذا ما صرح به زعيم الأجلاف للصحافةوالقنوات الفضائية التليفزيونية بعد تجربة يومين اثنين .
ردود الأفعال الأولية عادة تكون مشجعة على التوقع بان استمرارية الفعل قد تتحول لا حقا إلى ضرورة ملحة.. وحسب توقعات الأجلاف اللذين يسدون بوابة الحارة إن الأمر ممكن أن يتحول إلى شبه إدمان.. وارتبطت مزاعمهم بالكثير من الأدلة.. بيد أن زعيمهم الذي يئن الكرسي تحت مقعدته المهولة يقول “إننا ما زلنا نجرب ولا نريد أن نغالي في مسألة التفاؤل .
(2) – بائع الحواديت في الحارة يرتل في حضرة الأجلاف وزعيمهم مثل المعتاد ويقول ” وعندما مرت قافلة العجائز المغلفة بالسواد تلكأت قليلا أمام النصب الكبير المزروع وسط الصحراء .. رأسه بالغة الارتفاع حتى لتكاد تختفي في السحاب .. مدببة يقولون إن كل إنسان جلس على هذه الرأس المدببة منذ بداية الخليقة.. لكن الصياد المحنك لم يتمكن من صيد قافلة العجائز.. وهكذا مرت القافلة بسلام حتى وصلت لمكان فيه نهر يجري وشجر وجثث من القتلى تغطي الأرض.. وهنا تحسر الصياد على انفلات الصيد الثمين.. وأما العجائز وكن جميعهن من النساء القبيحات فقد طفقن يصرخن وينوحن ويخلعن أسمالهم السوداء ويمددن سيقانهن الناشفة في النهر ” .
(3)- طاقة انفتحت من وسط الحارة.. خرج يرفل في نحافته.. متدثرا بفانلة بحمالات..كان منكس الرأس.. فتحت طاقة أخرى في آخر الحارة.. دخل منكس الرأس والقلب.. قابلته امرأة صديقة بالتحضين والتقبيل.. سحبته من يده بسرعة وهو يتعثرفي كراكيب الغرفة وأواني الطبخ المتناثرة على الأرضية..ألقته بجنون على السرير .
(4)- كان قرص الشمس ساقط لتوه.. بدأ الناس يتسربون واحدا تلو الآخر.. وبدأ إيقاع الحركة يهدأ.. يخفت.. يسكن.. وثلاثة من الأجلاف حاصروا بائع الحواديت.. رفعوه على أكتافهم الغليظة ومضوا به إلى الزعيم.. قال له الزعيم وكان شبه مخدر بفعل الحشيش “حكاية العجائز.. اسمعها تاني”.. انكشح دخان كثيف من المداخن الآدمية المعبقة بأرخص أنواع التبع والحشيش.. وأنياب صفراء نخرها السوس.. اتسعت حلقة الأجلاف وهم يكركرون ويزمجرون ويضحكون..” أدرك بائع الحواديت في تلك اللحظة إن العجائز العرايا تركن النهر بعد أن اغتسلن.. وحفروا المقابر.. وطافوا حول جثث المحاربين.. انتقت كل واحدة منهن شابا مليحا خفق له قلبها.. وطفقت تضاجعه بحنان حتى صعدت الشمس وسط السماء.. وأمرتهن بالتوقف ودفن القتلى”.. ازداد إيقاع الكركرة والضحك وناطح أصحاب الأنياب المسوسة بعضهم البعض مثل الخراف قبل أن يسقطون من فوق مقاعدهم.. بائع الحواديت يراقب مثل العادة الطابور الطويل وهو ينفرط في الشارع الرئيسي بعد أن يأخذ كل شخص (حسب دوره) نصيبه من الضرب على القفا.. لكن اليوم غير الأمس..غير أمس الأمس.. إذ مضى نصف النهار والطابور لا ينقص ولا يزيد.. والأجلاف في حيرة من أمرهم وارتباك.. جاء زعيم الأجلاف واصدر تعليمات مشددة قائلا بحدة غير اعتيادية” إن نصيب كل فرد قفا واحد فقط في الذهاب ومثله وقت الإياب.. ومن يضبط متلبسا بمحاولة زيادة نصيبه أكثر من ذلك يحرم بتاتا من الضرب ” .
(5) – في هذه الفترة التي تاهت من ذاكرة التاريخ كانت الأرض ساخنة جدا.. وكانت الحرب قد وضعت أوزارها توا.. تقدمت الجيوش المنتصرة لتسرق الحبوب والماء وتسبي النساء..جمعوا العجائز القبيحات وأطلقوهن في الأرض الواسعة..وما يعلم احد أي الأيام كان السبت وأيها كان الأحد.. لم تسكت الألسنة عن المطاريد في الصحراء.. قالوا إنهن تأمرن على الرب.. واغتصبوه عنوة.. وقالوا إن النسوة كون مملكة كبيرة تاجها في السماء وحكومتها في الأرض.. وإنهم كانوا يوقظون القتلى ويتخذون منهم خلانا .. ظلوا يبحثون عنهم مائة سنة.. رصدوا مكافأة مجزية لمن يأتي برأسهن جميعا.. وما عاد الباحثين ولا رؤوس المبحوث عنهم ” .
غيم الدخان على الوجوه الداكنة غير محددة القسمات.. فأخفاها لحظات قبل أن ينقشع غباره وتظهر مرة أخرى جامدة كأنها مصنوعة من الجبس.. تعالت سيمفونية الكركرة كأنها تطالب هي الأخرى بالمزيد.. تابع بائع الحواديت” وبعد أن اطمئنوا إلى دفن القتلى ساروا حتى وصلوا إلى مكان فيه شجر كثير ومنازل هجرها ساكنوها فرارا من الطاعون القادم إليهم من جهة الغرب.. وفي هذا المكان حطت القافلة رحالها.. وسكنوا البيوت الخاوية وعملوا في الأرض حتى جاء وقت المخاض ووضعت كل منهن طفلا جميلا عيونه زرقاء وشعره اصفر” .
أدرك بائع الحواديت في تلك اللحظة انه محاطا بكل سكان الحارة وقد وقفوا بعيدا يصيخون السمع في تلهف وشوق.. وكان يقف بينهم رجل مارس الجنس توا مع امرأة صديقه..وكان صديقه يقف متكئا بجزعه على كتفه.. زعيم الأجلاف هب واقفا فجأة..انتفض الأجلاف وغير الأجلاف واقفين سوى بائع الحواديت الذي ما زال يرتل في جو تحول من سكون مطبق إلى ضجيج وهرجلة وحركات أخرى كثيرة.. وعيون قلقة.. وانتشار واسع للأجلاف ألزم الحارة سكونها.. وماعاد يسمع لأي همس.. ضحك زعيم الأجلاف وهو يجذب ذراع بائع الحواديت بقسوة ويدفع به وسط الحارة الساكنة سوى من أجلافه وقال ” إنهم يستخدمون الآن الآتهم الحادة الشنيعة داخل شقوقهم”.. كان الظلام رائعا للغاية.. وكان عليه إما أن يدخل ويمارس الجنس مع زوجته أو يظل واقفا يتأمل هذا المشهد الجلل.. الذي وضعه فيه الزعيم.. ولكن هيهات أن يستطيع التوقف عن الترتيل والسرد.. ظل واقفا وسط ظلام اسود كثيف.. محاطا بالرعب والأجلاف وتأوهات النسوة المكبوتة .
(6) – ” في ذلك اليوم من ذاك الزمن اجتمع عشرون فتى جميلا عيونهم زرقاء وشعرهم اصفر ينشدون أغنية الخلاص والعودة للوطن.. وكان ذلك في الشتاء.. وكانت السيوف لامعة.. وكانت حتمية الخلاص طاغية .. وأمهاتهن العجائز كن بالداخل ينوحن.. دثرت كل أم ولدها بعباءة ثقيلة وغنت في إذنه أغنية وأعطته كيسا فيه دراهم.. غاب الفتيان في عمر الزهور.. هنا أدركت الأمهات إن مكروها حدث.. وان الزهور ربما لا تعود.. خرجن في قافلة.. وعندما مررن بالنصب الكبير رفعت أحداهن رأسها تنظر سنة المدببة فوجدت فتى الفتيان “مشبوحا” فوق السن المدببة وقد خرج الحديد من صدره..هنا أيقن أن المكروه حدث.. جوسن في الصحراء.. وعلى مقربة من النصب شاهدن جثث الفتيان ممزقة يأكل منها الطير.. ولاجثة واحدة لعدو! .
(7) – ممثل هزل درجة ثانية يعود مخمورا كل يوم..لا يضربونه بالقفا.. بل يطلبون منه دائما أن يؤدي دورالفتي الشاذ جنسيا.. ودائما يؤدي لهم دور الفتى الشاذ جنسيا..فيضحكون ويناطحون بعضهم.. عاد اليوم موجوع القلب.. وكان بائع الحواديت ما يزال يرتل.. رفعوا أعينهم نحوه.. كان دخان كثيف يغلف الجلسة.. وكانت الأفكار مشوشة.. والانبساط ظاهر.. ثلاثة حاصروه واحضروه للزعيم..قال له” نريد نرى فتى الفتيان مشبوحا فوق الخازوق”..وقبل أن ترتسم علامات الاستفهام على الوجوه القبيحة استنهض الزعيم بائع الحواديت في حدة وصاح فيه ضاحكا”أنت الخازوق.. أنت الخازوق”..انفجروا يرددونها دون أدنى علامة على الفهم ورؤوسهم تتمايل.. واستطرد الزعيم” وأنت.. أنت.. “مشيرا إلى الممثل الهزلي الشاب” فتى الفتيان..هيا هيا.. اجلسوا فتى الفتيان على الخازوق “..ربما من لم يضحك على هذا المشهد لن يضحك في حياته ثانية.. امتلأت الحارة بالضاحكين.. على مشهد معاد.. وربما يتكرر كثيرا..قال بائع الحواديت بصوت هامس قبالة الرجل الذي ضاجعت امرأته صديقه توا..”ربما يؤدي السؤال إلى معرفة.. ربما تؤدي المعرفة إلي جريمة قتل.. ربما يؤدي القتل إلى التطهر..ربما يؤدي التطهر إلى السمو والرفعة..ربما يؤدي السمو والرفعة إلى إبطال إدمان عادة الضرب على القفا.. قال الرجل الذي ضاجعت امرأته صديقه توا دون ادني اهتمام أومبالاة “يعني إيه” ؟.. لم يكن أمام بائع الحواديت غير أن يذكربعض الحقائق ويتبعها ببعض الفروض.. ولكن جاءت النتيجة سلبية للغاية.. فالرجل اللامبالي لا يفهم الحكمة.. ولا الحدث نفسه.. توخي كل المحاذير وهو يحاول إفهامه كيف إن امرأته تضاجعه وصديقه في نفس الوقت.. إنها مسألة من الصعب البوح بها .. ترقرقت الكلمات من فمه بصورة مبهمة.. لكن الأمر جلي على حقيقة كانت مخبأة وراء الشمس.. غيرمحددة الأبعاد.. لكن لها بريقا رائعا.. مميتا.. لطمته بقوة على أم رأسه.. فألجمته.. قال له الرجل اللامبالي بابتسامة خبيثة” إنها لعبة بيني وبين صديقي.. نلعبها سويا في الظلام.. ولو صبرت قليلا لوجدتني دالف إلى حضن امرأة صديقي.. الحارة كلها تلعب نفس اللعبة”.. تبدلت كل المرتبات المنطقية.. أصبحت الأوضاع المعكوسة تمثل خطرا شخصيا يدخل بيته.. لم يشعر بالممثل الهزلي وهو يسحب كرسيا ويجلس قبالته ويرميه بالتحية.. قال بصوت شبه مسموع”إنهم يتبادلون التحية والزوجات والضرب بالقفا مع النكات”.. حاول الممثل الهزلي أن يرد على عبارته بطريقة هزلية.. لكنه لم يجده أمامه.. التفت إلى الزوج اللامبالي واقترح عليه أن يلعبا الكوتشينة.. ووافق الرجل على الفور..لأول مرة في حياته تنفجرعينيه بينابيع الدموع التي كانت مخبأة داخلها طوال سنوات عمره..طفق يرتل في حضرة الأجلاف وزعيمهم وأهل الحارة جميعا.. خرجت الكلمات من فمه مبتلة..أذابت كل شيء في طريقها حتى الوجوه القبيحة .
” وبعد البكاء والعويل بحثت كل عجوز عن فتاها المقتول.. وحملته بين يديها تقبله وتغمره بدموعها الساخنة.. وبعد ذلك حفرن المقابر.. وأنزلت كل عجوز فتاها المقتول في القبر.. وطفقت تضاجعه بحنان بالغ .. وكان كل فتى في سن تسمح له بمضاجعة النساء والإنجاب.. وهكذا فعلت أمهاتهن معهم مثلما فعلن من قبل مع إبائهم القتلى.. وبعد انتهاء طقوس المضاجعة أهالت كل عجوز التراب على ابنها.. وسرن في قافلة وقد علقت كل منهن في لحظتها.. حتى مررن على مكان في نهر يجري وأشجار تفرش بساط الأرض..لا أول لها ولا آخر.. وفي هذا المكان ضربن أكواخهن وبدأن العمل حتى جاء وقت المخاض” ازداد نشيجه حتى توقف تماما عن الكلام .. حملوه إلى منزله.. وظل يبكي حتى مات . (7)
” تراتيل ” نص تشكيلى بالمعنى التركيبى الدلالى يتكون من عدة مقاطع بلغت سبعة فى دورة نفسية تعبيرية منتظمة، صعودا متناميا من ناحية الدلالة الساخرة إلى تأكيد نزعة التأثير النفسى وحتمية الشكل الفنى عندما يكون ممزوجا بالصورة الموضوعية النفسية. وهى مأخوذة من الحكى الشعبى الذى يصور مدى الخنوع والاستسلام لسطوة الحاكم وجبروته والرضا بذلك والعمل على تحقيق نزواته وسرعة تلبيتها والاجتهاد فى ذلك .
فالمقطع الأول : يقدم طرحا نفسيا ناتجا عن قهر وعملية سلب، وهو لايقصد ذلك بالدرجة الأولى نظرا لاعتماده النتيجة التحليلية للشخصية، عندما تستعذب القهر وتستدر العجر، وتصبح المقاومة النفسية سلبا وتحقيقا للنشأة التربوية المعكوسة، وهنا نلاحظ الطبيب أحمد الباسوسى فى جنب مرادف للكاتب والمبدع أحمد الباسوسى، وهناك صراع بين تأكيد النتيجة النفسية، والنزعة التربوية التى حققها بطريقة البحث فى علم الإنسان ” الأنثروبولوجى “، وصراع من نوع أخر يكمن فى درجة النقد السياسى وعرض الواقع فى دلالة شعبية فلكلورية، تجنح للتأريخ بمنطق السرد وحتمية القص .
والمقطع الثانى : يصف آليات النفس المغيبة فيقدم طريقة القهر والعجر فى جانب خاص يتمثل فى: ” النصب الكبير المزروع وسط الصحراء “، وكيفية الحصول عليه فى رمزية تمتد فى أزمان بعيدة منذ زمن بدأ الخليقة، ووجه الصراع هنا يتحول من المواجهة الواقعية إلى حتمية الرضا والبحث فى أسبابه كحالة فطرية مرضية لايرجى منها الشفاء نفسيا ومعنويا، فى حكايات ليس المقصود منها القص، وإنما الدخول فى عالم النفس السحيق، مع رمزية التعبير وانسحابه فى واقعية أقرب إلى الفنتازيا الشعبية، أو الكرنفال النفسى حينما تكون النفس فى غيبياتها وأطوارها البعيدة .
والمقطع الثالث والرابع : تقوم الدلالة على رسم وقائع وتراتيل وطقوس القهر فيقدم الكاتب ملامح من التشخيص كرموز حقيقية، ويصنع أحداثا تمتد فى بنائها لتتماهى فى نفسنة الواقع وفى بناء المتخيل الشعبى وعفويته حينما يكون معيارا للترميز والقص، بعيدا عن قيود العرف وأحكام الحياة، وتلك درجة حكائية فنية استطاع بها الكاتب أن ينزلق بالنص موضوعيا فى آفاق من الانحراف النفسى ليعكس مدى انقلاب الشخصية المعاصرة على نفسها وصراعها مع طبيعتها وانتصارها على حريتها وقيمها .
وفى المقاطع الأخيرة الخامس والسادس والسابع : ينفتح النص على أساطير وحكاوى خرافية كانت سببا فى انصهار الشخصية والحدث فى عملية البناء والتأكيد على سطوة المتخيل الشعبى، واستيعابه لمردودات رمزية وأسلوبية متباينة ومتداخلة فى نسيج النص ونحن هنا نواجه بصراع فنى وحركة درامية نامية بين الفلكلور ومده المتواصل وبين الأسطورة وطغيانها فى رحاب النفس، وبين خصوصية التعبير القصصى فى درجته الوجدانية، وذلك عندما تكون الأسطورة وسيلة لاستكناه الواقع وتشخيص المجتمع وفى ذلك نرى الرمز هو الفضاء وهو الوسيلة النفسية التى تستلهم الواقع وتجعل من اللغة حالة تعبيرية، لاتقف عند الوصف أو الحكى التقليدى وإنما تتجاوب مع الدلالة وتمتد فى تقديم التجربة من اتجاهات عديدة .
وهنا نلاحظ أن الشكل الفنى كان وسيلة الكاتب فى الانتقال بالفكرة من حالة إلى أخرى ومن مرحلة تعبيرية إلى مرحلة أخرى جديدة، ومن انتقال موضوعى رمزى إلى النمط الشعبى وإلى الأسطورة وإلى استنطاق النفس فى حالاتها المغيبة، وقد نجح الكاتب فى عملية التوظيف الفنية المصاحبة للشكل وتطوره، فقدم الصورة واللقطة الواحدة فى رمزية متعددة، وقدم الشخصية المصاحبة للنفس فى منعطفاتها من خلال تطور الشكل، وطرح المكان العام فى صور لافتة للنقد والتحليل، كرمزية انطوائية لاتتسع للشخصية رغم محدوديتها، وجاء الصراع مركبا من النفس وانعزالها الباطنى عن ملاطمة الواقع، فى مراحل متطورة شكلا وموضوعا .
ولم تكن الدلالة الموضوعية بعيدة عن تحقيق الفكرة رغم اختلاف مصدرها بسبب جدة الشكل وتنوعه بين الامتداد والانحسار، فكانت الشخصية الشعبية والإدارية والمجتمعية معيارا للتأثير النفسى وعرض ملامح الواقع وسواءته، ووسيلة فى مزج التيار النفسى الشعبى فى التيار الخرافى كملهاة داخلية قائمة بذاتها، اقتربت فى حقيقتها التمثيلية من الحكى التأريخى الذى يقوم على سرد الوقائع والأحداث دون تعليق .
وكان تنوع الشكل الفنى وتطوره فى نصوص المجموعة، وكذلك الفكرة الموضوعية وانتقالاتها عبر السرد فى صور تعبيرية مختلفة، من نتيجته تنوع فى الفضاء وتحوله من النفس المسيطرة على أجزائه إلى اجتماعى وسياسى واقتصادى، ليستوعب أنماط عديدة من الواقع ويطرح أفكارا جديدة تعبر عن الأشخاص والمجتمع الذى يعيشون فيه، والكاتب بذلك يحاول صياغة الحياة مرة أخرى بواسطة القصة القصيرة فى مستوياتها الشكلية المختلفة والمتباينة مضمونا ومعالجة للقضايا والأفكار، وكانت النفس الإنسانية وسيلته واتجاهه التعبيرى، فى رصد نقائض الواقع والحياة العامة .
ثانيا : الصورة المتحركة ظاهريا الثابتة ضمنيا .
من الوسائل الفنية التى اعتمد عليها القاص الدكتور أحمد الباسوسى فى مجموعته القصصية ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” الصورة التعبيرية بدرجاتها المختلفة فنيا وموضوعيا، وبأنماطها التعبيرية المتعددة، وجاءت الصورة لديه عامة كلية، تكتنز بالعديد من التفاصيل والرمزية، وتوضح كثيرا من أركان الواقع عند تفسيرها، ولأن النفس هى مدار التعبير لدى الكاتب فإن الطبيعة الذاتية تفرض دائما جدلا داخليا حول مركبات الصورة، وذلك لاعتماد الكاتب فى أحيان ليست بالقليلة على تأثير الانحراف المزاجى وحالة الرضا الغير منطقية، وتصوير النتائج فى أشخاص ومواقف تنفتح على الواقع والحياة العامة، وهو بذلك يطرح الصورة القصصية من منظور ” الأنثروبولوجيا الطبيعية ” محاولا إيجاد مفهوم جديد لتطور النفس الإنسانية كبديل للأعضاء التى تقوم بتنفيذ الحدث وتؤدى وظيفة حركية، وهو هنا يطرح الحدث القصصى من واقعية التأثير النفسى، والخلوص إلى نتيجة تواكب الحدث المعتاد من العضو البشرى فى حالته التقليدية .
ففى قصته ” ضحى” نجد حركة النفس دون حركة حقيقية للشخصية، ونجد مراقبة للأثر وللمحيط الجديد دون أن نعلم عن طبيعة الموصوف شيئا، وهو هنا يراقب النتيجة المترتبة على طبيعة النفس وليس الشخصية أو الهدف أو الرمز، ورغم أن المشهد وصفى احتفالى إلا أن الحركة نتيجة نفسية وهى لاتقوم على انحراف تقليدى ما أو تميز ما، مما يعنى أن الصورة متحركة ظاهريا ثابتة ضمنا.
وفى قصته ” كلام ” تقوم الصورة على وصف المشهد الخارجى بهدف مناقشة قيم الواقع الاجتماعى ورسم حالة من التواطؤ النفسى مع انحراف الدلالة، وتقوم فكرة الصراع بين ملاحقة جماعة من “الصبية الصغار”، وتفاوت هذه الملاحقة والمتابعة من الصِبيَة ” الأولاد ” إلى الصَبِية ” الفتاة ” وتأتى الصورة الكلية لتقدم مجتمع الحارة فى ظاهره ومناقشة البطالة فى رمزيتها وباطنها، وتقيم علاقة تبادلية بين الفكرة النقدية النفسية وبين الصورة القصصية التى تترجم تجربة الكاتب فى الرصد وتحويل المشهد المتحرك نفسيا إلى مشهد متصاعد قصصيا .
وفى قصته ” اغتصاب ” تقوم الصورة على تباين القرين واتحاد الرمز، وتعكس حالة من الانفصام الوجدانى، فى محاولة لترجمة المعنى، وتقريبه حسيا محاصرا فى دلالة الاغتصاب النفسى والنعنوى، ويحاول الكاتب طرح الصورة فى دلالة حسية بواسطة القرين، الذى يؤدى دورا مناهضا لحقيقة التعبير، ومن هذه المواجهات التصويرية يبدو الحلم مختلطا بالواقع وقيمه الافتراضية .
وفى قصة ” أيام الحصار” يطرح الصورة من خلا مجموعة الشخصيات الرمزية، ويقدم الفكرة ممزوجة بأنماط سردية وحكائية، تضرب جذورها فى البحث عن الحقيقة النفسية، فى مظهر سياسى شعبى، مقربا تقريبا رمزيا، يمكن انسحابه على الواقع الكبير والمجتمع الكلى، مما يجعل الصورة كلية تفرض جدلا، وتتضافر نع نمطية السرد لتقدم بطولات نفسية تنحسر أمام الحصار، ولم يكن البناء التصويرى فى قمته ودافعيته، بحيث يجعل الدلالة تتعاظم، وتنقل انفعالات الواقع نقلا مصورا كما حدث فى النمازج الأخرى، غير أن البناء التشخيصى جاء بديلا فنيا متطورا عن حالة التقليد التى صاحبت الفكرة الموضوعية .
وفى قصة ” عاد ومضى” يطرح دلالة تصويرية لنموزج معتاد ولشخصية نمطية وكانت المراقبة النفسية وتحليل البواعث هى وسيلة الكاتب من خلال الحوار الداخلى والمونولوج الذاتى المركب وهنا يمكن رصد دلالات اجتماعية تقليدية فى غالبها لكنها تقوم على ادء وصفى تصويرى يبعث فيها الحياة ويناقش الأفكار والدلالات التى لايقف أمامها الإبداع مفصلا تركيبها على المستوى النفسى كثيرا .
ثالثا : اقتناصه لحظة القص عند اشتباكها مع النفس .
الدلالات القصصية غالبا ما تستدعى نمطا تعبيريا يساعد فى فهم حركتها وأسباب نقلها وسرد أحداثها فى متخيل إبداعى فنى يجمع بين الموضوعية والفنية والذاتية، ويفتح آفاقا من التسريد والمفارقة وتطور الحركة الداخلية للنص، من ذلك ما لجأ إليه القاص الدكتور أحمد الباسوسى فى مجموعته القصصية ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” حيث راقب جيدا الموقف القصصى وعمل على تنميته واقتناصه نفسيا وإعادة صياغته من جديد فى واقع نفسى استشرافى وفى رؤية واقعية وجدانية.
من ذلك ما ورد فى قصة ” رحلة ” التى يصف ويراقب فيها النفس ويقتنص عن طريقها لحظات قصصية بطريقة فنية لاتعتمد على جدة القص بقدر ما تعتمد على قدرة الالتقاط والاقتناص وهى تمثل فى ذاتها أحداثا وترمز إلى حركة نصية داخلية، ولعل انتقال الصورة فى دلالة الحركة وفى حضور الرمز كان فاعلا فى تنمية الشعور بالنقد الاجتماعى وعند مراقبة هذه المواقف نلاحظ القدرة فى التعبير والالتقاط والقنص التصويرى رغم جمود المراقبة أحيانا يقول الكاتب :
1- ” يمكن لنا أن نتبين بوضوح تلك العلاقة قوية الصلة بين حركته السريعة في الشارع والى وصلت لحد الركض . وبين ذلك الوميض المشع غير المستقر التي تقذفه عينيه الضيقتين”
2- ” وحينما تجتاح المرء مشاعر البهجة فإنه بالتأكيد لا يتوقف عن التذكر والاسترجاع والإدراك المنحاز لنفسه وأفكاره … صور وصراعات طفقت تتراقص أمام عينيه وسط الشارع المزدحم بالخلق والسيارات والحر والأنفاس والعرق والوجوه المتعبة والأجساد المنهكة ”
3- ” ولعله لم يكن منتبها أو مهتما باستغاثة رجل عجوز كان يرفل في بدله قديمة … وكان يجري وسط الطريق يطارد صبيا وقد قفزا الاثنان لتوهما من الأتوبيس وكان العجوز يصرخ حرامي … حرامي .. ”
4- ” لم يكن مدهشا أن يكرر عليه عامل المقهى بطريقة مهذبة للغاية عبارته المألوفة وهو واقف يبتسم .. وحتى بعد انطفاء ابتسامة عامل المقهى وتبرمه وانصرافه من أمامه ظل مستندا برأسه على ذراعه الأيمن … مسترخيا لا يلوي على شيء … ما من شك في حدوث تغيرات كثيرة توشك أن تمزق رأسه الآن … تدفعه إلى الابتعاد … تدفعه إلى الانسحاب … أو تدفعه إلى الاكتئاب … الآن أيها العالم … انتظر أطروحة جديدة في الفكر تهبط الآن على رأس صاحبنا الجالس في مقهى النصر وسط القاهرة …” (8) .
والمتابعة الدقيقة هنا لانتقال الفعل والحركة تفرز لنا عملية التكوين النفسى للحدث وتكشف مدى أهمية الانتقال مقرونا بحركة ونمو متصاعد للحكى والقص، والمتأمل للمواقف الأربعة الحداثية يلاحظ أن تطور الشخصية اقترن بهذه اللحظات الفارقة والحاسمة فى شرح أبعاد النفس فى مثل هذه الحالات، الموقف الأول : نفسى تأملى للكاتب تدخل واضح فى بنائه، وهو متعلق بأوصاف النفس وانطباعها، وفى الموقف الثانى : تطور لعملية التأمل مصحوبا بتصوير أكثر رؤية واطمئنانا للشخصية، وفى الموقف الثالث : انطلاق الحدث من الذاتية والخصوص إلى الحسى المادى الخارجى فى شكل واقعة منفصلة تماما عن واقع الشخصية، وذلك يمثل حالة ابتداعية ولحظات قصصية اشتبكت فيها النفس داخليا وخارجيا، وفى الموقف الرابع : توافق القص مع تداعى النفس مع اشتباك الواقع الخارجى ممثلا فى عامل المقهى، كل هذه المواقف والأحداث النفسية لاتخرج عن كونها انفعلات داخلية استطاع الكاتب أن يقدمها فى نمط تعبيرى وسلوكى يعكس القدرة الفنية والطلاقة فى الوصف وطرح الأسباب الاجتماعية فى صورة قص وتشخيص نفسى تأملى .
وكذلك فى القصص الأخرى ” يوم حار- والشص – وعيون – والعنوان” جاء الحدث نتيجة افتعال حالات تصويرية اقترنت فيها الدلالة القصصية بلحظات الانتقال السريعة التى لايمكن ملاحظتها إلا عند تحليل أركان الصورة منفصلة عن الفضاء الكلى، وهذا يدل على قدرة الكاتب فى الجمع بين الوصف والتصوير والحركة فى واقعية نفسية كنمط تعبيرى وسيكولوجية خاصة لاتقف عند التقليد بقدر ما تسعى دائما فى رسم العالم الخارجى .
رابعا : التداخل بين الصور الجزئية الشخصية والواقعية والرمزية .
تقوم فكرة التعبير القصصى على تداخل الصور الجزئية بقصد تقديم الدلالات التشخيصية فى أنماط متعددة من الحكى فى النص، وهى تقوم بعملية الاندماج مع الواقع وتصف مرايا هذا الواقع اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا، فكلما نلاحظ موقف أو شخصية أوحدث أو مكان تتداخل فيه الدلالات فإن ذلك يعكس ناحية من نواحى الحياة التى نعيش فيها، وفى مجموعة الدكتور أحمد الباسوسى ” تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” نلاحظ اعتماده الواضح على هذه الجزئية كنمط تعبيرى ينتج نمطا واقعيا مرادفا له، ولعل قصة ” رحلة ” التى سبق واستشهدت بمقاطع منها تقوم على ذلك من حيث الصور الجزئية وتوظيفها فى سياق رمزى وكذلك قصته “عيون” تتعين هذه السمة التعبيرية منذ البداية، حيث تشير فقرة البداية وافتتاح النص إلى العديد من الدلالات مثل حالة التركيب والتكثيف وحالة الاشتباك مع الواقع مباشرة، وحالة السيطرة على وجدان المتلقى، مما يجعل فقرة البداية هنا ذات وظائف عدة منها التمهيد لفعاليات الحدث والانفعال بالفكرة يقول الكاتب :
في جنح ستائر حديدية من ظلام حالك تكافحه أضواء بعض المصابيح الكهربائية الباهتة المتناثرة في أرجاء المحطة كان القطار القديم المنهك قد سكنت حركته تماما.. تلك الحركة الغريبة التي لم تنم عن إصدار أي صوت.. فالعجلات تصلصل على استحياء.. والصفير بات كأنه صوت آدمي مبحوح.. حتى يخال لهاتيك الرؤوس التي تظهر تحت ضؤ المصابيح الباهتة وحركات أقدامها المتثاقلة أن شيئا ما لم يتغير” (9).
إن الصورة هنا كلية عامة تصف حالة من الصمت الرمزى فى إحدى محطات السكك الحديد، وعند تفصيل المشهد وتجزئة الصورة نلاحظ أن الحدث نفسه صورة متقطعة وأن الدلالة الوصفية عبارة عن حالات من التشخيص، وأن التقطيع وصوره مرحلة زمنية تعبيرية تقدم الصور الجزءية فى إطار من النفس، ومن التجسيد لحالة نفسية تفصح عنها لحظات القص وحالات السرد المتتابعة .
وكذلك نلاحظ قصة ” العنوان ” تطرح فكرة التصوير الجزئى وأهميته فى بناء الفكرة والحدث والبحث عن الواقع من خلال حالة رمزية وسردية، تعكس واقعا نفسيا ونمطا واقعيا فى الحياة التى ينقلها النص ويترجم أحوالها يقول الكاتب فى “عيون” :
ابتعد عنه خطوة.. خطوات.. ما زال يحملق فيه.. جسد عائم في بدله قديمة زرقاء.. وحذاء بني لم تمرعليه فرشاة الورنيش منذ سنوات.. تآكل نعله.. كثيف الشعرعلى عكس شعره هوه الذي تساقط كله تقريبا.. لمحه بعد ساعة قرب نهاية الشارع يقف بين حسناوين.. يقرب القصاصة من نظارته ثم يكورها ويدسها في جيبه الجانبي عندما حاولت الفتاتين التقاطها منه.. اقترب منهم.. ابتسم.. وضع ذراعه الأسمرعلى كتفه المعظم..قال له” لقد عرفت العنوان.. تعال معي أدلك على الشارع والحارة ” (10) .
يلاحظ هنا أن الصورة بصرية وأن الدلالة رمزية وأن الفكرة تنتقل من وصف خارجى مفصل إلى وصف نفسى داخلى، فانتقالات الحدث التصويرى بطريقة جزئية توضح كثيرا من خاصية التداخل بين الوصف والنفس والموضوع، وتضع الدلالة الواقعية فى جانب التحليل الرمزى كنتيجة تحتوى كل فضاء تعبيرى وتجمع بين أركان النص بطريقة نفسية تعبيرية والملاحظ أن الوصف لايعتنى كثيرا بتتابع الحدث وذلك لأن النفس هى مدار التعبير لدى الكاتب .
وفى النهاية فإن مجموعة الدكتور أحمد الباسوسى تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية ” تقدم الحياة النفسية والواقع الذى نعيشه بطريقة رمزية، وتطرح جدلا كبيرا فى عملية التصوير والتكثيف من ناحية الشكل والمضمون، وهى لم تغادر محيط الكاتب ورحلته الواقعية فى الأحياء التى تجول فيها صبيا وشابا وأستاذا مهنيا وإنسانا يبحث عن الأمل والحلم والتحول، ويمكن تحديد الأماكن التى انتقى منها أشخاص قصصه عن طريق الرمز وهى لم تبعد بأية حال من الأحوال عن مراقبته الدقيقة وعن بحثه الدؤوب عن الاستواء النفسى، حيث تقوم الفكرة الرمزية على الجمع بين أنماط الواقع وحالات التغريب التى ترافق الإنسان المعاصر أينما حل، ومن الجدير أن الكاتب الدكتور أحمد الباسوسى وضع لنفسه إطارا من التعبير ومن الإبداع يعد سيكولوجية خاصة للنمط الشعبى والحياة التى خاضها وعرفها وخبر دروبها فى أحواله العديدة، وكان المتخيل الشعبى نمطا من أنماط التعبير ودرجة واقعية نفذ منها للأسطورة والخرافة المعاصرة كملهاة ينسحب فيها الواقع والتدرج الاجتماعى والطبقى .
وهى لاتبعد عن السمات والأحوال الطبيعية للحياة التى ظهرت بوضوح فى ثنايا قصصه وفى ملامح شخوصه المغلوبين على أمرهم فى معظم الأحيان، ولعل الوصف والاعتماد على التصوير الكلى وتجزئة الصورة إلى أجزاء ودلالات رمزية كان وراء الانفعال والحشد بعيدا عن الاحتكاك وطرح أبعاد أخرى من الشخصية … تحية للصديق العزيز الدكتور أحمد الباسوسى
الهوامش :
1) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص11 بيت الياسمين للنشر والتوزيع الطبعة الأولى القاهرة 2011 .
2) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص19
3) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص35
4) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص59
5) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص63
6) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص 89
7) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص85 وما بعدها
8) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص83
9) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص 111.
10) تراتيل وحكاوى أخرى قصيرة للغاية د. أحمد الباسوسى ص 118.

السابق
عريس البحر
التالي
تجربة

اترك تعليقاً

*