القصة القصيرة جدا

سِيدي لِمَام

دخَلت المَدرسَة القُرآنية بجَامع ” سِيدي لمَام ” بالسَادسِة من العُمْــر ، هكَـذا مُــدوّن بلَوحِي المحْفُوظ ، وبينما يُــوهِم الأطْفَال الإمَام بالقِراءَة بتحْريك أجْسَادهم صُعودًا ونُزُولاً ، كَانَت تَـدُور الأحَاديث خَلف الألْــواح المَنْصوبَة بالرَّمْل عَــن نقَاط الدَّم المَرشُوشَة علَى المربَّع الزجَاجي المَبنِي بالحَائط ؛ منْ لحظِها وأنَا أمُرُّ منْكسَة الرَّأس مُسْرعَــة كلَّمَا جَاورتْها خُطَاي ، كَان الرُّعْب يتمَلَّكُني ، لِـذا لاَ أذْكُــر أنِّي حفِظْت مِن القُرْآن شيْئًا ، سِوى “الثُّمن الأوَّل” مِن سُـورة ” يَاسِين ” ، كنْت قَـدْ حفِظتُه لأجْل أبِي ، أقْــرأُه علَى مسَامعه دوْما وأحيَانًا كثِيرة يسْتدعِيني لأقْرأَه أمَام أصْدقَائِه ، فيَشْمُخ رأسُه عاليًا … أسْتغْرب فقَط أنَّه لَــم يُدْرك يَوْمًا أنِّي أكرِّرالثُّمُن نفْسَه … كلُّ همِّي كانَت تِلك اليَــد الَمرسُومة وبُقـع الــدَّم ، قَالَت صَديقتِي ” مُنى ” يَومًــا أنَّها يَــدُه لمَّا صفَع الجنِّي وتلْك القطَرات مِنَ الدَّم هِي أثَـرالصَّفْعة قَــدْ جَرحَت خدّه ، وقتَها صَار هَــذا الوليُّ عنْدي بطَلاً أسْطُوريًا ،تخيَّلتُه بأشْكَال عدَّة ، وتسَاءلْت لمَا لمْ يَقْهَــر ” الغُوليَّة ” تلك النَّار المُلتَهبَـة التِّي تحْكي عَنْها ” جدَّتي ” مَن تخْرُج صيْفًا عــنْد القيْلُولَة لتَلتَهِم البشَــر…
اليَـوْم اشْتدَّت بِي الحُمَّى ، مرَّغت “أمِّي” جسَدي بالحَّناء ؛ ثُــمَّ أخَذتْنِي عنْد قبْــرٍ ، مسَحت ببعْضِ رمْلِه علَى جبِيني وأطرافي وقالَت : ببَركَتكَ يا “سِيدي لمَام ”
ـ يَا إلَهي إنّه هُــو!!
ـ أهُــوطبِيب أيْضًا ؟
ـ أمْ هُـوشبَح يتتَّبعنِي ؟ …
لابُد أنَّه سَيصْفعُني ويُريق دمِي ،و”أمِّي” التِّي لاتَعْــرف عَن الأمْر شيْئًـا ، تُوزِّع خبْــزَ ” الرُّقَــاق ” علَى الصِّبْيَة .
كَـان عَليّ أنْ أفْعَــل شيْئًا لأُرْضِيه ، لذَا بتُّ أضَع لَه نصِيبي مِمَّايمْنَحُونه لنَا بالمطْعَـم المَدْرسِي ، وحتَّى قِطَع الخبْزالمحشوَّة بالمُربّى التِّي تمْنَحُهــا لِي ” مُنَــى” خَلفَ اللَّــوْح … السيِّء أنَّه مَاكَان يُحبُّــه ، فدَوًما أجِــدُ النَّمل غَارقًا فِيه .
بيَوْم خِتَــان أخِي قَالت “أخْتِي” سنَأْخُذُه ” لسِيدي لمَام ” ، اكتَشَفْت وقْتَها أنَّ لَه ضَريحًا مُغَطَّى بلِحَاف أخْضَر مِـنْ قُمَاش ( المَالاسْ) كلُّ مَن يَـزُوره يَقتَطِع شَريطًا وَيربِطُه بيَده للبَركَة ، يُطاف بالطفل قبل خِتَانِه سبْعًــا لنيْــل بَركتِه ، كِدْتُ أهْــربُ فَــزعَة ، لوْلاَ أنَّ “أختي” أمسكت ذراعي بقوّة، وأشارت أن أربطَ الشَّريط لتحُلَّ بَركتَه عليّ ورضَاه ، انفَرجَت أسَارِيري …
ـ رضَاه ؟ ، طبْعًا لاأُريدُ غيْر رضَاه ، ربَطْت الشَّريط بيَدٍ وزدْت آخَر باليَد الأخْرى، وآخَر بعُنقِي وآخَر زيَّنْت بِــه شَعْـري ووو…
بعْد الحَادثة ، مَاعُدت أخَاف مِن قَطرات الدَّم المَرسُومة عَلَى الحَائط ، ولاَ مِن ضَريحِه ، صِرت أطُوف مَع الأزْوَار وأنا أَقْفِــز وأُغنِّي وأطبّل وأتخيَّله غَارقًا بالضَّحِك ، أيْضًا صَار يَأكل كُلَّ ما أضَعُه لَه عَلى قبْــره …
اكْتشَفْــت لاحِقًا أنَّه مُشَاغِب مِثلي ؛ فوَّض ” مُنى ” لتَأكُل ما أضَعُه لَه عوَضًا عنْه .

السابق
بذلة…
التالي
مِلْيونير..

اترك تعليقاً

*