القصة القصيرة جدا

شاهد عيان

فكرة الموت لم تكن تعنيني أبدا ولم أعطها أهمية؛ فهذا ثوب سنرتديه جميعا شئنا ذلك أم أبينا. في سنين طفولتي المبكرة غافلت أمي وتسللت خفية لأرى جارتنا قبل مراسم التشييع. دفعني فضولي لاستكشف الموت على أرض الواقع، كانت ممددة على سريرها بكامل أناقتها والشحوب الذي في وجهها جعلني أتردد في الاقتراب، عددت خطواتي وأنا أمشي على رؤوس أصابعي، خوفا من إيقاظها؛ فلم أكن قد فهمت ماهية الموت بعد. خطوة واحدة تفصلني عنها، عندما سمعت صوتا أجشا أرعبني؛ فما كان مني إلا أن أختبأت تحت السرير الذي ترقد عليه. مرت علي برهة، أحسست فيها أنها ستمد يدها تحت السرير وتنتزعني من مكمني لتمطرني بقبلاتها كما كانت تفعل كل يوم. لم يحدث شيئ من هذا، مما هدأ من روعي بعض الشيء؛ فاستغليت هذه الفرصة للهرب من الغرفة والعودة إلى المنزل قبل أن تكتشف أمي غيابي. منذ ذلك الموت، الذي هو الأول من نوعه للطفلة التي كنتها، وأنا أمقت هذه الكلمة، خاصة بعد أن علمت أنها دفنت تحت التراب. بما أن الموت حتمي، لماذا لا أختار الطريقة التي أدفن بها؟ يجب أن تكون مراسم التشييع كما أريدها أنا وليس كما جرت العادة. سأدون كل التفاصيل؛ فأنا في المراحل الأولى من المرض وما زال لدي متسع من الوقت لأجهز نفسي لتلك اللحظة. لكنني لم أتخذ قرارا بعد لمن سأوجهها. سأترك فراغا أملؤه فيما بعد باسم المرسل إليه. إليك مسودة آخر رسالة أخطها.
عزيزي…..
أريدك أن تحملني كما أول مرة، وتضع حملك الثقيل تحت تلك الشجرة التي ضمتنا ظلالها، ثم تجمع رسائل الحب التي تبادلناها فيما مضى، وكل الصور التي جمعتنا سويا، انثرها جميعها على جسدي، وقبل أن تضرم النار فيها اسمعني صلاة الموت بصوت فيروز، وبالتحديد أغنية”بكرة لما بيرجعوا الخيالة”، لا أريد صلاة من شيخ أو كاهن؛ فأنا لا أطيقهم لنفاقهم، وأخاف عتمة القبر والأماكن المغلقة. اجمع الرماد المتبقي من عملية الحرق وانثره في كل مكان مررنا فيه، في البحر الذي كنت أعشقه، والذي كان منافسا لك في حبي؛ فله في ذمتي دين كبير. لا تحزن بل غني لي بصوتك أغنيتنا المفضلة. هذا كل شيء الآن، لا أستطيع إكمال رسالتي؛ فالقصف في ذروته وأنا في قبو رطب مرمية يشتد ألمي مع كل قذيفة…..
انتهت حملة القصف المكثفة وأنا كنت أحد المتواجدين في ذلك القبو، تفقدت من تبقى وكان ما قرأتموه مدونا على دفتر صغير، هو كل ما تبقى من تلك السيدة.

السابق
صورة
التالي
مع سبق الإصرار

اترك تعليقاً

*