القصة القصيرة

شباك الذاكرة

قالتْ نسيتُ أن أمرّ على الأبواب أفتحها، الغلق طال، والزمان في الشقوق تغيّر لونه، جريدتي مدادها فقد نضارته، كلماتها محشورة كتحف في الرفّ فرّتْ من مخالب الزمان فاستكانتْ تحت مخالب الانتظار. مرآتي ككلّ المرايا حين تتكلس أمامها الحياة، يفقد أمامها كلّ جديد نضارته، ويرون الزمان عليها بلونه كئيب. همّتْ بالوقوف، خانها جسدها، تلمستْ مواطن الضعف، استيقنتْ ألاّ موطن للقوة إلاّ في صفحات ذاكرة أبتْ أن تنمحي، حاصرها الصمتُ، رأته يتمدّد في كلّ ركن، يتسلّل إليها من تحت اللحاف، ومن تحت الوشاح المسدول على الكتفين، فيزيد في ثقل ما حملتْ من وجوه مرّت في حياتها ولم يبق إلاّ أسماؤها، تردّدها كلعبة الحروف المقطّعة، تجمع أسماء مع ألقاب غيرها، وألقاب مع ما جهلت من الأسماء، الأسماء لا يهم، إذا الليل طال، والنوم أبى أن يتصالح مع الأجفان المتعبة، فتحتْ سجلاّت الوجوه المخزّنة في عمق الذاكرة، فانتصبت الشوارع، والمقاهي، وأشجار الحدائق، وأماكن لها في القلب قداسة، رمي الزمان ما عليه من عباءة السنين الثقيلة، فعادتْ له نضارته، وللجسد حيويته، شعرتْ بطراوة العشب تحت أقدامها ينثني، كأنّه منتشي بلحظات العشق يرسمها العشّاق بقفزاتهم، وصراخهم، وضحكاتهم… شعرت بحرارة كفّه تضغط على كفّها، تسرّبت الحرارة إلى كلّ ركن في هذا الجسد المستنفر، إلى كلّ عضو فيه، تورّدت الوجنتان، ارتعشت الشفتان قبل الكلام، لمعت العينان فقالت كلاما بلا حرف ولا صوت، قرأ كلّ معانيها، فَهِمَ كلّ رغباتها، أليس للعشاق لغة لا يفهمها إلاّ من كان قلبه بيدرا لحصاد الهوى ! شوقهم كالطير المهاجر حين تقصيه البرودة، لكنّ دفء شوقه للوكر تعيده بلا دليل. هما العاشقان، كلّما التصقا ازداد المكان اتساعا، فقَدَ الوقت اتزانه، دبّ به النشاط ، فطوى ساعاته في غُرَفِ الثواني، لم يعد في الكون إلاّ تلك العيون الحالمة، ودقّات قلبين تقول للساعة المعلقة في المكان: استريحي قليلا، فدقاتك في هذا الكون لها زمن انقضي، ودقّات قلبينا في المكان بقاء.
رنّة الهاتف مزّقتْ لها شباك صيدها للّحظات السعيدة الفارة في عمق الذكريات البعيدة، هو ابنها الوحيد كعادته يطمئن عليها كلّ ليلة، اتّخذ بعد اتمام دراسته الغربة موطنا، وأصبح الوطن له غربة. حدّثته، لكنّ قلبها يقول للقابع في عمق ذاكرتها: سأعود إليك، ولن أتركك تذهب، ألا يكفني ما فعل غيابك ! ضربتَ بغيابك جدار القلب فتصدّع، وجعلتَ من هيكل صلوات حبّنا معبدا مهجورا، سأعود، لا تذهب.
أنهتْ مكالمتها مع ولدها، اشتكت له من أخته التي وجودها في البيت معها كعدمه، هي في النهار خارج البيت، في العمل، وفي الليل أمام الكمبيوتر، فهي تشعر بأنّها تعيش في البيت لوحدها، وأخته مجرد خيال يعبر أحيانا أمام ناظريها.
استلقتْ على الأريكة، مدّدت ساقيها تحت اللحاف، فالروماتزم منذ زمن صار لا يرضيه طول الجلوس على هيئة واحدة، أزاحتْ الستارة قليلا عن النافذة، رأتْ أضواء السيارات تتحرّك وتلتف كحفلة رقص أوبرالي، الرذاذ الخفيف المتساقط عكس أضواء السيارات والمحلات، جعل الطرقات تتلألأ كالنجوم المختبئة خلف السحاب، قالتْ في داخلها: ما أجمل الحياة في الليل. رأته تحت عامود النور كطائر النورس المبلّل، هذا الرذاذ ما كان ليمنعه من طقوس وقفته المقدسة تحت هذا العمود المقابل لبنايتها، القريب من شبّاك غرفتها، تحاورا بالإشارات، قالت له بالإيماءات: الجو ممطر وأخاف عليك أن تمرض، اذهب. أفصحتْ حركات يديه: لن أبرح حتى أفوز بقبلة ترميها إليّ من بعيد. ضحكتْ، قطفتْ له من شفتيها قبلة كما أراد، ورمتها إليه. وأوّل الغيث العاطفي قبلة من بعيد، بعد سنتين تهدمتْ كلّ الأسوار، وحرقتْ كل الستائر، لم تعد القبلات تجنى من بعيد، أصبح يجنيها متى، وكيف شاء، تذكرت كيف كانت أرضها العطشى تنتظر خلوتها معه حتى تتلبد سماؤهما، وتبرق وترعد، وتبدأ بشائر الودق، وتبحر في التفاصيل، وكيف كانت تنزع رداء شخصية يعرفها بها الناس عند باب خلوتها، ترتدي ثوبا لا يعرفه إلاّ هو، يعرف روحها حين تنتشي بكلماته، وجسدها حين يكسر كلّ الحواجز، ويلغي كلّ القوانين ليشرع لمملكته قانونا يمنع الممنوع.
التفتتْ، رفعتْ رأسها إلى الأعلى، رأتْ صورته يحتضنها الجدار، عيناه تراقبانها، قرأتْ فيهما لومه الذي تجرعته طول العمر وما استساغته رغم عشقها له:
ـ أبعد كلّ هذا العمر مازلتِ تجترّين ذكرياتنا البعيدة؟
ـ ماذا تريدني أن أفعل، أنت امتطيت قطار المنيّة، ابنك اتّخذ غير البلاد بلادا، وابنتك مغتربة في غرفتها، حاضري مجمّد، وليس لدي ما انتظره من قادم الأيام، وليس لي إلاّ ماض فيه حياة؟
ـ أراك بعد سنين موتي هرمتي، ولكن بذرة شوقك لم تمت.
ـ هرم جسد الزمن الذي أرتديه، لكن جسد الروح مازال له في ماضيه حياة، ومازلتُ أراك كما أول مرّة رأيتك، ننهل من حبنا بدون ارتواء.
ـ ذلك ماضٍ ولّى ومضى، عيشي حاضرك.
نظرت لعينيه وقالت في داخلها: حتى وأنت في العالم الآخر عيناك تلومني وتنصحني، لا…لن أأخذ بكلامك.
سحبت اللحاف، غطّت به رأسها حتى لا تتبعها نظراته. مسكته من يده، ركضا على المرج الممتد على تلك الروابي، وضحكاتهما تشقّ صمت الطبيعة الهادئة…

السابق
مشتاق
التالي
سياسة

اترك تعليقاً

*