القصة القصيرة

شجرة الجميز العتيقة والناي الحزين

سبعة أعوام مضت , وأخباره منقطعة عن القرية , أُشيع بأنه قُتل , بعض أقاربه لم يؤمن بموته.. والبعض الأخر قالوا بأنه فُقد مع من فُقد ..
لكنه اليوم عاد .. وبالكاد يتذكر بعض أهله .. وبعض أصدقائه القدامى والنذر القليل من الأحداث التي مرت به ..عاد وهو شبه فاقد للذاكرة ..
وكأن عقله حدث فيه خلل ما .. جعله لا يستطيع أن يتذكر أي شيء عن حياته الماضية , اللهم إلا إذا ذكره من حوله وعصف بذهنه , فيتذكر ..
سبعة أعوام والناس في القرية ليس لهم سيرة إلا سيرته .. وكيف كان يحبه الجميع لحسن خلقه , وأدبه الجم .. وابتسامته الجميلة التي لم تفارقه علي الدوام ,, ووجهه البشوش , وكيف كان لا يتأخر مع أحد في أي أمر يطلبه منه .. فهو رجل شهم , صاحب واجب , وصاحب صحبه , ورغم قلة ذات اليد , إلا انه لا يسأل الناس إلحافه , ولا يرد سائل قصده في أمر ما , تراه في الأفراح , والأتراح , كأنه صاحب الفرح , ولواجب , وتجده كتف في كتف مع صاحب المصيبة .. وكيف كان حبه لـ ” مريم ” , تلك الفتاة التي ليس لها مثيل في القرية .. ورفض أهلها تزويجها له .. لأنه فقير , ولا يملك من حطام الدنيا شيء , إلا بيت صغير بناه بالطوب اللبن من طابق واحد , القاطن علي مشارف القرية .. وكيف كان يرفض أن يترك القرية .. ويهاجر مع من هاجر , إلي تلك البلاد البعيدة .. برغم أنهم حاولوا إغرائه أكثر من مرة , وأقنعوه بالرحيل معهم حيث العمل هناك والمال الكثير في تلك البلاد .. إلا أنه رفض رفضا باتاً .. وفضّل أن يبقى بجوار بيته .. وجلوسه تحت الشجرة العتيقة الجميز التي تعسكر أمام داره والناي الذي لا يفارقه , ويعزف عليه أعزب الألحان الحزينة ..لـ ” مريم ” بالرغم أنها تزوجت بغيره .. وتكعيبة العنب التي زرعها بيده بجوار دارة .. والتي كبرت وتدلت أغصانها .. وصارت استراحة , لكل سائر علي الطريق ..
عاد بعد انقطاع أخبراه .. وقد تغيرت ملامح وجهه الأسمر .. وتغيرت هيئته تماماً .. وحالته .. لحيته طالت , وشاربه تدلي لأسفل .. شعره غزاه الشيب .. وأخذت الحفر الصغيرة, والتجاعيد تغزو وجهه , وبسمته ذهبت واختفت نضرت وجهه , وحل محلها تكشيرة ,وعيناه التي كانت يشع منها البريق انطفأت , وصارت تملاها البلادة والحيرة , وطرأت علي تصرفاته أحوال غريبة , وعجيبة في نفس الوقت .. فمثلاً يكون جالس في أمان الله وفجأة يضع يديه حول رأسه , ويصرخ في فزع شديد , وهو يصم أذنيه , ويجلس القرفصاء , وربما اختبأ تحت السرير , وقد أطفأ الأنوار .. وقد انتابته حالة هسترية , مع فزع شديد ورعب ….
ما زلت أذكر تفاصيل ذلك اليوم البعيد .. الذي كنا فيه صغار .. نلهو ونلعب , ونستحم في الترعة التي تطل على منازلنا الصغيرة .. قبيل الغروب , حينها سمعنا صوت أزيز الطيران فوق رؤوسنا .. وصوت صفارات الإنذار تدوي .. من وبور النور القديم .. لنختبئ في بيوتنا .. وكان الناس في حالة فزع , وهلع , وهرج , ومرج , وخوف شديد .. يومها رأيته وهو يقف ثابت كالجبل .. علي الأرض في تحدي .. يصرخ في الناس .. وأنا واقف بجواره أقلده , وأستمد صلابتي منه .. وهو يقول :
ــ ” لا تخافوا.. لا تراعوا , لا تخافوا .. دولا كلاب .. جبناء .؟!.
ومازلت اذكر أيضاً … وقعة جاموسة “مريم” وصرختها علي من ينجدها ويخرج لها جاموستها من البطال , تلك الجاموسة التي أحضرها لها أهل الخير , ضمن مشروع ” اكفل أرملة أو يتيم “, فقد تدهور بها الحال بعدما رفض إخوتها أن يعطوها ميراثها من أبيها .. ونصحها أهل الرأي أن ترفع عليهم دعوة في المحكمة , لترد منهم حقها من الميراث, ولكنها رفضت أن تخسر إخوتها من أجل حفنة تراب .. كما كانت تقول دائماً ..
ــ فوّضت ليك الأمر يا صاحب الأمر ..
جلست في بيت زوجها الذي رحل .. تربي أولادها الصغار .. ورفضت بأن تتزوج من بعده , ودفنت حبها القديم في صدرها , برغم أن تقدم لها مرة أخرى بعد موت زوجها , فرفضت تبدّي نفسها , برغم أنها تمتلك من الجمال والأنوثة الطاغية , ما لم تمتلكه أغلب نساء القرية , حتى أن أغلب شباب القرية , كان يتمنى بأن يتزوجها .. والعمدة نفسه عرض عليها الزواج .. وحاول أن يستخدم نفوذه .. لكنه فشل , وكانت ترفض طلبهم بكياسة وأدب جم .. وهي تقول لهم :
ــ أنا هـ نكث علي الأيتام دولا , عشان أربيهم , وأعلمهم أحسن علام .. وما بفكر في الجواز نهائي ..
لا أدري لماذا تحضرني وبقوة .. كل تلك التفاصيل .. وينبعث الماضي من جديد في عقلي .. ويظهر جارنا العزيز , الآن في ذهني بوضوح , ذلك الرجل طيب لا أدري .. ربما لأنه عاد .. فعادت صورته أمام عيني الأن .. وهو يجري علي الطريق الزراعية .. لنجدة حبيبته مريم .. التي وقعت جاموستها في البطال .. وهي تطلب من ينجدها , وبالصدفة المحضة كان يمشي علي الطريق الزراعي , ولما سمع صوت الست ” مريم ” جرى ناحية الصوت وهرول هو وبعض نفر من أهل القرية , ونزل بهدمته البطال , وامسك بالحبل , وأعطاه للواقفين علي اليابسة , ليشدوها معاً وهو يرفعها بين يديه , وأنا معهم كنت أشد الحبل ,
وبعدها بأيام قلائل .. ذهب إلي التجنيد مع بعض شباب القرية .. بدأت الحرب , وانتهت.. وألقت بأوزارها الثقيلة .. وانتظر أقاربه عودته
وكذلك “مريم ” , وأهل القرية .. وعاد أغلب من ذهب من رجال , .. وطال الانتظار.. ولم يعد جارنا العزيز , وانقطعت أخباره من حينها .. أقاربه سألوا عنه رفاقه .. ومن كانوا معه وعادوا , وسألوا عنه في كل مكان , حتى فقدوا الأمل , فقالوا بأنه استشهد في المعركة.. مثل كثير من أقرانه.. واعتبروه شهيد الواجب والوطن .. وأطلقوا عليه أسم البطل , ومنهم من قال : بل وقع في الأسر وسيعود .. ومنهم من قال : أنه لم يمت أصلاً , وصُنع منه أسطورة .. ومنهم .. ومنهم … ومنهم ..
لكن اليوم عاد وحدثت المعجزة , وفرحت مريم لعودته , وقلعت السواد الذي كانت ترتديه , وأهله صنعوا له ليلة لله , ودُعي أهل القرية جميعاً , وأجلسوه كما العريس وسطهم , وراح يحكي لأقاربه , ولكل من جاء يسأل عنه ويزوره , ويحدثهم عن كل ما رآه , وما حدث معه.. وكيف أصيب في المعركة وبترت ساقه بشظية من صاروخ وقع بالقرب منهم , وهو بين الفينة والفينة , يحمد الله علي النجاة , وأهل القرية تهنئه علي رجوعه بالسلامة , وهو يقول لهم كيف نجى من الموت المحقق بأعجوبة.. بل بمعجزة إلاهية, وكيف تصدى لقوات العدو , وكيف كان طيران العدو يقذف بحمم النار, علي أي شيء متحرك أمامه .. وكانت أصوات النيران والمدافع والقنابل والانفجاريات تدوي في كل مكان وهو يردد دائما
ــ ” الحمد لله ”
وكان يقول لهم
ــ حاربت لأخر طلقة في البندقية , حتى نفذت مني الذخيرة .. والماء والطعام الذي معنا .. بعض الجنود من شدة القذف تاهوا في الصحراء.. وكان العدو يبحث عنهم كالمجنون بالطيران, وظلت أنا وبعض الجنود متمترسين في أماكننا …. واستطعت أنا ومن معي تدمير رتل من الدبابات وحولناها إلي كومة من الفحم , قطعنا إمدادات العدو وفرحنا , وكبّرنا .. وفجأة , طيران العدو دكّ الموقع علي من فيه .. ونحن نقاومهم بكل قوة.. وحاولنا الاتصال بمركز القيادة لكن الإشارة كانت.. ضعيفة جداً , ومنقطعة
وهنا يتوقف عن الكلام , ويدخل في شرود طويل , وقد أخذته غُصّة في حلقه , ودموعه هملت غزيرة تنزل علي وجنتيه ..
اقتربت منه .. سلمت عليه .. ذكّرته بنفسي .. عصر ذاكرته , فتذكرني .. ربّت علي كتفه , جلست لجواره تحت شجرة الجميز العتيقة .. هش وبش في وجهي .. تجاذبنا أطراف الحديث .. وفي خِضَم الكلام لم ينسى حديثه عن الحرب , وراح يقص لي بعض ما حدث معه.. سألته : عن سر تغيّبه ؟.. وانقطاع أخباره عن القرية كل هذه السنين .؟… وأين كان ..؟.! .. ولما لم يعد مع من عادوا ..؟! .. فاعتدل في جلسته .. وقد وضع الناي في حجره .. وأخذ نفساً عميقاً .. وراح يحكي لي ما كان .. وما حدث معه .. وكيف كانوا يضطرون بأن يناموا وسط جثث الجنود الذين قتلوا في المعركة .. وفجأة صمت وأخذ نفساً أخر أعمق , ونظر إلي الأرض , وراح ينكت بعود كان في يده , برهة , ثم واصل حديثه معي قائلاً ,
ــ اقتحم العدو المعسكر الذي كنا مرابطين فيه .. واضطرنا لترك مواقعنا .. وظللنا نسير في الصحراء علي غير هدى .. أيام وليالي بلا ماء ولا طعام حتى أخذنا نتساقط , واحداً تلو الأخر, من شدة الجوع والعطش والإعياء ولم أدرِ إلا وأنا في احدي الخيام .. وسط مجموعة من بدو الصحراء .. وقد ألبسوني ثيابهم .. فلما أفقت , واسترددت بعض من صحتي .. سألت
ــ ” أين أنا ..؟!.. وأين أصدقائي من العساكر .؟!
فاخبروني بما كان .. وكيف عثروا علي وأنا فاقد الوعي , وفي الرمق الأخير .. وانتزعوني من براسم الموت , والهلاك الذي كاد أن يفتك بي , كما فعل بأصدقائي .. وكيف أخذوني وأخفوني من أعين العدو .. وظلت عندهم , كواحدٍ منهم حتى تمكنوا من إيصالي إلي أقرب نقطة عسكرية وتسليمي لهم .. و……
وظل يحكي لي .. وهو يرسل بصره تارة إلي السماء , وتارة أخرى نحو الطريق الزراعي بمحاذاة الترعة .. وكأنه ينتظر أمراً ما , أو يتطلع إلي مَقْدم ” مريم ” حين تكون في طريقها إلي المربط الذي تربط فيه جاموستها …
وظل يحكي حيناً , ويسكت أخرى , وظلت أستمع إليه , وأنا أنظر إلي ساقه المبتورة , والتي عوضوه بها ساقاً صناعية , أسندها إلي ساق شجرة الجميز العتيقة , وصوت المذياع ينبعث من داخل بيته الصغير , يعلن عن قيام العدو بغارة جوية جديدة , وتصدي قواتنا المسلحة الباسلة لها , وتكبيد العدو خسائر فادحة .. و ……….

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
خذلان
التالي
المشوار الصعب

اترك تعليقاً

*