القصة القصيرة

شجرة الكافور

كنت هناك متربصاً خلف شجرة الكافور العملاقة أنظر بنصف عين إلى الطريق من خلف جذعها العملاق و كأنني لص.
تلك الشجرة الأزلية المرابضة هناك بين المقابر و التي ينزف لحاؤها دماً و تبيت على ذؤابتها الجنية ” أم شوشة ” ترمق الجميع في تمعن باحثة عن فريسة جديدة كل يوم . لها عيون صقر و مخالب نسر و أنياب ذئب ولدت عجوزا و توقف عندها الزمن ، شعرها هائش على الدوام
حكى لى جدي أنه ذبح ” عسكري انجليزي ” ذات مرة ” بالمنجل ” و دفنه تحت جذورها في أحداث ثورة 1919 “و لا من شاف و لا من سمع” و لكنه لم يستطع حكي تلك القصة إلا بعد رحيل الإنجليز.
هو الآن مدفون مع زوجاته الأربع على مقربة من تلك الشجرة الملعونة ربما صار هناك في العالم الآخر “بحكم الجيرة” صديقاً لذلك الجندي الانجليزي المقتول.
كنا ندنو صغاراً متكومين على مقربة منها يملؤنا الخوف صانعين بأيدينا هيئة “تلسكوب” و منبطحين على بطوننا باحثين عنها على قمة أغصانها منتظرين بالساعات في سكون رخيم ليهمس لنا أحدنا بالنهاية
– اه شفتها يا عيال فوق خالص اهي دي تخوف قوي
هكذا نطق علاء و هو يرتجف – هو الآن تاجر ثري – و لكن لم يرها غيره لنعود المسافة إلى بيوتنا جرياً ككلاب ضالة مذعورة من خرطوش الغفير المكلف بقتلها من البلدية.
و نهاراً كنا نقترب منها أكثر قاذفينها بالطوب لتنزف دماً قانياً ظانين أنه دماء الموتى تمتصه جذورها الضاربة في العمق عوضاً عن الماء
– اهي نزلت دم اهي …. الطوبة بتعتي نزلت دم
هكذا صاح “روبي” في سعادة – هو الآن إمام مسجد – و لم تنزف إلا من طوبته لنعود أيضا جرياً في شيء من اللهو هذه المرة إلى البيوت.

دار كل هذا بمخيلتي و أنا ما زلت هناك أنظر بنصف عين أنتظر قدومها بفارغ الصبر.
واعدتني أن تأتي الساعة الثامنة و هي الآن جاوزت التاسعة و لكني سأنتظر . القطار لن ينطلق قبل العاشرة صورة قضيبيه هناك على مرمى البصر و كأنهما رجلا كائن أسطورى قدميه هنا و رأسه في المدينة.
شدة البرودة مع الظلام الموحش و هسيس الموتى من حولي و لعنة دماء الإنجليزي تحت أقدامي و نظرات “أم شوشة” الثاقبة جعلوني أرتعش كما لم أفعل من قبل ليستبد بي الخوف و يتآمر عليَّ الجميع.
فحالما تقدمت لخطبتها لم أكن لأتخيل أن ماضيَّ القذر مازال عالقاً بالنفوس بعد سنوات العزلة التي فرضتها على نفسي “قبل الآوان” ليخطبها ثري خليجي تجاوز الستين تفوح رائحة النفط من عقاله و غترته.
معي بعض “هلاهيلي” القديمة في شنطة أحملها على ظهري فقد قررت ألا أعود.
طلبت منها أن تأتي فقط “بالهدمة اللي عليها” لنهرب من تلك البلدة الظالم أهلها فوافقت بعد إلحاحي على مضض.
أجلس على الأرض أدخن سيجارة ، أتمدد لدقائق ، أجلس من جديد ، أقف ، أنظر في الساعة هي الآن العاشرة إلا دقائق.
صوت صفير القطار يهم بالذهاب هو آخر موعد للقاهرة
تقودني قدماي كالمنوم إلى بيتها أتسمع أنفاساً و شخيراً و لا شيء يدعو للريبة، يبدو أنها حتى لم تحاول . ساحت أفكاري و أنا أسند رأسي على جدار البيت باكياً منتحباً ليوقظني صوت الغفير زاعقاً
– مين … مين هناك؟
جريت بعزم ما عندي متعثراً في حنيني ملتقطاً شنطتي بصعوبة لألحق بالقطار الأخير مازال يخامرني شك أني سأجدها بالقطار كمفاجأة سارة -قصدتها- و لكنه الوهم عندما يستبد بالعاشق.
كل هذا طفر على ذاكرتي لما سألني ابني مشيراً من زجاج نافذة السيارة
– بابا بابا … اية الشجرة الغريبة دى ؟ أنا حاسس إن انا شفتها قبل كدة.
لأنظر إليه ملتمساً قراءة ما يجول بخاطره و أنا ما زلت أتكتم أنفاس تلك الليلة منذ عشرين عاماً من الغربة.

السابق
عدل
التالي
فرط الحجر

اترك تعليقاً

*