قراءات

شرنقة الوجود في نص “ليتني ظل”

للكاتب طارق ميلم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

وهبتنا قريحة مبدعة النّصّ “ليتني ظلّ” لتجعلنا نقف مذهولين أمام روعة الدّفق الأدبيّ لغة وبناء فنيّا وموضوعا..
ولا سبيل للظّفر بمتعة قراءة هذا النّصّ إدراكا للبوح بعميق مقاصده دون توقّف عند ذي العمد الثّلاث.

1/لغة النّصّ:
توسّل الكاتب طارق ميلام في نسج نصّه هذا بلغة بيانيّة أخّاذة انتثرت في أرجائه كبذر الرّياحين فما أن تمّ البناء حتّى تفتّحت أكماما تعبق بجميل الصّور حتّى ليلتبس علينا التّجنيس فلا نجزم أهذا النّصّ خاطرة، أم قصيدة نثر، أم مقطع حواريّ من قصّة آثر الكاتب إيثار نفسه بالمقدّمة والعقدة والصّراع والخاتمة، أم هو مونولوج تفنّن الكاتب في رسم طرفيه، الأنا ولسان حالها، حتّى أنّهما ليبدوان منفصلين كالغريبين يتحاوران في مسعى إلى تقييم الخطو ومحاسبة رحلة الوجود..

2/البناء الفنّيّ:
على أسّ الحوار انبنى النّصّ وعلى دفق السّؤال والجواب تنامى وامتدّ إلينا زلالَ قريحة عذبا..
وعلى امتداد الحوار كانت ال”أنا” وال”أنت” وال”أنتم” ضمائر حولها تدور الحكاية ومنها تنبجس وإليها تنساب نصّا بأرقّ ترانيم الرّوح رقراقا..
ولشدّ بناء يكون مرصوصا في هذا النّصّ عمد الكاتب إلى الاسترفاد من النّصّ الدّينيّ تقريبا للصّورة المرسومة من القارئ إيمانا من الكاتب بأنّ مخاض قريحته بجنين الرّوح أعسر من أن يدركه القارئ العابر على ضفاف نصّه..
ومن الاسترفاد في النّصّ أنتقي ما يلي توقا إلى سبرما أمكن من أغواره:
*أصبحتُ يوسف دون قميص: والقميص كان وسيلة الإخوة الكاذبين في رسم حبكة ادّعائهم وطمس معالم خداعهم وهم يقدّمونه لأبيهم، كما كان حجّة مُرسلة من يوسف مع نفس الإخوة برهانا على سلامته معيدا البصرَ مُجليا الحقَّ.. وشاعرنا يوسف بلا قميص يواري خداعه ذاته أو يثبت له أنّ خطاه حقيقة وأنّ ما يقدّمه يقينيّ..
*”الان وقد عُلّمت الأسماء كلّها”: آدم يبرهن للملائكة أنّ اللّه عليم وهو يسمّي كلّ شيء باسمه والملائكة يعجبون فيقول لهم المولى”ألم أقل لكم إنّي أعلم ما لا تعلمون”، فمن يكون آدم في النّصّ؟ إنّه الفعل علّمه خالقه الإنسان أن ينطق بكلّ ما يعلم فوق ما يعلمه الآخرون، فما نطق بالبرهان وما حقّق المنشود ومابه بات فاعله/خالقه ساميا على سائر الموجودات.. بل بات يردّد “أنا نبيّكم الكاذب”..
وفي متاهة الزّمكان غير المحدّد بمؤشّرات يرقّ الكاتب لحالنا قرّاء نلهث خلف بارقات فهم المتن أوإدراك بعض سماته، فيسرّب إلينا إشارة إلى مكان الحدث(رصيف فرنسيّ) لينطق النّصّ ببعض جوهر المكابدة فيه وهو الاغتراب..

3/موضوع النّصّ:
تيمة النّصّ الأيقونة هذا هو الاغتراب بضلعيه: المادّيّ والرّوحي.. وقد جعل الكاتب لكلّ منهما مؤشّراته الدّالّة عليه.
**الاغتراب المادّيّ هو اغتراب الجسد. ويكون بحلول الإنسان في موطن غير موطنه فتكون الغربة الصّغرى لأنّ حضن الوطن لا يزال يضمّه، وبحلوله في وطن غير وطنه فتكون الغربة الكبرى حيث لا انتماء ولا هويّة خارج الذّات..
وقد دلّ الكاتب على هذا الاغتراب في موضعين هما: على رصيف فرنسيّ / منفاك
لكنّ قراءة واعية للنّصّ تكشف أنّ مكابدة السّارد ذا الاغتراب يبدو هيّنا أمام كلكل الغربة الرّوحيّة التي بمجامرها يتلظّى..
** الاغتراب الرّوحيّ فيه تُلفي الرّوح نفسها خارج دائرة الموجود تائهة في دروب الوجود لا صدى لصوتها ولا أثر لخطوها ولا فَوح لزهرها ولا مذاق لانسكابات دفقها..
ونجد في النّصّ المحاور الأوّل واصفا هذا الاغتراب في مايلي من أقواله مخاطبا ال”أنا”:
/تسابق نفسك بحثا:
_ عنك
_عن ظلّ ينير عتمتك
_عن طيف يطفئ عطش اشتياقك
/منفاك الحقيقيّ هو ابتعادك عنك، عن اللّاشيء حولك
ليؤكّد ال”أنا” هذا الاغتراب قائلا:
/”أنا عالق هنا..
/ابتعدتُ حدّ ابتلاع ملحي
/أغرس حلمي بين ضلعي الزّمن
ولعلّنا بتجلّي غربة الرّوح ذي نستجلي مقاصد ذا النّصّ..

البوح في “ليتني ظلّ”:
عتبة النّصّ/عنوانه، أمنية “ليتني ظل”، وليت ناسخ يفيد التّمنّي ويدلّ على استحالة تحقّق المُتَمَنَّى في الفعل. وإذ السّارد يتمنّى أن يُمسي ظلّا فأيّ ظلّ يتمنّى لو كانه؟
على امتداد النّصّ يكشف الحوار عن توق السّارد إلى أن ينشئ لنفسه وجودا خارج الموجود بحثا عن نبوّة وجوديّة فيها يسمو عن فراغ مواضع الخطى من كلّ أثر وهو ما سُمّي في النّصّ “اللّاشيء”..
لكنّه كان توقا مشدودا إلى الموجود مكبّلا به فما ظفر بغير خواء الجهد إذ نجد السّارد يقول:” أطوف مقيّدا بقشرتي الدّنيويّة، ولسبب ما أشعر أنّ القيد يتحرّر، يطوف بي، لأقع في هاوية مظلمة أكثر ممّا تخيّلتُ، حيث الفراغ!!”
فكانت نهايته الفشل وكان القنوط وكان الاستسلام للموجود يفرض نواميسه ويسلب المنشود الضّياء فما ظفر السّارد بشيء منه وإن ظلّا له..
في غمرة وجع كشف فشل الرّوح في الرّفرفة خارج مدارات الوجود المادّيّ في تجربة صوفيّة ما أدركت “قواعد العشق الأربعين”..
وما غفل الكاتب ،وهو يحمّل السّارد رسالة التّذكير بضرورة إدراك تلك القواعد لنجاح الارتحال الصّوفيّ نحو الذّات وإدراكها والسّموّ بالرّوح عن الجسد نحو الذّرى نأيا عن سحيق مهاوي الوجود المادّي الذي فيه يكون الإنسان “حرّا كما الموتى” وتمسي خطاه تردّد أن إنّني ” أقف منتظرا العدم”، أن يجعل لسان مخاطبه يمرّر حكمة الحياة (لكلّ قدر أوانه ولكلّ ثمر موسم قطاف)، وهو يردّد:” لأنّ دورك لم يحن بعدُ/ الان منتصف زمانك وخيالك الفضّيّ، منتصف كلّ شيء”، وما عاد من وسط الدّرب إلّا أحمق..
تلك صراعات الرّوح بين الموجود والمنشود وبين المحسوس المادّي الثّقيل والمجرّد الشّفيف السّاميّ والاستسلام لمحدوديّة الفعل وعبثيّته وعدميّته والايمان بأنّ الفعل لا ينتهي الا بالموت الذي به يبدأ إشعاع الخلود…
فهل لنا أمام هذا النّصّ غير العجب والدّهشة والوقوف تحيّة لمبدعه وإجلالا لقريحته؟!!
سلمت القريحة ولا نضب هذا الدّفق العذب

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
هوى
التالي
قراءة نقدية في نص “ليتني ظل”

اترك تعليقاً

*