القصة القصيرة

شروق الشمس

شروق الشمس
بعد عشاء، جلس يتبادل أطراف الأحاديث مع رفاقه، احتساء الشاي زاد من متعة السمر. ضباب الليل البهيم؛ وقف على الباب كأنه غراب ينعق بصوته القبيح:
– “على الجميع النهوض بسرعة، سيادة الضابط ينتظركم في غرفته”.
استحال الليل أكثر عتمة، يسيرون معا ويتساءلون؛ ماذا يريد منا الضابط في وقت راحتنا؟ صفقات وقع أقدامهم تعالى مع ارتفاع أيديهم وهي تؤدي التحية العسكرية، نظر إليهم، وقال:
– اذهبوا مع النائب ضابط جبار لأداء واجب مهم صدر من القائد آمر الفرقة.
غيّم القهر على لحظات الراحة المسروقة، لا سبيل للعصيان، انطلقت بهم السيارة، وقفت على مرتفع من الأرض، ترجل الجميع، أخذوا معهم المعاول والمجارف، سار أمامهم نائب الضابط، شاهدوا شواهد على الأرض تدل على أنها قبور لأطفال…
– “ها هنا، احفروا!”. قالها غير مكترث.
– سوف يكون لنا مواضع هنا لمراقبة العدو.
– كيف نحفر هنا، هذه مقبرة أطفال؟!
– نفذوا الأوامر، وإلا سوف تعاقبون!
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قالها في سره، وعزم على العصيان.
– سيدي، هل يرضيك أن نحفر في مقبرة أطفال ونخرج جثثهم؟!
– لا مشكلة، هؤلاء أطفال أكراد.
– سيدي، الأطفال بشر، موتى لهم حرمة؛ أين الإنسانية؟
– أخرس، يا…! إما أن تحفر مع بقية الجنود؛ أو تسكت.
تنحى جانبا على مضض، يرى زملاءه يحفرون والتذمر خليط مع الغضب والخوف، كلما وجدوا عظام نخرة؛ تقيأت أنفسهم الضجر.
– العقوبة أهون على نفسي من عمل قذر.
قالها، وهو يدرك مصير عصيان الأمر العسكري، لكن كان يهون على نفسه ما سوف تؤول إليه الأمور.
عند عودتهم إلى مقر الفرقة، أخذهم جبار إلى غرفة الضابط، وحكى له عن عصيان محمد، الغضب بان على ملامح وجه الضابط؛ الذي توجه بكلمات لاذعة لمحمد، ثم أمر جبار بأن يأخذه إلى ضابط الانضباط العسكري. كان يدرك معنى إحالته إلى الانضباط الذي لا يرحم أي جندي، فأخذه الخيال نحو غرفة التعذيب.
في الطريق إلى غرفة الانضباط، نفّذ ما خطط له قبل لحظات، ففي أول غفلة لـــ(جبار) أنطلق مع الهواء نحو الخلاص والحرية، واضعا يده فوق العتمة؛ يتكأ عليها، لا يريد التنازل عن قدر حرك ساقيه فوق فوهة البركان، لا ينفع التراجع بعد انزلاق القدم، الهاوية سحيقة، عميقة، بعمق النفس المتشحة بلباس الحزن، ينازع البرد في سبيل كيان يجمع بقية شتاته، ليل بهيم، وحش لا يعرف النور، يركض…
يسمع وقع أقدام تركض خلفه، ربما مجرد خيال لا حقيقة له، هواجس الخوف تصنع تلك الأصوات، المهم لا عودة إلى الوراء رغم حلكة الليل، يواصل محمد الركض مع أنفاس تتقطع وتكاد تتوقف من الرعب، تنزلق قدمه في الهاوية؛ ينحدر بقوة على شكل كتلة تتخبط بالأرض، أنقذه الارتطام بالماء الآسن، بالكاد يجر نفسه خارج ذلك (البزل) العفن…
جسد ضعيف أثقلت كاهله أكوام الطين العالقة مع شدة البرد. شمر ساعده يحاول إزالة العوالق، نهض من جديد يحث الخطى ضاغطا على أعصابه وقدميه، الخوف من إدراك الملاحقة يشد العزم نحو الانتصار على قواه الخائرة، تابع السير حيث لا يعلم، الفرار نحو النجاة إلهام من النفس.
من بعيد شاهد أضواء كثيفة، ربما أنها قرية! قالها والفرحة زادت من عزمه وإصراره على المضي، ارتعاشات الجسد في البرد القارس يخف مع أشغال الجسد بالحركة، الإسراع كان سببا في عثرة أخيرة جعلته يتدحرج من الأعلى إلى الأسفل كأنه كرة، على الرغم من الجروح لكنه نهض من جديد.
كانت مزرعة الدواجن أول ما وصل إليها، دخل على حذر شديد خوفا من وجود الحارس، راح يتجول في المكان، لا أثر لوجود أحد، لاحظ غرفة يوجد فيها ما يستطيع استخدامه وسيلة للنوم، التعب أعياه؛ أغمض عينيه في أحضان الدفء.
على زقزقة العصافير؛ أستيقظ، لا يعرف الوقت بالضبط، لكن الشمس كانت ساطعة ترسل أشعتها الفضية مثل أوتار قيثارة تعزف نبض الأمل، خرج إلى الشارع، تأكد أنها قرية، أنظار تتوجه نحوه بدهشة، ملابسه تدل على أنه جندي، ثلاثة شباب وقفوا أمامه مرحبين بلغتهم الكردية، قال وهو يشير بيده لهم أنه لا يعرف لغتهم، فتكلم أحدهم باللهجة العراقية، الفرح مع الخوف من المجهول شكّلا لوحة على ملامح وجهه المرهق.
أواصر الرحم العراقية تزخر بالرحمة رغم وجود نزاعات فرضتها السلطة القمعية، الشباب الكرد الثلاثة تولوا رعايته، ألبسوه من ملابسهم، وبقي عندهم أياما كانت نهايتها انهيار سلطة (هدام)…
أخيرا، كانت رحلة العودة إلى الأهل أقل خوفاً مما شاهده في سالف أيامه، لم يكن يصّدق إنه في أحضان الحياة؛ عندما كان يضع ابنه أحمد بين أحضانه ودموعه تنزل على خديه مثل زخات مطر آذار.

السابق
عبر الإنترنيت
التالي
كافيه المثقفين

اترك تعليقاً

*