قراءة في مجموعة قصصية

شعرية الكتابة السردية وفاعلية ما قبل التناص في مجموعة “على هامش صفحة”

للكاتبة فضيلة بهيليل

القراءة

في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات من هنا وهناك معتبرة أن الزمن زمن الرواية وليس زمن القصة أو الشعر وعلى ضوء ذلك وبأثر منه يتعامل النقاد والناشرون مع الإبداع الأدبي بنوع من الإنتقائية المعيارية إنطلاقا من قوانين العرض والطلب والتداول الإعلامي والنقدي السائد بالتكريس لأجناس أدبية بعينها دون أخرى …

في هذا الوقت بالذات لا يزال تتالي صدور المجاميع القصصية بين الحين الآخر ولا يزال القصاصون الجزائريون بصرف النظر عن إنتماءاتهم الإيديولوجية والجندرية وحساسياتهم الإبداعية يؤكدون نسبية مفعول بعض الشعارات الرائجة أو تلك التي يروج لها الإعلام الثقافي والأدبي ضمن حالة من شمول وإتساع فضاء الإبداع الأدبي الجدير بالتسمية والبقاء والتداول الإعلامي والنقدي المنتج لقيم نصية وإبداعية تسمح ببعض التعايش والتداخل ما بين الروائي والقصصي والنقدي والشعري بوعي منفتح على حقول وأنماط ثقافية متعددة التعدد الذي لايتم التعامل وفقه مع جنس أدبي مخصوص كالرواية والشعر مثلا إنطلاقا من نفوذ أو التكريس لأجناس أدبية محددة دون غيرها ولو أننا فتحنا دولاب المكتبة القصصية الجزائرية لوجدنا أنفسنا أمام سيل كبير من المجاميع القصصية الصادرة هنا وهناك بصرف النظر عن تباين الموضوعات الحاملة لها والمعالجة الفنية لها أو ” أدوات عرض المادة المضمونية ” بتعبير السعيد بن كراد من نص لآخر ومن تجربة لأخرى وهذا لا يقلل بالطبع من أهمية الكتابة الروائية والتوجهات المنصبة حولها والإهتمام بها بإعتبارها الفن الأقدر على إحتواء هموم الفرد المجتمع والتحولات البنيوية التي تعرفها المجتمعات الحديثة وكل هذا وذاك يحتاج في تقديرنا إلى متابعات حفرية ونقدية تستحق ما تستحق من الإهتمام النقدي والمساءلة النصية من النقاد والكتاب والدارسين الجامعيين وهو عمل بالطبع لايمكن أن يقوم به فرد واحد مهما بلغ من الأهمية ومن الكفاءة النقدية والعلمية ومهما تيسر له من جهد ووقت وإمكانات إنه في حاجة إلى فريق بحث أو فرق بحث تعمل على تمويله ومتابعته مؤسسات ثقافية أو جامعية ومخابر علمية قادرة على الإحاطة بكافة التجارب القصصية بعيدا عن أية خلفية إيديولوجية أو جغرافية في المركز أو في الأطراف ردما لعواصف الإنتقاء والمزاجية والشللية التي حولت بعض التجارب القصصية إلى مجرد ملاحق تابعة لكتاب آخرين أو مكملة لهم بحكم جناية الجغرافيا على بعض القصاصين المتميزين والقرب أو البعد من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية كمركز وهمي للإشعاع الثقافي والتداول الإعلامي للقضايا الزائفة والمغلوطة إلى حد طمس وعي الخصوصية والتفرد والإختلاف الناشئ عنها ولبعض نصوح الهامش أو “الهامش اليقظ ” بتعبير عبد الكبير الخطيبي ضمن مناخ ” لا زال يرسخ لسلطة المرجع والمعيار وجعل الحقيقة تأسيسا نصيا لا بحثا في مفازة الوجود وإنبثاقا من التجربة الحية “(01) المنخرطة إنخراطا في زمنها ومعيوشها صوب كتابة قصصية لها مالها وعليها ما عليها وعلى ضوء هذا أقترح على القارئ هذه القراءة لواحدة من المجاميع القصصية الصادرة حديثا لقاصة من الجيل الجديد هي القاصة فضيلة بهيليل عبر مجموعتها القصصية ” على هامش صفحة ” وهي باكورة أعمالها القصصية المجموعة إحتوت على ستتة عشر قصة تربعت على صفحات الكتاب الذي بلغ عدد صفحاته ثلاثة وتسعون صفحة تباين حجمها من قصة لأخرى مابين القصة القصيرة ذات النفس القصير والقصة القصيرة الأقرب إلى القصة القصيرة جدا إستحضارا ومعنى ثم القصيرة ذات النفس الطويل جدا الأقرب إلى النفس الروائي فما دلالة هذا ….؟

ترتيب النصوص
القارئ لهذه المجموعة القصصية سيقف بلا شك على منهجية واضحة إعتمدتها القاصة ولا اعتقد أنها من عمل الناشر تتمثل هذه المنهجية في تتريب النصوص ضمن الكتاب الحامل لها ” كسلعة أدبية ” بتعبير أبير ميمي حسب حجم النص فنقرأ في البداية عددا من النصوص القصصية الأقرب إلى القصة القصيرة جدا وهي فيما يبدوا ثلاث نصوص لا أكثر ( أنا أفكر – لا يعنيني – ضريبة باهضة ) تليها النصوص الأكثر حجما ثم أخيرا النصوص ذات النفس الطويل الأقرب إلى النفس الروائي وكأني بها أرادت السير مع القارئ بشكل تصاعدي لتمكينة من مضاعفة فعل القراءة للإنخراط في مناخات نصوصها بالشكل الذي تراه قادرا عليه خاصة إذ كان الأمر يتعلق بالقارئ العادي الغير متعود على القراءة التي تستغرق منه وقتا طويلا قد لا يصبر عليه وهي طريقة جديدة تكاد تكون غير مألوفة أو منتبه لها في إطار قواعد النشر نشر المنتوج القصصي أسوق هذه الملاحظة أو المعاينة الشكلية تمهيدا لتحصيل المعنى والدلالة من باطن النصوص التي حملتها المجموعة القصصية على هامش صفحة ” كأنتاجية نصية ” بتعبير كريستيفا عبر هذه القراءة المفتاحية

العنوان / على هامش صفحة
ضمن النصوص الستتة عشر التي إحتوتها المجموعة القصصية ” على هامش صفحة تقع قصة ” على هامش صفحة ” في الترتيب الأخير وبالتالي فهي تحتل موقعا بارزا في مخيال الكاتبة ولذلك إختارات هذه القصة بالذات لتجعل منها عنوانا لمجموعتها القصصية لماذا هذه القصة بالذات دون غيرها ….؟ الجواب طبعا ليس في إمكاني وليس في إمكان أي القارئ ولا أعتقد في مجانية هذا الإختيار وهو أختيار موفق فيما يبدوا على الرغم من وجود نصوص أخرى في المجموعة بعناوينها الأكثر جاذبية وإغراء للقارئ ومهما يكن فالعنوان بما هو المدخل الأساسي الذي يمكن القارئ من الولوج إلى باطن النص وقراءة محموله الإبداعي والفكري وفض ما تنطوي عليه جمالياته وأدواته الفنية وعناصر تشكله كنص إبداعي مادته اللغة لغة الكتابة الإبداعية بكافة أشكالها والعناصر الثاوية فيها ” فمن خلاله تتكشف معالم أساسية تنتج الدلالات العميقة لأي نص ” (02) ومن خلاله ” يتأسس التفاوض بين الخارج / القارئ والداخل / النص” (03) فالقارئ يبحث عن عنوان مغرلأنه واجهة الكتاب ولابد لهذه الواجهة أن تنال العناية القصوى من منتج النص لإستدراج القارئ إلى فضاء النصوص وحثه على فعل القراءة هذا ما جعل الكاتبة أو الساردة الخارج نصية تحرص كل الحرص على إختيار عنوان يحمل رمزية قصوى وبحتل النص الحامل له مكانة مميزة في مخيال الكاتبة وهو نص من بين النصوص الأكثر حمولة لهموم الكاتبة كأنثى في مجتمع ذكوري لم تتواني القاصة في خروجها المتعمد عن الأنساق المكرسة في الكتابة السردية الأبوية الواعية أو اللاواعية وفيما يبدوا فالعنوان “على هامش صفحة ” عنوان غير متداوال بالمرة وتكمن جديته في البعد الدلالي والرمزي الذي حمله النص ذاته ” على هامش صفحة ” بما ينسحب على أجواء المجموعة القصصية كلها وبالتالي لا يمكن فصله عن طبيعة المتن أو المتون التي تتصدرها المجموعة القصصية كلها خاصة وأن هذا النص وغيره من نصوص المجموعة مكتوبة بضمير المتكلم الضمير العائد على الساردة الخارج / نصية وهي هنا الانثى في بوحها من حيث هو جزء لا يتجزأ من أوجاع الكاتبة ومن بنية المحمول الإبداعي للساردة في رحلتها مع الكتابة وكذا الحال مع مختلف النصوص الأخرى

المتكآت النصية و” فاعلية ما قبل التناص “
تلجا الساردة في مرحلة ما قبل النص إلى إفتتاح نصوصها القصصية بإستهلالات هي في الأصل استحضارات لأقوال وشذرات من نصوص عدد من الكتاب والشعراء على غرارديكارت وباولو كويلو وفاروق جويدة ونزار قباني وأحمد شوقي وبولنوار عبد الرزاق وعبد الحاكم بلحيا وغيرهم رغم الفروقات الناشئة بينهم جميعا والتمايزات الحاصلة في مكونات رؤياهم الإبداعية وإختلاف الأزمنة والمعطيات الثقافية التي تشكل وعيهم بها فيما يشبه “المتعاليات النصية” بتعبير جيرار جينيت أو كأحد أهم فداحات ” الوعي الممكن ” بالمعنى الذي ذهب إليه لوسيان غولدمان للمتكآت السردية التي تنبع منها رؤيتها السردية وهي لا تكتفي بذلك بل نجدها أيضا في قصة ” قصيدة معلقة ” تؤثث مواد هذا النص على جملة من التناصات والإستشهادات ببعض المقاطع من ديوان شعري للشاعرة لخضاري صباح بعنوان ” أهازيج الروح ” ليست من قبيل التناص كما نعرفة بأنه تلك العملية الإبداعية الغير الواعية فتلتقي بعض مناخات النصوص المتباعدة دون وعي من منتجها فهي على العكس من ذلك تماما إذ تتعمد فتح حوار صريح مع نصوص واحدة من بنات جنسها وهي الشاعرة والجامعية لخضاري صباح عبر ديوانها (أهازيج الروح )عبر آلية هي أقرب إلى ما يسميه الدكتور وفيق سليطين ”بفاعلية ما قبل التناص” وهي لا تتردد في ذكر إسم الشاعرة بوضوح في نص إبداعي من المفروض أنه يومئ ولا يصرح فالنص الإبداعي كما نعلم جميعا هو خطاب جمالي و فني قبل أن يكون خطابا آخر والكاتب المبدع في النهاية هو مبدع وفنان وليس خطيبا لكن هذا لا يعني أبدا أن يخلو النص الإبداعي تماما من الرؤية أو الرؤية الإجتماعية بالمعنى السوسيولوجي وهذه الرؤية موجودة في أغلب النصوص الإبداعية وإن بدرجات متفاوتة وأحيانا تتمظهر بشكل ضمني بما في ذلك تلك النصوص التي يدعي أصحابها التجريب وتفجير اللغة من الداخل فأغلب الكتاب الكبار في العالم يقدمون نصوصا للقارئ تصدر عن رؤيا عميقة بالحياة والتحولات المفصلية التي تعرفها مختلف المجتمعات التي جاءوا منها فالإبداع مثلما يقول أدونيس متحدثا عن الشعر هو ” تأسيس بالرؤيا ” ومع ذلك فنحن أمام محاورة ممتعة بين صوتين إبداعيين الصوت الأول هو صوت الساردة فيما الصوت الثاني هو صوت الشاعرة لخصاري صباح التي تحضر في هذا النص” كنص غائب ” أو مرجعي ليس هذا فقط بل إننا نقرأ في هذا النص من خلال حوار إبداعي يملك رؤيا متكاملة لنتاج الشاعرة لخضاري صباح الشعري ومسيرتها ورؤياها الإبداعية مستفيدا من معرفتها الخاصة بها ويتكوينها الثقافي ومن قراءتها العميقة لديوان “أهازيج الروح” كل هذاتستخدمه فضيلة بهيليل في مكانه فيدخل في نسيج نصها القصصي كجزء عضوي منه وكعنصر إضاءة لمضمون هذا الحوارالإبداعي وعوامل كشف لغوامض ما إكتنف سر الغيتارة ” فوحدها القصيدة ظلت معلقة في الفضاء ووحده الديوان ظل مفتوحا على بياض الصفحة ” (04)

اللغة والسرد الأنثوي في ” على هامش صفحة “
مما لا يحفى على أحد أن اللغة لغة الكتابة الإبداعية لست بريئة تماما وأنها تخفي داخلها بعض قوى مستعمليها بكل إحالاتها الدلالية والسميائية التي تتناص مع الأنساق الثقافية الرمزية المهيمنة والكامنة فيها وفي دوالها وتشاكلاتها النصية وعندما يتعلق الأمر بالكتابة السردية النسوية أو الأنثوية أو ما سمته الباحثة المغربية الدكتورة زهور كرام في كتابها “طبقات ربّات الخدور: مقاربة في طبقات القول النسائي العربي والمغربي ” بطبقات القول النسائي وهي كتابة مختلفة تماما عن الكتابة الإبداعية الذكورية من حيث مرجعيتها النفسية والجندرية التي تجد تجذرها الخصوصي في بنية الخطاب الأبداعي النسوي الحامل لإشتراطات ” بيوطيقا الأنوثة” بتعبير الناقد السعودي محمد العباس الذي يستمد عناصر إبداعيته على الصعيد التيماتي من تاريخ القهر الأبوي والإستبداد الذكوري ونظامه اللساني الصارم ولاءاته وكل أبنية السيادة الرمزية التي تنطوي عليها وتوجه مسارات المثقفين الحاملين لها في عصر الإختلاف والتحولات البنيوية العميقة التي تطال الفرد والمجتمع وفي نصوص هذه المجموعة المكتوبة أصلا بضمير المتكلم وهو الضمير الأقدر على إحتواء محمول البوح النسائي المتناثر بين طيات هذه النصوص للساردة المعبرة عنها وعن هويتها الأنثوية الحاملة لإرهاصات الكينونة النسوية في بعدها الإبداعي البحت كنص إبداعي نسوي له خصوصيته النوعية ( الجندر ) أو (الجنوسة ) الذي يدشن قطيعته الجذرية مع مركزية الكتابة الإبداعية الذكورية بما يعبر في أقصى تجلياته عن انحياز خاص للطرح النسائي في الخطاب الإبداعي الطرح الذي تعاملت معه القاصة فضيلة بهيليل عبر بعض التيمات والموضوعات كتيمة الحب والعلاقات الأسرية والإجتماعية في فضاء صحراوي هو الفضاء الجزائري بمكوناته التربوية والدينية والأنتروبولوجية والنفسية وإنعكاسات ذلك على رؤيا الساردة وقدرتها الإبداعية على الإستثمار الجيد لعناصر المكان ” كمكان إبداعي ” والذاكرة الجماعية زادته ألقا لغة الكتابة التي تقترب من الشعر دون أن تحول النص إلى نص هجين يقع في ” منزلة بين المنزلتين ” ما بين الشعر والسرد مما جنبها الأنزلاق نحو هاوية الحلول الإجناسي أو” ثأر الكتابة ” كما تقول روبين سليمان عبر محددات وسمات ما صار يعرف في البلاغة العربية ” باللوازم الشعرية” والتداعياتية والنوسطالجيا والفجائعية والوقوف على الأطلال الأقرب إلى الكتابة الوجدانية لقد كانت القاصة فضيلة بهيليل واعية كل الوعي بحدود هذه المخاطرة بخصوصية الكتابة السردية ككتابه عمودها الفقري هو السرد حتى ولو حاولت الإستئناس ببعض جماليات اللغة في بعدها الشعري كبعد لا يمس مساسا مباشرا بقانون الكتابة السردية ككتابة مختلفة تماما عن الكتابة الشعرية ويوفر مناخا من التطعيم الإجناسي المنتج دون خرق أو إعتداء على خصوصية النوع الأدبي وهنا سر تميز هذه المجموعة القصصية كمجموعة تتطلب قراءات أخرى ضمن منظورات متباينة تباين ثراء القيم الجمالية والإنسانية واللغوية والبنائية الحاملة لها في عصر التعددية المنهجية

إحالات
01)متى ينتهي نشيد البجعة – أحمد دلباني – مجلة الآخر – ص107- منشورات دار التكوين – دمشق – دار الساقي – بيروت – صيف 2011
02) شعرية العتبات النصية في ديوان ” لا تجرح الماء ” للشاعر أحمد قران الزهراني – ناصر سليم الحميدي – ص 44 مجلة عبقر منشورات النادي الثقافي الأدبي بجدة عدد سبتمبر 2012
03 ) شعرية العنوان في الشعر الجزائري المعاصر – مسكين حسنية – أطروحة رسالة دكتوراه جامعة وهران – ص23 – السنة الجامعبة 2013 – 2014
04) على هامش صفحة – مجموعة قصصية – فضيلة بهيليل – ص 44 منشورات دار الكلمة 2016 الجزائر

السابق
افتراس
التالي
حلقة مفرغة

اترك تعليقاً

*