قراءة في نص

شعريّة السّرد ومرايا القصّ في نص “النّعناع والإمام”

للكاتب محمد لغريسي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تصدير
“متى كانت الحركة بشوق طبيعيّ لم تسكن البتّة”
أبو حيّان التّوحيدي (الإمتاع والمؤانسة).

مدخل:
في عصر الإعراض الفادح عن القراءة في مجتمعاتنا العربيّة لا غَرْوَ أن تسكن الكاتبَ المثقلَ بوعي عميق بسموّ العمليّة الإبداعيّة السّرديّة حيرةٌ أمام ضجيج أسئلةٍ تتهاطل عليه سهامُها كلّما احترق بتوق الحرف إلى تحرّرٍ من قُمقُم الصّمت، أسئلةٍ من قبيل:
لمن أكتب؟ هل الكتابة القصصيّة اليوم تَرف أم حاجة؟
كيف أكتب؟ هل أجاري الدّروب القصصيّة اليسيرة فأسهم في تهاوي السّائد الأدبيّ؟ أم أشقّ ثنايا الإبداع الوعرة، فأظفر بشرف المشاركة في إثراء المدوّنة الأدبيّة والارتقاء بمسارها، وإن شقيت بغربة دفق قريحتي؟
ولعلّ مطارق هذه الحيرة هي التي تقف وراء الإقبال على شعريّة القصّة القصيرة رغم قلّة عدد القصّاصين الضّاربة كتاباتهم في دروب هذه المغامرة الإبداعيّة المعانقة منهج التّجديد والإضافة.
وإنّ ما تجود به قرائح هؤلاء القصّاصين رغم عددهم القليل يمثّل هبات نفيسة لنا قرّاء، وللمدوّنة الأدبيّة التي تظلّ توّاقة لكلّ ما يثريها.
وإنّنا إذ نقف أمام دفق قريحة القاصّ المغربي محمّد لغريسي قرّاء نروم تحقيق مشاركتنا الفعّالة في ما نقرأ من نصوص عبر القراءة الرّصينة المسآلة لأسس النّصّ مبنى ومتنا، ندرك أنّه أحد هؤلاء الكتّاب المنتهجين سبل التّجديد في القصّ. ولنا في ذلك قصّته القصيرة “النّعناع والإمام” التي أخصّها بهذه القراءة النّقديّة.
وإنّها لعمري القصّة المرايا، تلك التي عليها ترتسم ظلال الذّات الفرديّة إبداعيّا والذّات الجماعيّة وطنيّا وعربيّا.

القصّة مرايا كينونة وكثافة رمز:

* القصّة مرآة تقاليد شعب:
القصّ سرد حكايا تنبجس من رحم الواقع أو الخيال. وقد آثر الكاتب محمّد لغريسي الاندساس في رحم الواقع، فيه يشكّل أجنّة الأحداث لقصّته ذي ومنه يلتقط جينات فنّ القصّ العريق. فوهبنا قصّة تعبق بروائح عادات المجتمع المغربيّ وتقاليده الخاصّة بحفل الختان، ترمي بنا في رحاب الأسرة المغربيّة التّقليديّة، كأنّنا نرنو إلى مرآة عليها تنعكس ظلال تقاليد المجتمع المغربيّ منحصرة في نقطة واحدة من جسده المتفرّد. إذ نجد هذه المقاطع القصصيّة:
[وضعت عمتي برنوس الأفراح على كتفـي،في رجلي بلغة بيضاء كأنها قطعة ثلـج مختارة ،على رأسي شرف الملوك كلهم.
وضعتني العمة في قعر ” القصعة.”
كمادة جامدة ..
كلقـمة كسكس باردة ..
مازال صوت”الغيطة”والطبل يرتفع مدويا،مازال الإمام يدفن أنيني فـي قاع الآنية الفخارية،هن بغــنج يتغامـزن ،جمهورالأطفال خلف الباب الموصد يتنظرون صرخة البطولة.
البخور يتعالى.
يرتفع بهدوء نحو الهباء.
خيـوطه العطرية تتيه من حولي،وتحجبني خلف حائط من بخار وبخار..
الشيـوخ خلف ظهري،أراهـم يدخنون،ينسحبـون بعيدا من رائحة قصتي،هم بلا شك..يسترجعون طيف أحصنتهم التي انصرفت،ويتألمون…

أطلق جدي حمامة بيضاء أمام بصري،
ولم أفهم..
قال لي:
– انظر إلى الحمامـة إنها تضحك لك.
وكنت غبيا كذلك..
خنقني الإمام بكتفه الهائلة جدا،شل كامل حركتي بصدره الثقيل،ثم فتك بقسوة بنعناعي.
وأخيـــرا..
ضحك الإمام معي بمكر،
ولم يغرد السعد في قصوري الخرافية.
أمــي تبكي وسط الجوقة المشتعلـة بخليط الزغاريد والغناء الطــري.أنا أصرخ كالقطارات البخارية..ألم فضيع يكاد يطفىء قناديلي،رحيق التوت ينساب من تحت سروالي.
نساء كن يصفـفن شعـروالدتي الأسبل،يداعبن سواده الحاتمي بحناء وزعفران،يحجبن خصلاته الفاحمة بثوب أخضرفاتح، منمنم بخيوط شمسية.
لكنهن يتركن خصلـة شاردة لي:
أقـرأها.
أفسرها بلغتي المدرسية.
وأتنفس من جديد..

مازلن يرقصــن.أمداح في كل فـم.أذكار تنبعــث من كل قفطان وجلباب.رائحة “الجـــاوي”المكي تبارك ولادة ذكورتي .
دموع تختبىء خلف صوتي.طعنة غادرة تغرس وشمها عميقا..عميقا

_بعد دقائـق مرت ثقيلة كسلسلة جبلــية.طرقـت ” إيـطـو” بابي.وضعت في فــمي مـــرقا منكهـا ب”رأس الحانوت”،ملأت خبزتي برؤوس البصل والزبيب الكروي.
تناسيــت ضجيـج القطار البخــاري الكثيف جـدا ،تقـــدمت إلى معركتي،ألتهـم أفخـاذ الدجاجــة البدوية الملونة بالثمروالتوابل والزبيب.
أكلــت الألوان بشكل فوضوي.صبت المــرأة الضخمة حليبا فـي طربوشي الأحمر.شربـت لتــرين من السعادة.
لما انتهيت من شغبي البريء..عاد بكاء الحمام الى أطرافي.

الـناس كنمل.
سكارى الحومة.اللصوص.البؤساء.الذئاب./
القرود.النحل.الصعاليك الصفوة.الملحدون..اليهود.النصارى./
كلهم حضروا حفلتي..
يجلســـون القرفصاء،يصارعــون الكسكس التقليدي،يشربــون كؤوسا من نعناع آخر،يسهرون في لغـــو مائع،ينطقون لغة سفيهـة في آخرالليل.
…..
دنا الإمام من سروالي التقليدي المذبوح.
همس لي
-احمـد الله.
ستصبــح إماما مثلي،تكتب تمائم المحـــبة للنساء،تعالج سعــال صدرهن فـي فصل الشـتاء،تخــط لهـن طلاسـم السعادة في الصيف،وسوف تصير نمرا،يزدرد الحلوى …
********
في المسـاء…
ملأ الراقصون تاجي الروماني بلؤلؤ ومحار ومرجان.فاضت الخيرات في مدني ودولتي،غرقت في نعيم الأمراء والألوان ،ها أنا وسـط الحاضرين أتباهى ببريق البطولة.
اليوم..
أنا سلطان قريتي:
أخالني بين دقات الطبــول وأنغام المزامير حاكما ساميا يصـدر الأوامر العليا،
وقـومي يسجدون تحت عرشي.] *القصّ مرآة رؤية ذكوريّة ضيّقة:
يكشف السّرد في هذه القصّة بأسلوب ساخر أسّا جوهريّا في بنيان المجتمع المغربيّ ،شأنه شأن المجتمعات العربيّة، هو تلك الرّؤية الضّيّقة التي تقرن هيبة الرّجل بسحره الآسر للنّساء، أسرا به يكون له “حرملكه” الخاصّ الذي به يتباهى و”يتبختر” على أجراس الزّهوّ به، ويمسي هذا الفخر منالا يتوق إليه الطّفل ويضحي الختان أولى الخطوات الموفدة إلى دروب الظّفر به.
وقد تجلّى لنا انعكاس ظلّ هذه الرّؤية الضّيّقة المدعاة للانتقاد السّاخر من خلال المقاطع السّرديّة التّالية التي نثرها الكاتب في زوايا متعدّدة من قصّته هذه:
[ها أنا أتبختـر كالسندباد البحري فوق حصاني الأزرق،يتحـدث معي ويحكي لي،وأنا أتخيل نفسي ذكرا مثله يصهـل ويسرق الـنساء.

_النســـاء خلـف حفلتي،يمسكن بين أنامل الحليـــب شمعتي،وهن يحدقن في سروالي المنقـــوش،كأنهــن يشجعن فاكهتي على اكتساح الروابي والمروج..
_أريــــد أن يكون نعناع طفلي مشـرقا.إذا لم تغن الحمامــة لابني في ليلة العرس ولم تضحك له الحبيبــة قبل صلاة الفجــر.فإني سوف أهشم عظامك القديمة بفأسي..] *القصّ مرآة تاريخ أمّة:
مثقلة جراباتها بتاريخ أمّة ما انفكّت تتهاوى نحو سحيق الوجع منذ قرنين أو أكثر تهادت إلينا أحداث قصّة “النّعناع والإمام”، مذكّرة بحقبة تاريخيّة وهنت فيها قبضة الرّجل العجوز بلجام راحلة الدّولة الأمّ وتهاوى “طربوشه الأحمر” تحت نعال الغرب “حماة” و”منتدبين” منتهكين الأرض والعرض، سالبين الثّروة والعزّة ذات “نومة” ، ومعرّية في آن واقع سائد استبدل فيه أبناء الأمّة الجوهر بالعرض، “اللّؤلؤ والمرجان وريق الحريم والتّاج وعود زرياب والشّعراء…” ثروة وحضارة وهويّة، بقِشر الوجود سياحةً وانقبارا في الماضي حتّى التّعرّي من أبراد الهويّة وانكشاف عورات الوجود المبتور الذي يكاد يكون عقيما…
إنّنا نستجلي كلّ هذا ونحن نلفي الكاتب يقول على لسان بطل القصّة:
[أقبلت”إيـطـو”..
مزقـت طربوشي الأحمر..
اخـتلست ثروتي وبطولتي..كنت نائما.سألتها:
– أين باب مملكتي يا بنت الثعلب ؟
ردت:
– أنــت جميل كحرف النــون،فـلماذا تزفـر؟ أتريد أن يفترسك الغول الذي يسكن في مغـارات “تازة”؟
قلت:
– أريد تاجــي. وخزينـتي..؟
أيــن اللؤلــؤ.؟ أيــن ريق الحريم ؟
أيــن المرجــان.؟ أيــن عــود زرياب ؟ أيــن الشعــراء؟
قالت :
-عندما سينمـو شاربــك، سأشتري لـك قميصا بلا أزرار..كي تطــيـرعالـيا.عالـيا.
هـل زرت الأهــرامات ؟
هل زرت مغارة هرقـــل؟
هل زرت بلد الغـول؟
غضبت :
-لا أنت تكذبين..عندما ستموتين، سيقــذف بك الحاكـم العام من أعلى القلعة.
أنت لصة ماكـرة.
أنت سطوت على تاجي ،
انتشلت ذلك الصحن الفخاري من إقـليم “عـبدة “
اختلسـت بيض النعامة من”واد الذهب “.. وباقة الخزامى من تاجر “موغادور”.]

* القصّ مرآة إدراك:
أنّى للقصّ أن يكون تلك المرايا آنفة الذّكر دون أن يكون مرآة عاكسة لبواسق وعي وإدراك؟
وأنّى يغفل كاتب أبدع في ملء جرابات قصّته ذي بالواقع كائنا مستمرّا وكائنا ماضيا ولكنّه متواصل كداء عضال ما انقضى، عن الإقصاح عن وعيه العميق بالوجع ومنابعه؟ !
لقد عانق الكاتب محمد لغريسي شخصيّة قصّته فتعلّقت بكلكل شواغله وحملتها عنه حتّى علا أنينها فألفينا هذا الذي كان صبيّا يمتطي صهوة الحلم ويسلم النّعناع للإمام صكّ عبور نحو “أمجاد الرّجولة” يقول:
[_ وكنت غبيا ،لا أفهم ما خلف الستار.؟
_سا ذجا كنت هذه الليلة
_وكنت تافها كذلك..
أصــدق الخرافات والكلمات.] مقرّا بسذاجة سكنت الفكر العربيّ، وغباء أعتم خطاه، وتفاهة عقل تتمسّك بأذيال الخرافات البالية… لكنّه في ذات النّصّ يومئ إلى بشائر تحرّر الفكر من درن تلك البوتقة إذ يقول:
[_مازال أبي يلعب بالسبحة..
وأنا أعاتب صامتا هذا الإمام الذي غدربي…
– حقـــا على يديك تعلمت أول حروفي الكوفية.
حقـــا أنت علمتني كيف أحفـظ ألواحي القرآنية في كل مساء وصباح.
أنــــت أنرت لي الطريق فتجلت لي آيات الحق وأمجاد السماء…أنت سلمت لي المفـتاح.
لكن..من أي القارات قــدمت لتعذبني ؟] إنّها تلك الحيرة التي تعقبها دهشة تفضي إلى سؤال ينحت أولى درجات الصّرح نحو التّأسيس لواقع أسّه إدراك الحقيقة فهدما لمقابر الجهل والتّخلّف وتشييدا لقلاع الرّقيّ والارتقاء بالوجود حصنا منيعا يذود عن الهويّة ويحقّق للخطى فيها الخلود…
إنّ الكاتب محمد لغريسي أبدع في جعل قصّته مرايا تزخر بصور واقع شعب تقاليدا وتاريخا وفكرا، حتّى أنّنا نلفي الإبحار في ثنايا السّرد ممتعا مشوّقا ننشدّ إليه حتّى الجملة الأخيرة.

الرّمزيّة مطيّة القصّ:
لقد وهبنا الكاتب محمد لغريسي قصّة قصيرة تزخر بالإلماح عبر الرّمز خالقا بذلك غموضا مغريا بمساءلة النّصّ، فَتَوقا إلى الفوز بالدّرر الدّلاليّة المخبوءة في ثناياه. ذلك أنّ القارئ المؤمن بأنّه الشّريك الدّائم في انتساج النّصّ باعتباره “صفحة البياض التي يكتب فيها النّصّ جسده” كما وصفه الدّكتور جاسم خلق إلياس في كتابه “شعريّة القصّة القصيرة جدّا”، يَبِينُ له وهو يدقّ مطارق السّؤال على هيكل المفردات، ويُعمِل مشرط التّفكيك في جسد العبارات والتّراكيب أنّ الكاتب يرتقي بالقصّ من مقام المؤانسة والإمتاع إلى مقامات كشف جواهر الأمور عبر مشاكسة القارئ واستفزازه دعوةً منه إيّاه إلى شقّ عباب الاستقراء حتّى الإبداع موقنا بمبدإ أنْ “لعلّه ليس شأن الكاتب الجدّة والطّرافة وإنّما هو أن يفترق على يده الجوهر عن العرض العارض”_محمود المسعدي/ مقدّمة”حدّث أبو هريرة قال”.
فنقف ونحن نجوس في ثنايا القصّ المعتمة على دلالات ليست تلك التي نخالها تسكن الكلمات، دلالات واراها الرّمز وأومأ إليها سياق القصّ لتكشفها آليّات علم التّأويل. ومنها أذكر ما يلي:

الأب: هو المتكفّل بتربية الصّغير ورعايته وإن لم يكن والده. وقد جعله الكاتب رمزا للرّاعي المسؤول عن رعيّته حريصا على سفاسف وجودهم الإنسانيّ متغاضيا عن جوهر ذلك الوجود.
الإمام: هو من يتقدّم الصّفوف في الصّلاة ومرشدهم إلى سبل الهدى وهو الأسوة المقتداة من طرف الجماعة، رامزا في النّصّ إلى القدوة السّيّة المثقلة خجلا، المفرغة من يقين الفعل الخلّاق.
الحصان: فخر العرب قديما حتّى أنّهم كانوا يولمون الولائم لولادة المهر كما يولمونها لبزوغ شاعر. هو مطيّة الفارس للظّفر بمناه طريدة كانت أو غزوة أو فتحا. والكاتب يمتطيه رمزا للحلم الوليد فيه والأحلام المترمّدة في سابقيه إلى مضمار الوجود الرّشيد في أمّته، فنجده يقول:” الشيـوخ خلف ظهري،أراهـم يدخنون،ينسحبـون بعيدا من رائحة قصتي،هم بلا شك.. يسترجعون طيف أحصنتهم التي انصرفت،ويتألمون…”
النّعناع: نبتة سماتها النّضار والهشاشة والعبق العذب، كالعربيّ تينع في المناخ الحارّ، في رمزيّة واضحة للوجود الهشّ لهذه الأمّة منذ قرنين ونيف…
*السّندباد البحري: هو شخصية بحّار خياليّة من شخصيّات ألف ليلة وليلة الدّائرة حكاياتها في الشّرق الأوسط. الأمكنة في حكايته بغداد وأفريقيّة وجنوب آسيا. سفراته سبعة، وقدره أهوال ومصاعب، ومآله نجاة. شخصيّة حضرت في النصّ مشبّها به، تنضح بالرّمز إلى الوجود البائس للإنسان العربيّ، عبقة بالتّفاؤل أملا في انحسار الوجع وتلاشيه بإشراقة غد فيه نجاة وظفر بأوبة إلى الذّات…
ايطو: اسم اقترن بالفتاة الأمازيغيّة الرّاعية العليلة التي شفاها العسل المهجور الذي لم تطله يد إنسان إلّا يد من أنقذها، ليقتلها فيما بعد وقد عشقت منقذها من فرط الهيام. وقد حضرت في القصّة هذه شخصيّة فاعلة محاورة، سالبة الثّروة والحضارة والسّلطة والهويّة واعدة بالسّراب، رامزة إلى الافتتان بالثقافة الغربيّة ذاك الافتتان المتهاوي بالإنسان العربيّ نحو سحيق المهاوي حضارةً وهويّةَ وكيانا.
*الغول: رمز دالّ على الوهم. ثلاث ليس لهنّ وجود/ الغول والعنقاء والخل الودود.
الطربوش الأحمر: رامز للحقبة الأخيرة في تاريخ العرب أي الحقبة العثمانيّة التي سبقت الاستعمار والانقسام إلى دويلات بداية القرن العشرين
وتمزيقه مومئ إلى هذا الشّتات الذي نكابده حتّى اليوم.

خاتمة:
هكذا كتب القاصّ محمد لغريسي ببهاء جليّ حكاية الإنسان العربيّ بقلم مغربيّ يصوّر عادات مجتمعه في ختان الأولاد، ساخرا من رؤية ذكوريّة ضيّقة صادحا بوعي إنسانيّ وأدبيّ عميق، ناثرا بالرّمز على الجرح الدّامي كثيرا من ملح التّعرية سردا ووصفا.
وما تحقّق هذا البهاء بمتن قصّة “النّعناع والإمام” أحداثا ورموزا فقط، بل إنّه قد اكتمل بتوسّل كاتبها بشعريّة القصّ النّاطقة بوعي لغويّ يتحكّم في خصائص القصّ وتقنيّاته، يمتطي صهوة البلاغة للرّسم بالكلمات حكايا الإنسان، المتلاعب بالتّراكيب والتّنقيط والتّنضيد البصريّ تلاعبا تطرب له الرّوح وتنتشي ويستعذبه الفكر وبشهده يُثرى المسار الأدب ويرتقي…
والشّعريّة في قصّ أطوار هذا الختان والإيماء إلى تاريخ هذه الأمّة تفصح عن وعي إبداعيّ عميق هو ذاك الوعي ” بفاعليّة قرائيّة تستكشف ال(كيف)وتعيّن ال(ماذا) لاستنباط القوانين الدّاخليّة التي تتجكّم في جماليّة النّصّ كلّيّا” كما وصفه الدّكتور جاسم خلق إلياس في كتابه ” شعرية القصة القصيرة جدا”.
فظفرنا ونحن ننتهي من قراءة متمهّلة رصينة إلى أنّ هذه القصّة تؤكّد أنّ القصّ الحديث يسير بخطى حثيثة نحو استرجاع ألق القصّة القصيرة بأبراد جديدة يوشّيها الكتّاب بدرر الشّعريّة العذبة ولآلئ الرّمزيّة الوضّاءة و بديع المتون التي تسع جراباتها ما يشاؤون لها أن تهبَ القارئ، اعترافا بدوره الفعّال في العمليّة الإبداعيّة واستدرارا لمزن النّقد الذي تكاد تضنّ به المجالس الأدبيّة في عصرنا.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
النعناع والإمام
التالي
التباس

اترك تعليقاً

*