القصة القصيرة

شواهد

غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 8 م2 ،في الجانب الأيمن وضعت مكتبة ضمت أكثر من 500 كتاب وقصة وديوان ومنجد ومجلة كان عمر معتادا على ترقيمها وختمها باسمه …بجانب المكتبة وضع كرسي بلاستيكي بوسادة صغيرة مزركشة اشتراها من “درب غلف” بدريهات قليلة..

في الجهة الأخرى وضع سرير يتيم و لكنه موضب بدقة وعناية…ملصقات من الذكر الحكيم والدعاء المستجاب و بوستيرات طبيعية زينت الغرفة على أكثر من جدار….صورة أبيه الذي لم يره في حياته هي الأخرى قد أخذت مكانها المميز على الجدار …

عمر وحيد في غرفته ،قاعد على جانب من سريره ،يمسك شهادته الجامعية…يقرأها عموديا وأفقيا…تستوقفه درجة حسن جدا…لقد وضعها في إطار خشبي جميل كلفه 100 درهم بعدما استنسخ منها 20 نسخة مصادق عليها…حملق في مكتبته …تذكر التحاقه أول مرة بالجامعة ..الذهاب والإياب في الحافلات أو الدراجة النارية أو على الأقدام إن اقتضى الأمر ذلك….تذكر مدرجات الجامعة….حلقات طلابها وتجمعاتهم ….رجال أمنها في هدوءهم ووداعتهم وفي وثورتهم وبطشهم….تذكر طالباتها على اختلاف ألوانهن وأشكالهن وجرأتهن التي تفوق جرأة الذكور في سلوكاتهم….تذكر خزانتها المليئة بالكتب والمراجع والبحوث الجامعية …مساحاتها الخضراء الداخلية والخارجية…تذكر “فضيلة “صديقة دراسته الثانوية والجامعية …تذكر صديقه المعطي الذي كان يؤرقه اسمه ويعذبه
وغالبا ما كان يطلب من عمر أن يناديه باسمه العائلي “محسن “ولا سيما إذا كان بين ثلة من الطالبات…لكن عمر كان يستغل تواجد صديقه مع ثلة من الفتيات فيناديه بلهجة غليظة ومفخمة :”وا المعطي”…لكن هذا الأخير لا يعير النداء اهتماما و كأن الاسم لا يخصه….

ما زال عمر يتملى بالنظر إلى شهادته الجامعية …يستشرف المستقبل يحاول أن يخترق الغيب ويرى طالعه…حلمه أن يكون أستاذا بالثانوي ما دامت آفاق الالتحاق بالسلك العالي مستحيلة على الأقل في الوقت الحالي…تنهد تنهيدة عميقة ..وتمنى خيرا…
أطلت عليه أمه من النافذة وهي تبتسم كعادتها وقالت :
– تعال يا بني فالغذاء جاهز..
– حاضر يا أمي ..إني فعلا أتضور جوعا…
أعاد الشهادة إلى مكانها بعد ما بخ زجاجها بهواء فمه ،ومسحه بطرف قميصه ذي الأكمام الطويلة…تذكر مقدم الحي الذي رآه أكثر من مرة يبخ طابعه الذي يخرجه من قب جلبابه قبل أن يختم ورقة او شهادة ما …ابتسم و همهم في قرارة نفسه :أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه….

التحق بأمه…مائدة حوت كل ما تشتهيه الأنفس…يبدو أن الأمر يتعلق بمناسبة ما…نظر إلى أمه وأخيه وأختيه …الكل ينظر إليه والابتسامة مرتسمة على شفاههم…
– مبروك عليك شهادة الإجازة .. والعقبى إن شاء الله للوظيفة أو شهادة الدكتوراه…
أطلقت الأم زغرودة طويلة النفس ..استحسنها الجميع…ثم قالت وهي تمسح ظهره برفق:
– هيا يا ولدي بالصحة والعافية ..هذا نهار كبير…
ثم ختمتها بقولتها المشهورة :
– اللهم لك الحمد يا ربي ؛ ابني صياد ماهر وقارئ ناجح…
ضحك الجميع وشرعوا في الأكل…
ولم تمر إلا دقائق معدودة حتى طرق الباب طارق…تساءلت الأخت الكبيرة :من أتى يا ترى في هذا الوقت بالذات ؟

نهض عمر وهو يمسح يديه بمحرمة صغيرة…وضعها على كرسي في طريقه…فتح الباب فإذا بالذي لا يذكر واقف قرب الباب ،ودخان السجائر قد غطى نصفه العلوي ،وكأنه مضخة دخان متنقلة …ربع القامة …نحيف الجسم …أشعث …لم يبق في فمه إلا قاطعة أو قاطعتان وضرس أو ضرسان وناب واحد…يرتدي جلبابا بني اللون وقد اعترته ثقوب هنا وهناك بسبب شرارات سجائره “الكازوية “و “الفافوريتية” و “الاولمبية” الزرقاء أو الحمراء…
– نعم ..هل من خدمة ؟
قالها عمر وهو يبعد عنه دخان السجائر..
– هذا أمر بالالتحاق بالجندية يخص المعني عمر بن محمد…ولا أظنه إلا أنت…
أجاب المقدم وهو يخرج من قب جلبابه ورقة ويمدها إلى عمر…
– كيف ؟ أنا هو عمر ، وأنا انتظر الخدمة المدنية وربما سأتابع دراستي بالسلك العالي…ما علاقتي بالجندية ؟
حملق المقدم في عمر من رأسه إلى أخمص قدميه و قال :
– هذا شغلك …لا يهمني الأمر…
ثم استطرد قائلا :
– يبدو ، من بنيتك ، أنك صالح للجندية أسي عمر…
أخذ عمر الورقة بعدما وقع على نسخة منها ..ابتعد المقدم ودخان السيجارة يتبعه مشكلا علامات استفهام وتعجب متتالية إلى أن اختفى عن الأنظار…

دخل عمر المنزل ووجهه عليه سحنة من حزن وألم على الرغم من محاولته إخفاء ذلك عن باقي أفراد أسرته ولا سيما أمه التي تعودت ألا تراه حزينا منذ ولادته…فهو آخر العنقود …
– من يا بني ؟خيرا إن شاء الله ..
سألت الأم…
– إنه مقدم الحي ،وقد أحضر لي أمرا بالالتحاق بالعسكر في أقرب الآجال…
– صاح الجميع :
– العسكر !!!
وأضاف أخوه :

– وما علاقتك أنت بالعسكر؟ أنا الأولى بالجندية منك ،أنا الأكبر…
– ربما أنت معيل الأسرة … لا يهم ، سأذهب غدا إلى الرباط …فقط شهادة تثبت أني متابع بالخدمة المدنية قد تعفيني من هذا الأمر…

واستمر الأكل وتبادل الحديث حول هذا الموضوع أو ذاك ،وإن ضعفت شهية عمرللأكل …

لم يستطع عمر النوم تلك الليلة ،لم يسترح له جفن إلى أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر…قام فتوضأ وصلى وابتهل ..أخذ نسخة من شهادته الجامعية والأمر بالالتحاق بالجندية وبطاقة تعريفه الوطنية…وجد أمه قد سبقته و أعدت له فطوره …اكتفى برفشتين أو ثلاث من القهوة و قضمة أو قضمتين من
الخبز وقطعة حلوى صغيرة…قبل رأ س أمه ثم اتجه نحو الباب بينما ظلت والدته تراقبه وهي تدعو له بالتوفيق في كل خطوة من خطواته…

الساعة تشير إلى الخامسة والنصف …عمر وحيد تحت شجرة كبيرة على رصيف الطريق الرابط بين البيضاء والرباط….في الجهة الأخرى سينما المنظر الجميل التي عاش فيها أجمل لحظات دراسته الابتدائية والإعدادية ….تذكر أنها كانت تخصص يوما في الشهر بالمجان لتلاميذ مؤسسته التعليمية لعرض شريط وثائقي تعليمي حول ظاهرة معينة…

على بعد 100 متر أو أقل شيدت حانة ،ربما تم تشييدها من عهد الاستعمار الفرنسي…لا يمكن أن ترى من بداخلها حتى وإن كانت جنباتها من زجاج ولكن نصفه السفلي أو أكثر ملون بألوان غامقة…خرج في تلك اللحظة رجل وهو يتمايل يمنة ويسرة وكل جيوب ملابسه متدلية إلى الخارج وتتبعه فتاة بتنورتها القصيرة جدا ،تترنح هي الأخرى….كان يستدير نحوها مرة مرة ، يسبها ويسب أهلها وكل عائلتها ،ويلعنها ويلعن اليوم الذي تعرف فيه عليها ..

قال عمر في قرارة نفسه وهو يشاهد ذلك الموقف :
– كل واحد وهمه وهم الناس كثير…اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه….

وصلت الحافلة ….أشار عمر إلي سائقها بالوقوف…صعد ،وأخذ مكانه في الجهة اليسرى من الحافلة ووراء السائق مباشرة…يبدو في عقده الخامس وإن كانت تجاعيد الزمن حفرت تقاسيم وجهه …ليس سهلا أن يلزم إنسان طريقا ما ذهابا وإيابا وربما لمدة قد تفوق العشرين سنة ..أكيد أنه حفظ كل منعرجاتها و منعطفاتها
وقناطرها …وعدد علامات مرورها….بل وعدد حفرها ومكان تواجدها…

الحافلة تطوي الطريق طيا ،في البدء كانت آيات من الذكر الحكيم تتلى وتتبعها تكبيرات وصلوات على النبي ، من هنا وهناك، وما كادت أولى خيوط الشمس تشع ،حتى استبدلها السائق بأغاني لكوكب الشرق.. كانت تتخللها آهات وسلامات و”يا زمان الوصل ” أيضا من هنا وهناك …..

الساعة تشير إلى التاسعة صباحا….
– “القامرة” …”القامرة”..على سلامتكم ….
نزل الجميع …وما زال عمر يتساءل في نفسه لماذا سميت هذه المنطقة بالقامرة…ثم توجه إلى محطة سيارات الأجرة من النوع الصغير…ركب واحدة منها وطلب من سائقها أن يقله إلى مقر وزارة الوظيفة العمومية وتحديث القطاعات…..

نصف ساعة على الأكثر ..من هذا الشارع إلى الآخر…ومن هذا الحي إلى ذاك الحي…ثم 15 درهما كأجرة السائق …..ومع السلامة…..

بناية ضخمة ذات واجهة حجرية أو خزية اللون وباب حديدي أو خشبي كبير ….لم يعد عمر يذكر لا لون واجهتها ولا نوع بابها بالتحديد…كل ما ترسخ في ذاكرته وقوفه في طابور من الرجال والنساء أمام مكتب ذي باب سماوي ..يقف هناك عون خدمة (الشاوش) لتنظيم الدخول والخروج…وكان بين الفينة والأخرى يمكث كثيرا داخل المكتب …أو يتوارى عن الأنظار لدقائق معدودات وهو يحمل بعض الملفات والابتسامة لا تفارق محياه ….

ظل عمر واقفا في الصف إلى غاية الحادية عشر ..مدة كافية للعودة إلى الدار البيضاء أو أكثر….تأفف و شهيق وزفير…أقدام تتحرك وكأنها تمشي على البيض…لكنه بيض غريب جدا؛ بيض لا يكتكت…ولا يؤكل …

وأخيرا جاء دور عمر…
– نعم هل من خدمة؟
سأل صاحب النظارتين البنيتين وهو يتحرك يمنة ويسرة على أريكته المتحركة باستحلاء واستمتاع..
أجاب عمر باستحياء :
– ألتمس من سيداتكم شهادة تثبت أني متابع بالخدمة المدنية…
– ولماذا تريد هذه الشهادة ؟
– لأدلي بها لدى إدارة الدفاع الملكي حتى يتم إعفائي من الخدمة العسكرية…
رمقه الموظف بنظرة فيها أكثر من معنى ودلالة وهو يداعب شاربيه ويضبط نظارتيه ثم قال بلهجة يطبعها الاستنكار وليس الاستفهام:
– أليست الخدمة العسكرية واجبا وطنيا !!؟؟ ألست مواطنا صالحا!!؟؟وما الضير في تجنيدك !!؟؟

دخل العون مرة أخرى محملا بملفات أخرى ،تحدثا ، تفاهما …على الرغم من الهمس واللمز والغمز،فقد تمكن عمر من فهم ما يدور بينهما…
خرج العون وهو يضبط طربوشه الأحمر ،ويبتسم ابتسامته المعتادة…

باغث الموظف عمرا :
– تحدثت عن شهادة الخدمة المدنية ..أليس كذلك ؟
ثم استطرد قائلا قبل أن يجيب عمر:
– نسخة من بطاقة تعريفك ،ونسخة من شهادة الإجازة…

أخرج عمر بسرعة نسخة من البطاقة والشهادة….مدهما للموظف الذي ألقى نظرة خاطفة عليهما ثم نظر إلى عمر من رأسه إلى أخمص قدميه وقال:
– العسكر واجب وطني …عليك أن تعلم ذلك جيدا…و خدمة الوطن وحماية حدوده شرف لك…ولنا…
– ولكن…
– ليس هناك لكن عندما يتعلق الأمر بالوطن والواجب والشرف..
– ولكن..
– ستصلك شهادة الإعفاء من الخدمة المدنية في أقرب الآجال…

قال ذلك ثم نادى على العون ،لإدخال شخص آخر بعدما وضع نسخة من البطاقة الوطنية ونسخة من الشهادة الجامعية في ملف أحمر ورتبه ضمن بريد المستعجلات…

ما زالت كلمة “لكن” تتردد على لسان عمر وهو يغادر ذلك المكتب بل وتلك البناية الضخمة التي لم يتذكر لا لون واجهتها ولا نوع بابها إلى اليوم…
وفي اليوم الثالث من نفس الأسبوع طرق طارق الباب:
– من الطارق ؟
سأل عمر الذي كان جالسا في حديقة المنزل…يقرأ قصة البؤساء لفيكتور هيجو…
– أنا ساعي البريد .
– لحظة من فضلك..
فتح الباب ..تسلم بريدا مضمونا بعد توقيع إيصال بالاستلام…
– شكرا…
– لا شكر على واجب…
فتح عمر الظرف بسرعة …شهادة الإعفاء من الخدمة… بخط غليظ وواضح …
قرأها أكثر من مرة ،واستوقفته هذه العبارة أكثر من مرة :
“وقد سلمت له هذه الشهادة للإدلاء بها عند الحاجة”.
تساءل في قرارة نفسه :عن أية حاجة يتحدث أولئك الناس ؟هل هناك حاجة يمكن لهذه الشهادة أن تقضيها ؟حتى طبيعة الورق لا تسمح للمرء باستعمالها عند قضائه حاجته ؛فقد تسبب له جرحا لا يندمل ؟!

ضغطها بأصابعه وجعلها كرة صغيرة قبل رميها في القمامة…أغلق قصة البؤساء وقرر ألا يقرأها مرة أخرى بما أنه أصبح واحدا من شخصياتها…ولكن بنكهة مغربية محضة….

وفي يوم من الأيام ،وبمدينة ما ، وأمام تكنة عسكرية ما ،شوهد عمر وهو يرتدي بذلة عسكرية ،ويحمل بندقية فارغة ،محلوق الرأس واللحية ،يقدم التحية لبعض الداخلين والخارجين في استقامة تامة…بينما ما زالت شهادته الجامعية الأصلية في إطارها الخشبي معلقة على جدار غرفته…قريبا من صورة أبيه رحمه الله …

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
الإرهابي
التالي
ثلاثية متواليةٌ

اترك تعليقاً

*