القصة القصيرة جدا

شَهدُ الغياب

رمته و مسكنا متهاويا بنظرة عجلة أوهنها التّرمّد.. ثمّ مضت..
تخشّبت الأرض تحت خطاها.. ما طالعها أنّى امتدّ بصرها غير أفق أجدب كالح ظمئ.. جرّت حقيبتها المثقلة بالحكايا.. لا تني تشدّ عليها بقوّة ساعد الخائف من تيه كلّما تعسّر الدّرب وتاقت خطاها إلى ارتداد..
شدّها الثّقل إلى الأديم أكثر فأكثر..
تكزّ على أسنانها.. تستلّ خطاها الغارقة في الحنين.. يشتدّ فيها مخاض.. تجثو على ركبتيها.. تمدّ يدها باحثة عن سند.. لا جذع ولا وتد.
تعقل صراخها .. تتشظّى الأصوات مكلومة مرتدّة من وريد إلى وريد..تتلوّى.. يعتصرها الوجع..توغل خطاها المتوقّفة حفرا.
تلوذ الأصوات إلى طبلتيها..تتغلغل فيهما..تتعالى صراخاتها.. بيديها توصد بوّابات أذنيها.. الأصوات تقرع الطّبول في رأسها.. تطمر الرّأس في بئر الخطى.. تختنق.
تفتح عينيها..
السّماء تزقّها رُطبا.. الأديم ينبسط مخملا.. هواء طريّ يلفّها كأنّه ذاك الحضن.
تسّاءل..
يمتدّ الصّمت حولها خطّافا خافقا قبل هطل.. تمدّ يدها إلى حقيبتها الملقاة جانبا.. تفتحها بوجل.. من الفتحة الصّغيرة تنطّ حكاية.. تسرح خلفها..
تراه بين خطاها يقفوها، يتوارى خلف آهة تفرّ من عقالها، يراقب مخاضها ، وجعها، ظمأها، وهنا يُغرقها.. يتهاوى رأسها.. تشرق بالثّرى.. يهبّ إليها يُلقمها صبرا.. تلوذ بالغياب.. يستودعها الكونَ ثمّ يتلاشى كسراب.
تتشمّم عطره في زوايا الصّور الرّاحلة مع قوافل النّسيم.. تفتح راحة تتلظّى وجدا، تتمنّى لو تحطّ عليها صورة ولهة.. تضمّ رحيلا.
تلملم نفسها.. تجول عيناها بحثا.. يناديها من تحتها.. تُلفيه متكوّرا بينها وخطوة منتظرة، مبهما ما اتّخذ بعدُ وجها.. تندفع إليه تروم رسم بعض سماته. تقرّبه منها. تتفحّصه..يعلو صوتها يهدهده:” فداك العمر أغدي..”
يينع الأفق وتعبق أهازيج السّماء..

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
درسٌ جديدٌ في الفرق بين القصة القصيرة والقصيرة جدا في نص “مؤامرة”
التالي
قراءة في المؤثرات الصوفية في نص “شهد الغياب”

اترك تعليقاً

*