القصة القصيرة جدا

صاحب (الشانون)

أسقط في يدي بعد أن أصدر أصحاب الشركة “فرمانًا”، بانتقال العمل والعاملين للقاهرة وإغلاق فرع الإسكندرية، كنت حديث عهد بالعودة من الخارج بعد اغتراب سنوات، فدبرت سكنًا لأولادي بالقرب من مقر الشركة بالمهندسين، اقتنيتُ شقة بمنطقة شعبية متاخمة يفصلها عن المهندسين شريط قطار، رأيت أنَّ عبوره يوميًا رغم خطورته، أرحم من لهيب الأسعار بحي الأثرياء الشهير. حاولتُ نقل أولادي الثلاثة لمدارس جيدة قريبة، توكلت على الله ولبست أفخم ثيابي، وتقدمت لمدرسة ابتدائية، رحب بي مديرها الكهل، بعد أن قدمت له بطاقة عملي المدون بها (مدير المكتب الفني)، كانت هذه الكلمات هي المفتاح السري للمغارة، لا أدري ربما التبس على الرجل الأمر فظنه منصبًا رفيعًا بالوزارة، ولم يفطن إلى أنني أعمل بشركة استثمارية ، فبأريحية غير متوقعة فاجأني بقوله: اعتبر الولدين عندنا من اليوم، فقط أتمم الإجراءات وأحضِرهما في أي وقت. شكرته وتوجهت لمدرسة إعدادية ملاصقة لنقل نجلي الأكبر، لكن يبدو أن سحر الكلمات كان قد تلاشى رغم أنها كانت الثانية عشرة ظهرًا، فقد صدمتني المديرة المتعجرفة بأنني خارج المربع السكني، بعد جدال عقيم عن مستوى ولدي المتقدم وأنه سيشرف المدرسة بإحراز مركز متقدم على مستوى المحافظة، ألمحت الحيزبون التي تقاعدت بعدها بشهور، إلى إمكانية تغاضيها عن هذا الشرط، إذا قمتُ بإحدى ثلاث: تبليط فناء المدرسة بالكامل، أو صيانة نوافذ الفصول، أو شراء (شانون) لحفظ المستندات مع دستة ورق وملفات، أذعنتُ صاغِرًا، ووجدت الأخير هو الأنسب لحالتي المادية والنفسية، أضمرتُ التقدم بشكوى لوكيل الوزارة عند اعتماد الطلب من المديرية التعليمية، باعتباري أُجبرت على التبرع عنوة، لدى مثولي أمام سيادته نظر إلى الأوراق مليًّا، ثم أعاد النظر إليَّ وقال مبتسِمًا كالثعلب: – كيف حصلت على هذا التوقيع؟ هل اشتريت الشانون؟ بعد شهر عُقد اجتماع مجلس الآباء، تم تكليف الحاضرين بتبرعات إضافية، عقب الاجتماع توجهت لمكتب الوكيلة وأفهمتها أن تبرعي لم يبرد بعد فأعفتني بعد أن عرفت أنني صاحب الشانون وصار هذا لقبي كلما ذهبت للسؤال عن ابني بالمدرسة.

السابق
مرارة
التالي
الغيرة

اترك تعليقاً

*