القصة القصيرة

صرخات على الجدار الشَّفاف

التقيا على باب المنزل، عائد من عمله وعائدة من السوق، أيقن أن الطعام غير جاهز، رمقها بنظرة غاضبة فعاجلته بحجة قوية، اضطر إلى الصمت ودخل يجر معدته خلف أقدامه، لا نوم مع الجوع، ولا حياة مع مثل هذه الزوجة، هكذا حدث نفسه وهو يتابع مطربة حسناء تتدلل بجسد مصنوع بالكامل خارج البلاد رغم أنها خرجت من منطقة شعبية قريبة منه، ابتسم وهو يحسد السبعة الذين تزوجتهم، أخيرا أحضرت له زوجته طبق أرز ومعه فاصوليا بيضاء، نظر لها طويلا ثم سألها عن بقية الطعام. ابتسمت ساخرة من راتبه مقارنة مع تطلعاته، لعنها في سره بعد أن لعن الظلم المستشري في البلد، بعد أن امتلأت معدته غلبه النعاس. دخل إلى غرفته وانهار على فراشه رغم ضجيج الشارع وصراع الأبناء الذي لا ينتهي.
قام فزعا بعد قليل على صوت صراخ متواصل، جرى ناحية مصدر الصوت. كان الحمام وابنته المراهقة مرتعبة من صرصار متوسط ظهر في أحد أركان الحمام الصغير. نظر لها بغضب شديد ثم ملأ دلو ماء ساخن وألقاه عليه كي تتعلم كيف تتصرف عندما تكون وحدها، قام بحمل قتيله وجرى خلف ابنته التي لم تتوقف عن الصراخ وزوجته تطلب منه أن يعقل قليلا…
هرب منه النوم. نزل إلى المقهى فالتقى بعد الأصحاب وقضى معهم ساعات حتى اقترب الليل من انتصافه، عاد مرهقا، دخل من فوره ليلحق بآخر ساعات النوم قبل يوم مرهق آخر، ما أن ذهب في النوم حتى رأى نفسه في واد تحيطه الجبال من كل جانب، لم يجد منفذا واحدا أو وسيلة مساعدة يستطيع استغلالها للخروج من هذا المأزق، سمع صوتا من خلفه فالتفت، ارتعدت ركبتاه وفتح فاه من هول المفاجأة، صرصار عملاق ينزل من قمة الوادي وعيونه مسلطة عليه. ثم رأى الأعجب، مجموعة من الصراصير كونت حلقة حول قمم الجبال كأنها جمهور جاء ليشاهد حدثا عظيما، وصل الصرصار إليه ثم وقف على أرجله الخلفية، حشرة عملاقة بتفاصيلها المقززة، أحاطه بقرون استشعاره الحادة، سمع دقة على جرس فضربه ذلك الوحش ضربة واحدة من قدمه المغطاة بشعيرت مستدقة فألقاه بعيدا على ظهره، أدرك أنه عرض ما، وأنها حلبة مصارعة من نوع جديد، دقق في وجه الصرصار فاكتشف أنه نفس الذي قتله في الصباح، كانت عنده علامة لونية مميزة، طلب منه الرحمة فضربه بقوة وعنف مرة أخرى. بكى، نظرت له الحشرة باحتقار، ثم صعدت إلى قمة الوادي مرة أخرى واختفت مع أقرانها، ظن أن العرض قد انتهى، لكنه فوجئ بهم يعودون جميعا وفي يد كل منهم دلو عملاق تخرج منه أبخرة كثيفة، ثم ألقوا ما به عليه في توقيت واحد، انسلخ جلده وذابت عظامه من شدة حرارة المياه.
قام من نومه فزعا يلهث بقوة، فزعت زوجته وأحضرت له ماءا تسأله عما حدث، في نفس الوقت صرخت ابنته، خرجوا سريعا لمعرفة ما يحدث، كانت الفتاة تتصبب عرقا وتبكي بشدة وهي تنظر إلى أحد أركان الغرفة، نظروا حيث تنظر فلم يجدوا شيئا، هدء من روعها وسألها عما رأت، قالت أنها شعرت بحركة فوق صدرها. فتحت عينها فإذا بها قطة سوداء تنظر لها بعين حمراء غاضبة شرسة ثم قفزت إلى ركن الغرفة، طمأنها والدها أنه مجرد كابوس رأى هو نفسه حلما قريبا منه منذ قليل، نامت معها والدتها لتطمئنها بينما عاد هو إلى غرفته يتعجب من هذه المصادفة.
بعد قليل سمع صوت صراخهما معا، اجتمعت الأسرة في غرفة الفتاة، ولدان أصغر منها والأم يقفون في ذهول فوق الفراش، نظر حيث ينظرون، قط أسود يقف محدقا على المقعد الصغير، من أين دخل والشقة محكمة؟ ماذا يفعل في غرفة الفتاة؟ أرعبهم أكثر أن بدأ يشتعل ذاتيا، حرفيا شاهدوا نارا تخرج من عينيه وتحرق الستارة القريبة، بعد أن جمدتهم الصدمة للحظات أسرع يحضر ماءا لإطفاء النار قبل أن تمتد، نجح في أن يعيدهم من ذهولهم بصراخه فيهم ليساعدوه، سيطروا على الموقف أخيرا، بحثوا عن القط فلم يجدوه، انهارت الفتاة وأمها في بكاء مرير، طلبت منه أن يتصرف ويبحث عن ذلك القط الغريب ويطرده خارج المنزل، خرج والرعب يتملكه، قلب الشقة رأسا على عقب، حتى فتح دولاب غرفة النوم، وقف مذهولا، شل تفكيره كما عجز عن الحركة والصراخ، عشرات القطط السوداء تقف متعامدة داخل الدولاب مكونة شكلا هرميا معقدا وعيونها تقطر نارا وشرا، تراجع للخلف أخيرا ثم أكمل سيره عدوا، وجد زوجته وأولاده في حالة رعب آخر بعد أن اشتعلت النار بدون سبب في ملابس الفتاة. اجتمعوا في صالة الشقة ولم يستطيعوا النوم إلا بعد أن طلعت الشمس. كان الجميع مهتزا مرعوبا لا يفهم مالذي يحدث، لم يستطع أحد منهم مغادرة المنزل قبل الظهيرة، نزل متهالكا فذهب إلى المسجد القريب، أدى صلاته بذهن شارد ثم طلب من الشيخ الحديث منفردا، حكى له ما حدث في الليل بالتفصيل، طلب منه أن يهدأ وسيحضر له بعد صلاة العصر ومعه شيخ زميل متخصص أكثر في هذه الظواهر، نزل له مرة أخرى لصلاة العصر وقد أصاب الأسرة كلها الرعب لقرب دخول الليل دون أن يفهموا شيئا، حضروا أخيرا، بمجرد دخهولهم بدا على الشيخ المتخصص التجهم الشديد وأخذ نفسا عميقا، طلب التوجه مباشرة ناحية الأماكن التي شاهدوا فيها القطط، كان يتمتم بصوت خفيض وهو يتنقل من غرفة لأخرى، طلب في النهاية مشاهدة الحمام ثم سألهم سؤالا مباشرا: هل ألقيتم ماءا ساخنا في الحمام؟
نظروا لبعضهم بذهول ثم أجابه بالإيجاب، هز رأسه عدة مرات ثم طلب البقاء في غرفة الفتاة وحده قليلا، سمعوا قراءته لآيات من القرآن مع تشغيل كل أجهزة المنزل على سورة البقرة وتكرارها باستمرار، دخل عليهم الليل، انقبضت قلوبهم جميعا، طمأنهم أنه سيقضي معهم الليلة بينما ذهب الشيخ الآخر إلى مسجده. جلس معهم جميعا حسب طلبه وبدأ يسأل الأب أسئلة محددة: هل تركتم المنزل أكثر من 40 يوما؟ أجابه الأب أنه ترك زوجته وأولاده مع أسرته في الريف لسفره ثلاثة أشهر في مهمة عمل عادوا منها الأسبوع السابق.
سأله إن كان في العمارة شقق مغلقة، أخبره أن هناك شقة مغلقة منذ سنوات بجوارهم لسفر أصحابها.
سأله إن كانوا قد لاحظوا بعد عودتهم انقطاعا متكررا للكهرباء وفسادا سريعا للخضار والفاكهة؟ نظروا لبعضهم جميعا وأخبرته الزوجة أن الفاكهة بالذات كانت تشتريها طازجة وتتركها قليلا بعد غسلها فتجدها وقد ظهرت عليها علامات الفساد وكأنها متروكة من عدة أيام.
سألهم إن كانوا قد سمعوا أصواتا غريبة خاصة بالليل أو شعروا بحركة خاصة في الحمام أو المطبخ؟ أجابت الفتاة سريعا أنها سمعت أكثر من مرة أصواتا هامسة في الحمام وحركة خفيفة جدا في المطبخ.
هز الشيخ رأسه عدة مرات ثم طلب أن ينفرد بالفتاة، سألها إن كانت قد رأت في أحلامها كوابسا أو سمعت همسا باسمها، أخبرته متعجبة أنها بالفعل سمعت نداءا هامسا باسمها عدة مرات خاصة في السنة الأخيرة ولكنها لم تعر الأمر اهتماما، كما أنها تعرضت لكوابيس حادة على فترات متقطعة من عمرها حتى كرهت النوم.
أخذ نفسا عميقا يحاول تجميع إرادته وقوته معا، طلب منهم أن يهدأوا تماما ويناموا معا في غرفة واحدة، وسيقضي معهم الليلة لكن سيظل في الصالة يقرأ القرآن ويراقب الموقف، حانت منه غفوة خفيفة استيقظ منها على صوت حركة، كانت ساعته تشير إلى ما بعد منتصف الليل، تلاعب النور قليلا، ثم لاحظ اطفاء ضوء الحمام، ترقب الموقف، سمع همسا، ثم شاهد رأس قط أسود يطل عليه من الحمام بعيون حمراء، حاول الثبات، رأي عيونا كثيرة تطل من فوق رأس ذلك القط، خفق قلبه بشدة، في لحظة واحدة وجد القط بجواره، ارتفع صوته بالآيات القرآنية، نظر له القط بغضب، وقع في قلبه أن أهل البيت هم من بدأوا في الإيذاء، صوتا هامسا بغير كلام، أجاب أنهم لم يقصدوا، جاءه الهمس في يقينه أن طفلا قد أصيب بحروق شديدة ولابد من الإنتقام، وعليه أن يخرج قبل أن يصيبه أذى، سأل إنا كانوا عُمَّارا، جاءه الرد بالإيجاب، سأل عن سبب انتقالهم للشقة هنا، أجابوه طعام وفير والشقة القديمة رائحة لا تطاق، طلب منهم أن يعودوا إلى الشقة المغلقة في سلام، زام القط غضبا، ثم سمع صراخ الأسرة من الداخل، أسرع إليهم، ملابس الفتاة بدأت في الإشتعال الذاتي، وقع في يقينه أنها أضعف الحلقات ونقطة الإتصال، بكت الأم وطلبت أن يغادروا المنزل فورا، حذرها الشيخ من أنهم مطاردون ولو خرجوا ستتع دائرة الخطر حولهم، نظر للقط في غضب وحذره، اختفى القط وعادت الكهرباء التي انقطعت قليلا، دخلوا جميعا في نوبة بكاء مريرة، طمأنهم الشيخ أنه سيشكل في اليوم التالي فريقا قويا ليتخلصوا من هذه المصيبة، طلعت الشمس وظنوا أن الهجوم سيتوقف في النهار، خرج الشيخ ليرتاح قليلا ويحضر المدد، بعد الظهر فوجئوا بعدد هائل من القطط في الصالة، وفي وسطها كائن غريب يشبه الضبع لكنه بلا ملامح، فقدوا النطق، حاصروهم في غرفة الفتاة، غابوا جميعا عن الوعي، عاد الشيخ فوجدهم في حالة انهيار تام أحضر بعد أن اضطر إلى كسر باب الشقة لأنهم لا يستجيبون، طلب منهم الهدوء التام لأن المرحلة التالية شديدة الصعوبة وسيتعرضون لهجوم حاد مباشر، خاصة لو توفي ابن العمار، أحضر معه شيخين وبدأوا بالعمل فورا، قرأوا آيات معينه، حضرت لهم قبائل أخرى، طلبوا منهم التدخل لحماية العائلة من القبيلة الغاضبة، جاء الرد بعد شد وجذب أنهم يريدون حياة الفتاة قربانا، سألهم عن سر تمسكهم بالفتاة، أخبروهم أنها الأضعف مقاومة وأن جسمها الإثيري الحامي للجسد مكون من طبقات يمكن اختراقها وبالتالي هي الأكثر ملاءمة لهم، كما أنها عمرا مناسبة أيضا وقد خضعت لمراقبة طويلة من العمار عندما كانوا يقطنون في الشقة المغلقة، وانتهزوا فرصة خلو المنزل فترة طويلة لينتقلوا للإقامة هنا.
حاول الشيوخ حث ضيوفهم على طرد العمار بعد أن فشلت المفاوضات، انقطعت الكهرباء بعدما حل الظلام، خرجت القطط من الحمام وفي وسطها الضبع الكبير والغضب يتطاير من عينيها، اختفى الضيوف، وجدا المشايخ أنفسهم في مواجهة مباشرة، تم تحذيرهم من التدخل وشل حركتهم، دخلت المجموعة الغاضبة على الأسرة، عرف المشايخ أن الصغير قد مات، غاب الجميع عن الوعي.
في الصباح كانت الشقة محترقة بالكامل، كان الجيران قد استطاعوا إنقاذ الأسرة وقد حدثت تشوهات تشبه جروح المخالب في كل أجسادهم، ولم يعثروا للفتاة على أثر.

السابق
خريف المهرج
التالي
.. النصف الآخر .. ؟؟!!

اترك تعليقاً

*