القصة القصيرة

صفحا…صابرة

– كنت رائعا يا حبيبي…
قالتها شيماء لمحسن الذي شرع في ارتداء ثيابه بينما ما زالت هي تتحسس بعض أعضائها، وتزيل خصة شعر أشقر من بين شفتيها…
نظر إليها محسن نظرة ذات دلالة وقال بصوت خافت وقد ارتسمت ابتسامة شبه باهتة على محياه :
– وأنت أيضا كنت رائعة…
نهضت من فراشها وقد وضعت على جسدها فستانها البنفسجي التي اشتراه لها محسن مؤخرا مما زادها جمالا وإثارة ، اقتربت منه أكثر والعطر الفرنسي يفوح منها، شدت ما تبقى من أزرار قميصه،ثم ضمته بذراعيها وهي تقول :
– ومتى سأراك يا حبيبي؟ …وددت لو تنام الليل كله بجانبي ..بل أن تكون كل العمر معي…
– وأنا أيضا ولكن ظروفي لا تسمح لي كما تعلمين…
نظر إلى ساعته …إنها الساعة الثانية عشر ليلا…أزاح ذراعي شيماء …ارتدى حذاءه بسرعة … أخرج ورقة نقدية من فئة 500 درهم وضعها في صدرها..وهو يقول :
– خذي هذا المبلغ ،وإن احتجت لأي شيء آخر اتصلي بي …
ثم استطرد قائلا وهو يداعب وجنتيها ويبتسم :
– مع احترام التوقيت المتفق عليه والطريقة المتبعة بطبيعة الحال…
لم تجبه نطقا وإنما اكتفت بإيماءة من رأسها وقبلة على شفتيه،ثم سبقته إلى باب المنزل على أطراف قدميها وهي تشير إليه بالصبر قليلا حتى تستكشف المكان…
طبعت قبلة أخرى على فمه ثم قالت:
– هيا اسرع …لا يوجد أحد …
انسل محسن من البيت في جنح ذلك الليل مطأطئ الرأس ونبضات قلبه تكاد تسمع …الزقاق شبه مظلم ، هدوء عارم يعمه ، خفافيش صغيرة تطير قريبة منه ، تظهر حينا وتختفي حينا آخر ، كلب يبعثر بعض النفايات الموضوعة على الرصيف، فئران صغيرة تخرج من هذا الجحر لتتوارى في جحر آخر ، بومة على غصن شجرة تدير رأسها دورة كاملة فيتلألأ بريق عينيها كمنارة ميناء أو معبر حدودي ،لأول مرة ومنذ سنوات يحس بأنه كسارق يتسلل خلسة إلى البيوت يترامى على ممتلكات أصحابها بغير حق أو شرع..
على طول الطريق المؤدية إلى منزله يلتفت هنا وهناك ،يحشر أنفه في كل منطقة منه وكأنه يبحث عن أثر لذلك العطر الباريسي ليزيله ويتخلص منه كالمجرم الذي يريد أن يتخلص من أداة جريمته..
اقترب من زقاق الحي الذي يقطنه ، مصابيح عمومية مشتعلة قرب هذا السكن أو ذاك، يحوم حولها فراش كثير، رائحة زهرة مسك الليل تعطر المكان وكأنها تسقط من السماء ،نظر محسن إلى معطفه الأسود ،مسحه بيديه وإن كان نقيا لا يحتاج إلى المسح…
وما كاد يصل إلى منزله حتى تشمم كله بجزئه وألقى نظرة أخيرة على معطفه و أزرار سرواله…أخرج المفتاح بيد مرتعشة ،فتح الباب ثم دخل… أشعل مصباح هاتفه ،لا يريد أن يوقظ صابرة من نومها ..
خلع حذاءه وملابسه وارتدى منامته التي اعتادت زوجته أن تضعها على شماعة خشبية قريبا من مدخل غرفة النوم..وما كاد يطفئ المصباح ويهم بالتسلل إلى فراشه حتى اشعلت صابرة المصباح المنزلي ذا الضوء الأحمر الخافت ، نظرت إليه وقد تدلت خصلتان من شعرها على عينها وجبينها ، أزاحتهما ثم قالت :
– على سلامتك…
– الله يسلمك…
رد عليها و هو يحاول أن يواري وجهه عنها بالنظر إلى هاتفه مرة وإلى مكان نومه مرة أخرى…
– كم الساعة الآن؟
أخذته نحنحة خفيفة ثم أجاب: – الواحدة بعد منتصف الليلة…
-ولماذا تأخرت إلى حد هذه الساعة؟
-لم يقدم لنا السيد ابراهيم العشاء حتى الساعة العاشرة ليلا…
ثم استطرد قائلا :
– ولم ننه جمعنا حتى منتصف الليل…وللحديث شجون كما تعلمين…موضوع يجرك إلى موضوع آخر و لا يشعر المرء بالزمن…
استلقى على سريره وهو يقول :
– وعندما خرجنا من منزل السيد ابراهيم تمشينا قليلا حتى وصلنا إلى الشاطئ…بطبيعة الحال لهضم ما أكلنا …كان الجو رائعا ونسيم البحر منعشا…
و كعادتها كلما عاد من دعوة ،ليلا أو نهارا سألته وهي تضع يدها على صدره :
– ماذا أعد لكم السيد إبراهيم في العشاء ؟
– دجاج محمر ولحم بالبرقوق و مشروبات و فواكه ..
ثم استطرد قائلا : – هذا فضلا عن الشاي و بعض الفواكه الجافة….
– يبدو أنه أحسن ضيافتكم…
– فعلا السيد ابراهيم انسان كريم ..
قالها محسن وبدأ يتثاءب وهو يضع يده على فمه،استدار على جنبه الأيمن بعد أن أزاح يد صابرة وهو يقول :
– أكاد أموت من النوم…تصبحين على خير…
– واه..أأنت متعب إلى هذا الحد..؟
قالتها صابرة وهي تطوقه بذراعها من خلفه هذه المرة بينما وضعت رأسها على كتفه و ساقها على ساقه وأخذت تداعبه.. جر ساقه برفق وهو يقول بصوت خافت :
– فعلا أنا جد متعب ، العمل نهارا والسهر ليلا …لم يبق لي من الجهد لأي شيء ولو لدقيقة واحدة…تصبحين على خير …
– ولكن ليس لديك عمل اليوم فهو يوم عطلة …
قالتها وهي تعيد وضع ساقها على ساقه وتلاطف أرنبة أذنه بلسانها.
رد بتثاقل وهو يزيل ساقها للمرة الثانية ويبعد أذنه عن فمها :
-أريد أن أنام حتى ولو كانت عطلة طويلة…
استلقت صابرة على ظهرها ،وضعت يديها على مؤخرة رأسها وأطلقت تنهيدة أحس محسن وكأنها إبر تغرس في قلبه ، فتح عينيه بمجرد أن أطفأت صابرة المصباح ذا الضوء الأحمر الخافت واستدارت على جانبها الأيسر بعدما همهمت بكلام غير مفهوم…
ظلام دامس أسدل ستاره على الغرفة لا يخترق صمته سوى أزيز بعوضة تقترب منه هو بالذات ،ظل محسن ،على غير عادته ، يتحسس أي شيء ،ينتظر أية حركة تصدر من صابرة …انتابته ثلة من الأسئلة :
– لم يفعل كل هذا بصابرة؟هل تستحق كل هذا الجفاء بعد سنوات من العشرة الزوجية؟بماذا تتميز شيماء عنها ؟ما الذي يوجد عند شيماء ولا يوجد لدى صابرة؟ حتى العطر الأوربي يفوح هنا وهناك؟ ضغط على شفتيه بشدة وهو يتذكر كل ما تقوم به صابرة من أجله و من أجل طفليهما،فهي الطباخة الماهرة ،وهي المربية المتميزة ، وهي المقتصدة المدبرة ،وهي المتدينة العفيفة ،وهي المطيعة الصابرة ،وهي المبتسمة في وجهه مهما كانت ظروفها الصحية والنفسية ..كانت وما تزال زهرة في أرضه وسمائه..بل هي أرضه وسماؤه..كل دقيقة يمر بها تجعلها نغمة حلوة تسعده بها ،كان دائما في عقلها ، في قلبها في روحها و في حياتها…
تنهد تنهيدة ندم وحسرة وهو يتساءل :
و صابرة ما موقعها من قلبه ؟ما مدى حبها لها ؟ هل يبادلها نفس المشاعر والأحاسيس ؟هل يرضيها كما ترضيه ؟هل يحمي حبهما وحياتهما كما تحاول أن تحميهما ؟هل يشعر بمسوؤلية الميثاق الغليظ الذي يربط بينهما كما تشعر به ؟ هل تعلم بنزواته كلما سنحت له الفرصة ؟
ضغط على شفتيه مرة أخرى حتى كاد الدم ينفجر منهما ،والنوم ،على غير العادة ،أبى أن يأتي ،على الرغم من إطباق الجفن و وإسدال الرموش،وأخذ يستعرض كل ما مضى ،منذ اللقاء الأول ،هو من اختارها في البداية ولم يختر ها له أحد ،هو من بثها حبه ولم تفرض عليه من أمه وأخواته أو أحد من عائلته…كان العرس رائعا بشهادة كل الحاضرين من العائلة والجيران والأصدقاء والصديقات…تواعدا وتعاهدا منذ اللقاء الحميمي الأول بأن يجعلا حياتهما عسلا على عسل…حلاوة لا تقاس بالأيام والشهور ولكن بالسنوات والعقود… تنهد مرة أخرى تنهيدة لو ألقيت على زهرة لذبلت ،وعلى قطعة ثلج لذابت ،بل لو ألقيت على صخرة لتفتتت وهو يتساءل بمرارة وحرقة :
– ما الفرق بين صابرة وشيماء أو غيرها ؟هل يمكن اعتبار الولادة داعيا للنفور من صابرة لكونها تشهد عملية ولادة ثانية والاقتراب من شيماء التي لم تلد ولن تلد ؟هل يمكن الأخذ بالسن ،فشيماء أصغر من صابرة بأربع سنوات ؟هل هذه السنوات كفيلة بدفع الزوج إلى استبدال زوجته والارتماء في مستنقع الرذيلة والفساد؟
تذكر قول أمه له بعد الولادة الأولى حينما نفر من زوجته بعدما عاين ولادتها ، وهي تضع بين يديه طبقا من عسل حر وتضع به خطوطا كبيرة بأصابعها:
– انظر يا بني إلى العسل ،فمهما كان الأثر الذي تحدثه به، بقطعة خبز أو بغيره ، فلن يؤثر ذلك عليه فمجرد تركه لثواني معدودة يعود ويلتئم من جديد كما كان في البداية…هكذا هي زوجتك فقد التأم كل شيء فيها بعد أيام معدودات…يا بني انظر إلى وجه زوجتك في وجودك ،وتمثل صورتها في غيابك أو انظر إلى وجهها ببصيرة قلبك ، ستبقى حياتكما عسلا على عسل…
انقبض صدره حينما تذكر كل ما مضى ،ونفرت أحاسيسه حينما استوعب ما فعله وما يفعله بصابرة ، وما اقترفه وما يقترفه في حقها من خيانة ،وخيل له أن الكل يشير إليه بالبنان حتى شياطين الجن _وقرينه بشكل أخص _تنعته بالخائن بل سمع من همس له في أذنيه :
-إن لم تستحي فافعل ما شئت أيها الزاني …أنت لا تستحق صابرة …ولولا صبرها لتركتك منذ زمان…
أحس بمغص شديد يقطع معدته وأمعاءه،وشعر بغثيان أخذت بوادره تطفو إلى فمه ،وغزت جبينه قطرات عرق بارد ،لم يتمالك نفسه إلا دقائق معدودة حتى نهض مهرولا إلى المرحاض ،و تقيأ كل ما تعشى به تلك الليلة ،لم يكن هناك لا دجاج محمر ولا لحم بالبرقوق ، وإنما كانت هناك بقايا من فواكه البحر والكافيار وبعض أنواع السمك الأبيض وبقايا سلاطة…أصب عليها الماء بسرعة حينما تناهى لسمعه خطوات قدمي صابرة تقترب منه …
وضعت كفيها على صدغيه حينما رأته ما زال يريد أن يتقيأ وهي تقول :
– ما بك ؟
رفع رأسه و فمه ما زال يسيل لعابا ثم قال :
– يبدو أن معدتي أصبحت حساسة جدا ،وأن الأكل لم يهضم بالشكل الجيد…لقد أكلت كثيرا هذا اليوم…ما كان علي أن أذهب إلى هناك أصلا…
– وكيف تحس الآن؟
– الحمد لله ..يبدو أن المغص انقطع ،والقيء هو أيضا…
– هل تريد قرصا من دواء المعدة وقرصا مهدئا؟
– نعم …شكرا..
تناول الدواء مباشرة بعدما غسل وجهه ،نظر إليها نظرة ندم وحسرة واستجداء للمغفرة والصفح عنه ،بدت في ثوبها الأزرق السماوي الذي أظهر بعض مفاتنا ،أدام النظر إليها وكأنه يراها لأول مرة ، شعرها الأسود المنسدل على كتفها ، ابتسامتها الجميلة المرتسمة دوما على شفتيها الورديتين الفاتحتين بدون أصباغ ولا مساحيق ، عينان براقتان مكحلتان بدون كحل ، أنف صغير بالكاد تميزه بين قسمات وجهها الدائري ، جيد طويل وقد تدلت منه سلسلة ذهبية حتى لامست صدرها…
اقتربت منه أكثر وساعدته للعودة إلى الفراش…ربما كانت تسمع آهات ندمه ،و آلام حسرته ،وآمال توبته ، كانت تسمعها بقلبها أكثر من أذنيها ،بروحها التي أصبحت ،مع الأيام ،أدرى منه بكل خلجة من خلجات نفسه ،وبكل نبضة من نبضات قلبه ،وما تخفيه من أسرار وهمزات وشطحات ونزوات…
قبلها و قال و أنامله تلاطف خدها الأيمن :
– أحبك يا صابرة ،اعذريني … سامحيني …لا تتركيني أبدا …
– وأنا ايضا أحبك …
ردت عليه صابرة و هي توضب الغطاء عليه برفق وتدعوه إلى النوم قليلا فلم يبق على بزوغ الصبح إلا ساعة أو أكثر من ذلك بدقائق معدودة …بينما تناهى إلى سمعها صراخ ابنتهما الصغيرة وهي تناديها ،كعادتها ،للحضور إليها في الغرفة الأخرى المجاورة لغرفتهما…
ومنذ تلك الليلة نذر محسن للرحمان نذرا أن يجعل السعادة ترفرف على البيت آناء الليل وأطراف النهار و أن يجعل الوفاء يخيم على حياته مع صابرة إلى الأبد وأن يكون سماءَ قلبها كما كانت وما تزال أرضَ روحه…

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
استلاب
التالي
حكايةُ الأستاذ عبد البديع

اترك تعليقاً

*