القصة القصيرة جدا

صكّ عبور

يظلّ يرمقهم.. يتدافعون نحو الضّفّة الأخرى..
يتساقط بعضهم كزهرات ياسمين..
تئنّ بعض الخطى، تُجهض الحلم وتنتحر على بوّابات العبور..
يمضي بلا وهن وعيناه ترمقان الشّمس، تنهشه ضباع الفزع وهو يراها تندسّ في الحضن الغريب. يرتعش خافقه..
يراه يلفّها ببرده الحريريّ، يتشمّمها، يلعقها كقطعة مثلّجات في يد ظمئ، يرتشفها قطرة قطرة حتّى ثمالة وله الضّياء..
يتعثّر بالوجع، تضطرب خطاه، يكاد يقع، يمسك بأهداب العزم ويرتمي مع المرتمين في لجج الدّرب المتلوّي كنبض أنثى تكابد غرغرة النّسيان..
يدنُون..
تمتدّ أيديهم تقرع الأبواب الموصدة..
تجول عيناه بحثا عن تميمة الولوج..
يراها..
خلف البوّابة العشرين تزرع على الشّرفات وردا، تدندن ترنيمة وعد صفصافة بالرّحيل إلى مرج الكروم، تبتسم وهي تردّد:
“أسكرني الحلم.. شقّت جذوري دربا في الصّخور
أيا كرم مهلا..لا تثمر حتّى تصحو فيّ الجذور..”
ينادي:
“أدلي إليّ ضفيرتك الحبلى
ترفعني..
فأطير…خلف الغيم البعيد”
ترنو إليه من خلف عيون الورد الباكيات شوقا إلى ربيع..تدلّي ضفيرتها ، يمدّ يديه ليمسك بها، يقف على أصابع قدميه، يشرئبّ بكلّ ارتجافاته نحوها
_أمسكتُ……..
طق طق طاااااق…
تتهاوى الشّرفات…
من بين حجب الأغبرة والأدخنة والعويل يراهم يعبرون نحو الشّمس..
يراها معلّقة كشرنقة تذروها الرّياح، ترتجف، ضفيرتها تتدلّى وأصص الورد تسبح في فلك خفقاتها، وعيناها تهاجران نحو السّماء..
تلاحقها عيناه..
طيور الخطّاف تحوم حول الأفق المُتخم بشهد الشّمس، لا يزال يتلمّظ بقايا ارتشافاتها..
فجأة يتهاطل السّواد عليه ودقا.. يحجب عنه وجه السّماء، من أقبية الغياب يسمعها تدندن بترنيمة وعد الصّفصافة السّكرى:
“تنتحر الدّمعة في الأحداق
اقرع الأبواب ..
تعبر..
ضفائري للوهن مشانق..”
يجثو على ركبتيه، يجتثّ من العمر دربا، ينصب قخاخا للمستحيل، يؤوب..
يؤوب..
يزاحمهم نحو الضّفّة الأخرى، يتلافى السّقوط كزهرة صبّار..
يبصره يضمّ أنفاسها الوجلة من الدّجى، يدثّرها بأهدابها المتيّمة بالضّياء، يهدهدها، يجهّزها عروسا لأوّل العابرين..
يحثّ الخطى، يدندن ترنيمة السّواعد المفتونة بطَرق الأبواب..
تتدانى إليه قطوف السّماء..
يخضوضر مرج الكروم مرتحلا نحو الصّفصافة المثقلة بالحنين.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
فجر
التالي
طرائق ودروب المشاعر في نص “صكّ عبور”

اترك تعليقاً

*