القصة القصيرة

صمت وظلماء

باللعاب يغرق فمُها ، تبتلعه بهذا المذاق اللذيذ بنكهة الحلوى التي تمر عليها فتحَيّيها عن بعد أو قرب كلما سارت بهذه الطريق التي تسلكها يوميا. تردد في نفسها:
– لا أعتبرها سرقة أو خيانة أمانة، إنها مقابل مجهودي…
تستفيق على منبّه سيارة كادت تسرق منها بُرعُم الحياة، تواصل المسير بقدميها الزرقاوين وأصابِعها المطلّة كعيدان من شِبشبها المتآكِل من كل الجوانب، اِبتاعته لها خالتها في سبيل الله بمناسبة عيد الفطر قبل الأخير، توثِره على حذاء الرياضة الذي لم يعد بمقاسها، فلا يزال ألمه يسكن مقدّمة أصابعها، رائحته تزكم الأنوف وتلقي بعيدا مَن يقاربها. يسخر منها أندادها كلما فاحت منه الرائحة التي أصبحت تسِمها، ويبدأ الذكور في مساومتها عليه وهم يتراشقون بالغمزات ويكركرون:
– إنه مخدّرنا المفضّل، نطير به بعيدا هناااااالك، بكم تبيعينه، ستصبحين غنية هههههه…
تتناوب يداها النحيفتان على الحمل، تتعثر في مشيها بين الفينة والأخرى، فشِبشبها لا يلائم هذه الأرض المحفورة المتربّة، ولا هذه الحواجز من النفايات والمهملات التي تؤثث طول الطريق. يبدأ قلبها في الخفقان، يكاد الخوف يقتلعه من جذوره ويعتصره من شدة الرعب، إنها تعي جيدا مصيرَها الأسود الذي ينتظرها إن كَبتْ مهمّتُها ، فقد مرت بالتجربة عدة مرات وتعرف النتيجة حق المعرفة.
تضع القفة أرضا لتستعيد أنفاسها، يحلّق بصرها هناك وهنالك، ثم تستأنف المسير من جديد. صوت أبيها الأجشّ كالرعد يجلجل في فضاء سمعها، صداه يلاحقها ويدفع بها على ظهرها إلى الأمام، لا يمكنها الاِلتفات إلى الوراء، لأنه اتجاه ممنوع ومحفوف بالمخاطر. تتحسس الآن يدَه الشائكة تمرّ في لهفة على صدرها الهزيل، تتسلل بين فخذيها الرقيقتين، وتتمسح بكل الأرجاء داخل رقعة جسدها الضيقة. حفظت لازمته عن ظهر قلب وهو يضمّها إليه بزفير أنفاسه وصلابة راحتيه، فيكاد يخنقها ويكسّر ضلوعها ضلعا ضلعا:
– كبرت… غزالة… بابا يحبك، بابا يحـ بـ بـ بـ…ك ك ك …
تنعتق أحيانا من قضبان هذا الضمّ الخانق لروحها عند صراخ أمها الصاخب وهي تهرول صوبهما:
– يا بن الزنا، إنها ابنتك، ابنـ نتـ ككك… لعنة الله عليك يا ولد الفاجرة… الله يعطيك مصيييبة …
يدفعها بصلابة يده الغاضبة، فيرمي بها بعيدا، ثم يغادر وهو يصبّ جام اللعنة عليها وعلى من أنجبها وعلى الجميع. وما عدا تلك اللحظات التي تتدفق فيها مشاعره فيغدو في كلامه هادئا، فإنه على الدوام ثور هائج يخور في وجهها نارا، خاصة إذا لم تنحن لطلباته التي لا تنتهي.
هو الآن أمامها يمدّها القفة، ينظر إليها واللهب المنبعث من عينيه الجاحظتين يلفح نظراتها، يحرق عينيها الذابلتين المنطفئتين، وبصوته
الصاخب يزمجر في وجهها:
– اِصغي إلي جيدا، لا تعودي إلى البيت إلا والقفة فارغة، اِحذري التصرف في النقود، السرقة حرااام، وخيانة الأمانة حرااام… هل تسمعين، هيا انطلقي، اِنطلقي…
ثم يدفعها بمقدمة أصابعه الخشنة المحدودبة حتى تكاد تسقط على وجهها.
تضع القفة أرضا، تفتح يدها بصعوبة، تُطبقها ثم تفتحها، تمدّدها لتتأمل احمرارها الذي يكاد ينفجر دما، تبحلق في بصمة مقبض القفة التي تشكلت بدقة متناهية على راحتها الرقيقة، تسترجع أنفاسها وتتخذ بداخلها قرارا:
– حلواي لا بد أن أشتريك، سأشتريك في العودة، لن يكتشف أمري، مهما كان الأمر سأشتريك…
تبتلع ريقها، تنقل القفة إلى يدها الأخرى ويقودها المسير إلى وجهتها. لكن، ماذا لو لم تعد بالقفة فارغة ؟ لا يزال توقيع الحزام يتكلم على ظهرها، والرضوض والكدمات تؤثث رطيب جسدها، تتدخل أمها لتنقذها من مخالبه وهي تصرخ ملء جوفها:
– اُتركها يا بن الزنا، يا سكّير، ستزهق روحها بهذا الحزام، ما ذنبها إن لم يُيسِّر لها الله اليوم! كان الأحرى بك أن تقوم أنتَ بهذا العمل يا جيفة الرجال…
ثم تدفعه، فيكاد يُسقطه ترنّحُه أرضا لولا تمسّكه بالجدار. يغادر وهو يصبّ جام اللعنة عليها، وعلى من أنجبها وعلى الجميع.
وبعد أن يخبو غضبه، وفي عزّ الليل تستفيق على يده تزمّ شفتيها، والشوك ينغرس من جديد في صدرها وبين فخذيها وفي كل أنحاء جسدها. يلتهمها الذعر، يقطع لسانها الخرَس، ترتعش فرائصها بصقيع اللحظة، ثم تغرق في بحرٍ من دموعٍ حرّى تحت أعين الصمت وتموّجات الظلماء.
تكفكف دموعها الهائجة، تبسط على الأرض مفرشا أبيض تؤثث أرجاءَه البُقعُ الداكنة، تحكّ من فوق لباسها صدرَها ومناطقَ مختلفة من جسدها، تُخرج من القفة محتوياتها وتشرع في ترتيبها على المفرش. يغرق فمها باللعاب من جديد، تبلعه ثم تبدأ في المناداة على زبائن محتملين.

السابق
حيزيَّة وسعيِّدْ قصة حب جزائرية
التالي
سؤدد

4 تعليقات

أضف تعليقا ←

  1. إنه وجه من أوجه الوجع الذي يؤثث الكثير من المجتمعات البئيسة، اختزلته البطلة بلون القتامة لما تعانيه من مرارة العيش… بالفعل، تعيش المسكينة “قطعة من قطع جهنم” بتواطؤ مع الصمت والظلمة… شكرا أستاذ يحيى لقراءتك المكثفة لمضمون القصة. تحيتي

  2. قصة قصيرة نموذجية .. لفت انتباهى الحيادية التامة التى تعامل بها الكاتب مع شخصيات القصة . يعرف الكاتب المبدع كيف يخفى نفسه بمهارة بين طيات السرد . الكاتب مثل الطبيعة , لا يعرف الحلال والحرام , والقيم الأخلاقية هى من مواضعات البشر ( النسبى ) , أما الكاتب فهو فى مصاف ( المطلق ) .. يبسط الكاتب موضوعه ويدع الأحكام للمتلقى دون أى تدخل منه . تلك هى روح القصة القصيرة . وذلك هو شأن الفن عموما . يسيل لعاب البنت كلما مرت على الحلوى التى تحبها فى طريق الشوك الذى تقطعه يوميا , حيث يدفعها أب قاس لا يعرف الرحمة ولا التقوى لتبيع أغراضه . تفرش ملاءتها , وترص البضاعة وترجو البيع , والا فان فى انتظارها الحزام الجلدى يرصع ظهرها أن لم تفرغ محتويات القفة . يبخل عليها حتى بحذاء يناسب وعورة الطريق بعد أن صارت هزأة بين أترابها برائحة الحذاء الذى بلى وضاق . تزود عنها امها , وتدفع عنها اذى الأب المتوحش اذ يجلد جسدهاعند أقل تقصير . لكنها تغفل عنها اذ يهبط الليل . فيتسلل الوغد ينتهك جسد البنت , ويلوثها . لا يستحى النذل من اظهار رغبته وشبقه فى وضح النهار , فتزجره الأم وتدفعه واصفة اياه بأقبح الصفات فينسحب صاغرا . ولكن من للصبية عندما يسدل الليل سدوله وتنقلب الأم مغشى عليها من سعيها طيلة النهار لرعاية بيت غفل عنه ربه وصاحبه ؟ .. لكن الصبية لا يشغل بالها الا التدبير لاختلاس قروش من حصيلة البيع تبتاع بها الحلوى التى راودتها وأسالت لعابها , وهى تخوض صراعا داخليا من أجل اقناع نفسها بأن ما هى مقدمة عليه ليس حراما , ولا يعد سرقة , ان هو الا بعض حقها الذى لا تحصل عليه لقاء جهدها وسعيها ودأبها فى بيع البضاعة , وهى ترجو ألا ينتبه الأب القاسى الى ماتدبر لاختلاسه من قروش . والمفارقة الحادة مابين السطو المأساوى على براءة الطفلة , واغتصابها شبه اليومى ممن أوكل اليه رعايتها وصيانتها , وبين الحلم الساذج والصراع الطفولى التذى تعانيه الصبية , يكمن فى تلك المفارقة جوهر القصة . وتكشف تلك المفارقة مدى التردى الانسانى والحضارى الذى تعيشه قطاعات من البشر تحت وطأة الجهل والفقر المادى والروحى . وينقلنا النص فى مستوى تالى للتلقى الى المأزق الذى يواجهه العصر , ومدى نجاح منظومة القيم التى تبنتها المؤسسات المعاصرة . اذ بينما يلهث التقدم الصناعى والتكنولوجى الى آفاق بات من غير الميسور التكهن بالمدى الذى سوف تصل اليه , تغفل تلك المؤسسات عن السوس الذى ينخر فى أصل وأساس المجتمعات الانسانية حتى لينتج لنا تلك النماذج البشرية المغرقة فى الانحطاط . كما يغفل عن انتهاك انسانية الانسان ممثلا فى تلك الصبية البريئة التى يمتص منها رحيق الحياة , بينما هى لا تحلم الا بقطعة حلوى . قصة رائعة صيغت بأسلوب غاية فى الرقى . استخدام راق للغة . وانتقال رائع وسلس بين مفاصل السرد . اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة منح القصة مصداقية . ووشى بمدى اندماج الكاتب مع نصه ومعايشته للحالة . منحنا الصدق الفنى شخصيات حيه حتى لتكاد تلحظها تتحرك حية بين السطور . وبرع الكاتب فى استخدام اللغة المكثفة الموحية كما فى العبارة ( يده تزم شفتيها , والشوك ينغرس من جديد فى صدرها وبين فخذيها …. الخ ) أغنت تلك العبارة الوصفية الشاملة عن الكثير من السرد والإطناب . كما وشت بالمعايشة الكاملة للحظة المعاشة . وأوحت كلمة ( من جديد ) بتكرار الفعل يوما بعد يوم . وهكذا تمكن اللغة المطواعة الكاتب من الايجاز والبلاغة فى التوصيل فى آن .. تحياتى للكاتب الأديب المبدع نجيب الخالدى .

    1. قراءة باذخة في القصة، أنارت باحترافية مميزة أهم العناصر المكونة لبنيتها، أعتبرها قيمة مضافة للنص، بل هي نص نقدي بامتياز جدير بكل اهتمام… أستاذ محسن الطوخي سرتني كثيرا هذه القراءة التي أعتبرها شحنة محفزة ليراعي… شكرا لك، وكل عام وأنت بألف خير

  3. قصة بائسة من بؤساء الأرض، تعيش هذه المسكينة قطعة من قطع جهنم في عز الحياة، كم هو قاس هذا الزمن وكم هو قاس هذا الفقر والجوع والمرض، وكم هم كثر أبناء زنا من أمثال صاحب القفة.

اترك تعليقاً

*