القصة القصيرة جدا

صناعة السعادة

كنت أنظر اليه مشفقاً عليه مرة، وحاسداً له مرات في طريقة تعامله معنا ؛بسبب تخلصه الحسن من كل المشكلات التي تكرر وقوعنا فيها؛ علمته أمه منذ الصغر أن يكون متسامحاً وصبوراً، رغم إساءتنا إليه ،وغرست فيه حب الآخرين ومساعدتهم ،ولأنه أتقن فن الحب والتسامح ،وتمرس فيه ،كان بإمكانه أن يدخل السعادة لقلبه ولقلوب الآخرين ، كان يسارع لمساعدتنا في أي عمل نطلبه منه ،فحرص الجميع على مصادقته؛ رغم نفورنا منه، في لقائنا الأول بالمدرسة .
حينما استلم وظيفته كان متعاوناً وسمحاً ؛يهش لكل من يلقاه ، لقد كان سعيداً بدعوات أمه التى ألهمته نفس الطريق ؛الذي كان عليه بيننا في المدرسة، ولأنه ودود ومتقن لعمله؛ أبدع إبداعاً مميزاً في وظيفته، وترقى من خلالها لمناصب عليا ، أبعدته عنا كثيرا ً، لم نعد نراه إلا نادراً،لكنه لم ينس أن يبتسم ،وهو يساعد الاخرين بل ويضحك بملء فيه على أشياء لا تستحق الضحك.
اليوم أتذكره وأنا أدرج نحو العقد السادس ؛لا أذكر أن أحداً تكلم معي بهذه اللغة النادرة ، والعملة المفقودة، وإنما تلذذ من حولي بالمعاناة ؛وهي حقيقية ،سألت نفسي حيناً :هل عشت حياتي بالمعنى الحرفي للكلمة ؟ هل تمتعت بها ،هل لحياتي رساله ؟ هل لي أهداف ؟ أسعى لتحقيقها ؛أم أنني أنتظر الموت الزاحف من أطرافي الباردة.
هتفت بأعلى صوتي :ليس هناك ما أخسره ؛إن عشت بقية حياتي بنفس طريقته ؛رغم الألم الضخم الجاثم على صدري ،وصدور من حولي ،تعلمت أن أتفاءل في أحلك الظروف.؛لغد أفضل لا أقلق لشأنه ،وماضٍ عبر لا أمل برجوعه، لا أنتظر أن أصل نبع السعادة البعيد الغائب والهارب خلف الأمنيات ؛بل سأدشن سعادتي مع كل نفس على حده ، فربنا لا يحاسبنا على المستقبل؛ بل على ما اقترفته أيدينا.

السابق
عطب
التالي
أجيالٌ

اترك تعليقاً

*