القصة القصيرة جدا

صهيل

اِنْزَوى في غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ ؛ بعيداً عن الضَّجِيجِ المُنبعَث من ماكينة الطَّحِين ؛ المجاورة لبيت أبيه , فسلطان النوم غاب عنه الليلة , والوسواس ركب رأسه .. قطع عليه كل السبل حتى لا يضع الرتوش الأخيرة لقصته الجديدة , فالغد آخر فرصة للمشاركة في المسابقة السنوية .. لفه كدِر العيش .
تذكر مقولة سمعها ذات صباح من شيخ ضرير مر على ديارهم (يا ولدى إذا أصابك الأَرَق فألقى بنفسك في أقْرَبِ مِغطَس بارد ؛ تعود من بعدها صافي الذهن) .
راقت له الفكرة .
عمد إلى مسجد القرية ؛ حيث يوجد خزان المياه الارتوازيّة , والدش , وفرصة أصْلى من بعدها صلاة الفجر جماعة .. حمل المِنْشَفَةُ وبَروة الصابون و{الليفة} , ومد الخطى .
في منتصف الطريق هبط عليه الوحى ؛ يحمل النهاية التى كان يبحث عنها من أول الليل لقصته .. تململ في خطوه .. عندئذ ترصده له الوسواس الخناس ليصده عن المسجد ؛ طنطن في روعه .. هذه فرصتك , الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة .. عد وسجلها قبل أن تهرب منك .. توقف في مكانه .. أجل , فالجائزة خمسة وعشرون ألف جنيه .. تحل الجزء الأكبر من مشكلاتك ؛ تخلصك من الصخب الدائر حولك بالليل والنهار , وتمكنك من تجهيز عشك الجديد ببحرى البلد , وتركب الريح .
سمع هفيف رطب يلقي في أذنه اليمنى بأعذب النغمات .. الوحى يأتي من السماء .. أكمل مسارك , وأدى ماعليك ؛ تجازي بأحسن منها .. دارَ رأسُه .. جال بخاطره حديث (اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في رجل قتل تسعة وتسعين نفساً , وأكملهم مئة لمن
قال : لا توبة لك) .
تململ في مكانه .. من أين يأتينى الملك في صورة آدمي يهدينى ؟.
في قدوم جاره عم {عطية} يمتطى دابته العرجاء , قطع عليه حبل تفكيره .
سأل : من أين مجيئك في تلك الساعة المتأخرة ؟ .
بابتسامته المعهودة أجاب {مياه الترعة نشفت} , وأصبح الدوران في الساقية ضرباً من العبث {الصباح رباح يا أستاذ} .
تَحَرَّجَ أن يأخذ رأيه فيما يكتنفه , وخشى العودة للدار يدون نهاية القصة , فلقد رأى جاره المفوطة على كتفه , والصابونة و{الليفة} في يده .
عاوده الطنين مرة أخرى .. تَرَضّي لنفسك أن تكون مُراءٍ ؟.
استدار يلوى على كتابة نهاية القصة , فالفجر ممدود لشروق الشمس .
خطوات قليلة .. إذ بحصان أبيه يطلق نوبات صهيل عارمة .. توارت معها ضجيج ماكينة الطحين , ما إن وصل , و وقف على رأسه , نَفَقَ .

السابق
حيرة
التالي
استثناء

اترك تعليقاً

*