القصة القصيرة

ضد مجهول

أوقف سيارة الأجرة التي يعمل عليها بعد أن احتدم النقاش بين الركاب حول الأزمات والغلاء والفساد المنتشر، صمت الجميع بعد أن التفت لهم وأخذ يتصفح وجوههم بنظرات باردة، ضحك ضحكة ساخرة مدوية ثم نزل من سيارته وفكك حبلا فوق السقف كان يربط به بعض الحقائب وتوجه ناحية لوحة إعلانية ضخمة لبرنامج توك شو سيقدمه أحد رجال الإعلام المتلونين بلون الحاكم والمروجين لسياسات الحكم أيا كانت، صعد وهو يضحك في جنون على السلالم الحديدية حتى وصل إلى وجه الإعلامي المبتسم فعقد أمامه الحبل بإحكام ثم لفه حول رقبته بقوة وألقى بنفسه.
كان الركاب يراقبون ما يفعله وكأنهم يحضرون فيلما سينمائيا على قناة الأكشن فلم يتحرك أحد منهم حتى سمعوا صوت تكسر فقرات عنقه وجحوظ عينيه وخروج لسانه كأنه يسخر من جدالهم تاعقيم الذي لا ينتهي.
انهارت سيدة في البكاء بينما أخرج الأغلبية هواتفهم المحمولة لتسجيل الموقف، ذهب أحد المتعجلين إلى الطريق بحثا عن سيارة يكمل بها رحلته لاعنا السائق وتوقيته الذي لا يناسبه.
كان المشهد الغريب لجثة تتدلى من إعلان على الطريق السريع ملفتا للجميع حتى توقف السير تماما، حضرت الشرطة بعض قليل. سأل أمين الشرطة والسيجارة في يده عما حدث فأخبره من بقي من ركاب السيارة بما قام به السائق، أكمل محضره في هدوء وحصل على هوية أحد الركاب الذي تبرع بالشهادة للذهاب إلى النيابة إذا استلزم الأمر ثم طلب من أحد مساعديه قيادة السيارة إلى قسم الشرطة المختص حتى يظهر لها صاحب، وصل الخبر سريعا إلى موقف السيارات عن طريق بعض السائقين المارين فحضر مالكها الذي يعمل موظفا إداريا في الموقف الذي انطلقت منه إلى موقع الحادث، رغم مرور أكثر من ساعتين إلا أن أحدا لم يستطع إنزالها بسبب سيارة المطافي التي تمتلك سلما يمكن به الوصول إليه، ما أن شاهده مالك السيارة متدليا حتى صرخ وهو يضرب على وجهه:
– لماذا فعلت ذلك يا سيد؟ على ماذا حصلت الآن؟ نصرتهم عليك يا ولدي، لن يهتم أحد برحيلك، لا يشعر أحد بأحد في هذا الزمن، ما ذنب أولادك الصغار تيتمهم بيدك.
ظل يصرخ في ألم والناس تحاول تهدئته حتى جلس على جانب الطريق يتأمل في ذلك الجسد الذي تلهو به الريح بلا حول ولا قوة ويحدث أـمين الشرطة الذي سأله عنه.
– نعم عاش حياة هامشية بلا حول ولا قوة، لطمته الدنيا منذ كان طفلا فعمل معنا في الموقف مناديا ثم تباعا ثم سائقا، ظل مسحوقا طوال الوقت ولكنه كان قويا يحلم دائما بأن يمتلك سيارته الخاصة وكان قريبا من ذلك.
– ولماذا حدثت له هذه الانتكاسة؟
– زيادة الأسعار الأخيرة ضيعت نصف ما ادخره ورفعت أسعار السيارت أكثر من الضعف، تمكن منه اليأس تماما، لكن لم أكن أتوقع أبدا أن ينهار بهذه الطريقة.
أغلق وكيل النيابة المحضر دون أن يرفعه إلى المحكمة، حادث انتحار والسبب مجهول.
قبل أن يقوم من مكتبه جاءته إشارة من قسم الشرطة القريب بوجود جثة مشنوقة في إحدى الغرف بالحي الراقي القريب وتحتاج إلى معاينة.
ذهب مع معاونه مسرعا ليتمكن بقية فريق التحقيق من مزاولة عمله، وصل إلى الفيللا الفاخرة فوجد حراسات كبيرة وقيادات أمنية هامة، فالقتيل رجل أعمال معروف.
وصل مباشرة إلى غرفة المكتب الموجودة بها جثته، أخبره ضابط التحقيق أن زوجة القتيل هي من اكتشفت الجثة في الصباح فحدث لها انهيار عصبي نقلت على إثره إلى المستشفى، وليس لهم سوى إبن واحد يدرس في الخارج، ثم أخبره أنه قد ترك رسالة وداع:
– كل شيء ضاع، خسرت كل أموالي بسبب الفساد وعدم قدرتي على مخالفة ضميري بدفع الرشاوي، وأكملت على ما تبقى مني مقاومتي الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، سامحوني، موتي أفضل من حياتي لكم، أحبكم.
عاد الوكيل إلى مكتبه ليكمل إجراءاته الروتينية، أغلق المحضر في ساعته وتاريخه، حادث انتحار، والسبب مجهول..

السابق
أنشودة البحر
التالي
حضن بارد

اترك تعليقاً

*