قراءات

ضريبة النور في نص “أوتار”

للكاتبة ريتا الحكيم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

النور ضدّ العتمة، وهو مطلب روحي بالأساس
الذات الانسانية، كل ذات تتوق إلى النور، مهما كان مصدره ولاسيما أن يكون النور المنبعث من فجوة في الذات قد لا ندركها، لكننا نشعر به ونتوق إليه ونركب المغامرة من أجله عندما يسكننا قد نلج المستحيل حتى نصل إليه، لكن قد نصل إليه ونحن جثة هامدة بلا روح، بلا أنفاس، بلا مشاعر تلك هي لذة المغامرة، وتلك هي ضريبة النور..
الجدران: رمز للسجن الأبدي قد تكون الحياة، وقد يكون الجسد.
هذا هو الإنسان المطوق بمجموعة من القيود التي يسعى جاهدا لكسرها وتدميرها علّه يحقق الانعتاق، لكن هل أن الانعتاق غاية أم وسيلة؟
لا أحد يملك الإجابة فالإنسان توّاق بطبعه إلى معانقة المجهول وما وراء الطبيعة.
ها هو البطل يعيش تجربة قاسية قد تاق إليها تجربة الخلاص التي ستؤدي به إلى سجن أبدي
هذا هو الإنسان الذي يرفض محدوديته ويتوق إلى معانقة اللامحدود.
هاهو البطل يتهاوى كما تتهاوى صخرة سوزيف، وإن حقق بعض الانتصار فهو واهم حتما
“ما إن وصل إلى آخر نقطة حتى هوى من عل وارتجت الأركان من صوت استغاثته. هذا ما جعله يحتضن حنجرته ويربت عليها مواسيا، وهو العاجز عن الحركة بعد هذا الهبوط الحر”
أجل الإنسان العاجز أمام قوى مفارقة، واخرى قهرية استبدادية.
من هنا نراه يطمح إلى خوض تجارب تتحدى الذات البشرية، تجارب خارقة، أسطورية…
تجربة الجرذ/ الرجل العنكبوت/ باتمان….
كلها تؤكد أن الانسان في صورته التي خلق عليها عاجز، لا يمكنه تحقيق ما يصبو إليه خارج دائرة
“الأسطرة” فمنذ بعثه على وجه الأرض عاش تجارب خارقة لمقاومة المجهول ومحاولة تحقيق الخلود. إنه الزيف والوهم في أرقى تجلياته..
“رفع عقيرته بالغناء عله يستجلب أحدا من الحراس، أتاه الصوت حشرجة ولم يعد يرى تلك الكوة ثم غرق في ذرات تراب أهيلت عليه من حيث لا يعلم” وتلك هي النهاية “التراب” أجل التراب تلك هي النهاية، لكن من يمكن أن يتأمل هذه النهاية، لا أحد..
الكل يركض نحو الدنيا يستعمل كل الأساليب القذرة من أجل هذه الدنيا متناسيا التراب تلك اللحظة الأخيرة حيث يتوحدّ الانسان مع طبيعته الأولى مع أصله، من تراب خلق وإليه يعود… من حيث لا يعلم… من حيث لا يعلم..
** المنظور في قصة أوتار:
لا توجد قصة بدون منظور، والمنظور عبارة عن العين التي يتم من خلالها سرد الحدث، والسرد في القصة تمّ بالمنظور الكلاسيكي/ الراوي العليم الذي يلتقط تفاصيل الأحداث ويمررها أمام أعين القارئ فيلتهمها حتى النهاية…
وأرى أن الكاتبة قد وفقت في اختيار هذا المنظور، لأن الحكاية لن تستقيم في ذهن المتلقي إذا جعلت السرد بضمير المتكلم.. برغم أنه هو الذي يعيش الحدث فلن يتمكن من التقاطه بالكيفية التي التقطها الراوي الراصد للأحداث، كعين الكاميرا التي تنقل كل ما تشاهد وتلتهم التفاصيل دون اعادة تركيب أو حذف أو تصرف…
بعيدا عن مخرج متسلط، مستبد يدعي أنه يمتلك أدوات المعرفة ويريد أن يخرج علينا بعمل زائف كاذب، يقوم على التزويق وتزييف الحقائق..
إن الكاتبة ريتا الحكيم تلتقط تفاصيل اليومي وتوغل في المعاناة بأسلوبها ورؤيتها للأشياء تلك هي ريتا في نصوصها التي تابعتها على امتداد زمن، وتمنيت أن أكتب حولها لكن الكتابة عندي لحظة معاناة، عندما تلجني ألج النص مباشرة دون جذاذات، أو أوراق، أو مراجعة وهاهي الفرصة التي أتيحتْ من طرف الأستاذة الكريمة سعاد العتابي، في برنامجها “نص ورؤية” قد فسحتْ لي المجال لأرتحل في هذا النص، الذي أكن لصاحبته، كل التقدير والاحترام والتبجيل وإني أكتب هذه المحاولة وانا على فراش المرض، وللمرض أبعاد وأبعاد، وهو تجربة قد نعيشها بمرارة، لكن تجربة ملهمة، للذي لم يجربه…
وتجربة قاسية، حينما يكون حكم الأطباء، أن تغادر عالم الكتابة…
لكن أبدا لا يمكن ذلك فالكتابة سرت في العروق كما الدماء… وربما الابتعاد عن عالمها هو الموت الحقيقي…رغم أن هذا العالم عالم مشحون بالأحقاد… والمرارة… 
المعذرة إن خرجتُ عن النص…..

في الختام:
أعتذر ريتا الراقية، إن قصرتُ…والقادم أفضل..إن شاء الله..
أرجو لك التوفيق في كل أعمالك..
وأهمس لك بهذا المقطع الذي أحبّه:
وهو هدية مني إليك: ريتا الحكيم

هتفت ريتا
ذات مساء، تغزوه فتنة الشهد
و تفتضّ صومعة الوجع
ارتعشتُ من سطوة الهجر
دفنتُ آثار الدمع تحت مخدّتي
وهمستُ لها:
سأهطل في أرضك الليلة
يا حمامة السلام
ويا قطعة من الفردوس

السابق
السهو موت، والحياة محض زمن، قراءة في نص “آسف.. حدث سهواً”
التالي
غيرة

اترك تعليقاً

*