القصة القصيرة

ضياع

نهض من نومه، لم يجد صديقه الذي عاش معه لسنوات في سرير واحد !
وجد رسالة: صديقي العزيز أنا سافرت، لا تقلق عليّ، عندما أجد مسكنًا وأستقرّ به أتصل بك؛ فلا تقلق عليّ…أحبك.
قرأها بدموع ذارفة ورأس مطأطأ أين ذهبت حبيبي، لماذا لم تخبرني؟! يا إلهي ماذا أفعل ؟!
لم يعرف ماذا يفعل؛ فقد سيطر القلق والحيرة عليه، صار كالمتشرد لا يعرف ما يريد ! راح يتصل به ويحاول الوصول إلى خبر عنه
– الرقم المطلوب مغلق أو خارج نطاق التغطية.
انتابته الحيرة، أخذ يبحث عن أمر عن صديقه علَّه قد ترك له ما ينفعه في الوصول له وما من جدوى.
مرت الشهور وهو لم يعرف ماذا حصل لصديقه.
بعد أيام رن هاتفه مرر يده بجيبه
_ ألو ألو حكيم أين أنت ؟!
_ من حكيم ؟! أخي الفاضل أنا وجدت هذا الهاتف على الأرض ورأيت منك مكالمات لم يرد عليها فقلت أتصل وأعرف منك
– أخي هذا هاتف صديقي حكيم، منذ أكثر من سنة وأنا أتصل به ولكن لم يردّ.
_ أخي العزيز وأنا مار من هنا وجدت هاتفًا يرن عارضًا رسالة ( لم يبق الكثير من الانتظار !) فلم أفهمها ثم وجدت مكالماتك واتصلت بك.
أغلق الهاتف بتنهيدات مع نفسه متلعثمةٌ حروفه ودموعه كنهرٍ جارٍ !
راح يبحث في البيت، لم يترك زاوية إلّا وفتَّشها وما من جدوى. فجأةً جاءه إلهام وكأنه شخص في داخله يقول ابحث مكان ما كنتما تشكيان همّكما لبعضكما بعضًا، طار فرحًا وصار يركض ويسقط أرضًا فيعاود الركض فيسقط، صارت رجلاه تتعثر ببعضها بعضًا وكأنه قد وجد حلًّا لأزمته.
توقف وعاد غسل وجهه وتوضأ وصلَّى ركعتين قربة إلى الله تعالى وقد انشغل بالتسبيح والدعاء طالبًا من ربِّه أن يدلَّه على ما ينفعه للوصول إلى خليله؛ فهو لم يكن ليتركه فقد كان نفسهما واحد يأكلان من طبقٍ واحد، لا يتفارقان أبدًا، أتم صلاته قرَّر أخذ قسط من الراحة وصباح اليوم التالي يواصل البحث.
وما إن سرح في التفكير وهو على فراشه رأى شخصًا ملابسه بيضاء والنور يشعُّ منه
_ يا أنت، أتنام ولا تعرف خبرًا عن حكيم، لا تعرف حتى إن كان حيًّا؟!
صارت عيناه في رأسه، متلعثمًا أراد التفوه بحرف
_ أأأ
_ اخرس …
فز من نومه مفزوعًا، لم يجد تفسيرًا لما حدث مردِّدًا مع نفسه من هذا وما يريد مني ؟!
أراد العودة إلى النوم، كلَّما أغمض جفنيه أحس بمن جاءه وكأنه يلاحقه لم يتركه، يظهر أمامه كلَّما أراد التأمل!
ربِّي ماذا أفعل ؟!
يسأل نفسه من غير أن يجد جوابًا يرشده،
بعد لحظات جاءه صوتٌ لم يعرف مصدره يرتد في أذنه ثلاثًا بفعل الصدى !
هرع من مكانه متعثرًا برجليه راكضًا قاصدًا بتلك الضلمة الشاطئ هناك عند تلك الخشبات الملونة التي تطلّ على البحر، استلقى مكان ما كان يسلقي صديقه والذكريات تجره الى حنينه كروج يصدم سفينة بقوة فيبعثر ألواحها ويغرق كلّ من فيها !
ظل يسامر تأملاته فتراه تارة يضحك وتارة يذرف الدموع وتارة أخرى يضحك ودموعه تجري في آن واحد، صار يتذكر مذ يوم لقائهما فمن يعلم أنَّ القدر يخلق روحين من مشاجرة، كانا قد تشاجرا مشاجرة شرسة قبل أن يصبحا روحًا واحدة في جسدين.
غفى وهو يتأمل حتى طلت الشمس على رأسه وصار الذباب يطنطن على خديه،
صحى من نومه فوجد يد شيخٍ كبير ممدودة تجاهه حاملة قطعة من الخبز وكأس ممتلئ بالماء
_ تفضل، أراك جائعًا
_ شكرًا لك يا شيخ
أكل وشرب من دون أن يشعر بطعم وكأنه قد فقد حاسة الذوق !
عاد إلى البيت كالمسكين الذي خابت آماله وما يَئِس.
غابت الشمس وكان الغروب على مقربة،
شرد في تأمله صُعِقَ بصوت ذلك الشخص أأنت هنا ؟!
اذهب حكيم يحتاجك كيف ترتاح من دونه ؟!
متلعثمًا لا يعلم ما يفعل
_ ولكن أين أذهب ؟!
جاءه إلهام أن اذهب إلى الحديقة قد تجد شيئًا، أسرع مكان جلوسهما كل يوم هناك تحت شجرة الرمان، قعد بجانبها، شرد متأملًا فجأةً صار أمامه ذلك اللقاء الذي كان بجانب الشجرة.
_ صديقي قد أسافر إلى ألمانيا للدراسة؛ فقد تبرع أحد أقربائي بالتكاليف وطلب أن أذهب هناك وأدرس قبل أن أستقرّ معه.
_ ولكن كيف بي وهل ستتركني ؟
_ والله لا أعلم صديقي، وأنا لا أريد تركك
_ إن ذهبت سأذهب معك.
فزّ من شروده متبسِّمًا، رجع إلى البيت كالمطمئن، اتصل سائلًا عن أول طائرة إلى ألمانيا.
وصل وهو متحير في أمره لا يعرف أحدًا هنا،
جاءه الضلام ومعه الحيرة وذاك الشخص يردِّد في أذنيه: لقد وصلت !
بينما كان سارحًا في تفكير رنّ الهاتف، أخرجه كالهلوع:
_ ألو ألو
_ السلام عليكم أخي الفاضل.
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
_ أخي هل أنت أحمد ؟
_ نعم نعم، أنا هو ولكن من أنتِ ؟
_ أنا ممرضة في مستشفى العاصمة برلين، لدينا مريض يدعى حكيمًا طلب مني الاتصال بك مريدًا إياك.
سقط الهاتف أرضًا من شدة صرعه بما قالت، راح كالمجنون إلى المستشفى حافي القدمين، وصل صارخًا أين حكيم، أُشير إلى غرفته… بدموع حارقة:
_ صديقي ماذا فعلت ؟! لِمَ تركتني وحيدًا ؟
يا حبيبي أحببتك مذ عرفتك، عاهدتك وعاهدت نفسي ألّا أتركك ولكن ما أردت أن أخبرك بحالي فأتيت إلى هنا علَّك تسامحني .
مسح دموعه ويداه ترتجفان:
_ ولكن ما بك ؟!
_ لم أكن لأخبرك في ذلك اللقاء فقلت أنني سأسافر للدراسة لكنك أبيت أن تتركني فاضطرِّرت للسفر لأني مصاب بالسرطان !
ماذا ؟! كيف؟! ماذا تقول أنت ؟!
أغمي عليه من الصاعقة…
_ وداعًا يا أحمد …
بعد ساعتين استعاد وعيه مردِّدًا أين حكيم؟ أين صديقي ؟ جاءه الردُّ ساطرًا أياه: ذهب إلى ربِّه تاركًا لك طلب السماح ( أحبك )
أحرقت دموعه خديه قطِعَتْ أنفاسه.
دفنوهما معًا كاتبين على قبرهما: “أحمد وحكيم مثال للصداقة الحقيقة”.

السابق
كاتب
التالي
مسخ

اترك تعليقاً

*