القصة القصيرة

طبيبانِ

أجرى الطبيبُ النابغة الكشوف المعتادة على العين، سجَّل نتائج قياس النظر، وضغط قاع العين، واطمأنَّ على الشبكية والقرنية، وفحص الجفون، ثم هز رأسه بأسى انخلع له قلبي، وقال: هذه الحالة لم أرها من قبل، الجفن به ورم خفيف، ليس كيسًا دهنيًا، ربما كان انسدادًا بالقناة الدمعية، أو ورمًا حميدًا، لست أدري، لكني سأحيلكم إلى زميلة متخصصة في الجفون. (لم أكن قد سمعت من فبل بهذا التخصص)
لم ينتظر الرد؛ بل سارع بمهاتفتها، ووصف لنا عيادتها، وكتب سطورًا برأيه الطبي أعطانيها باسمًا، وأمر برد قيمة الكشف إلينا، وأصر على ذلك؛ بحجة أنه لم يفدنا بشيء.
زاد إعجابي بالرجل، وطاف بذهني ذكرى موقف حضرتُه، بالقرب من هذا المكان منذ حوالي عشرين عامًا:
داخل العيادة العتيقة بباب اللوق وقف صديقي الخليجي، يستعطف الجراح المشهور لسرعة إنقاذ أخيه، كنا في أوائل التسعينيات، وكان قد نقد الممرض مئة جنيه كاملة إكرامية، لإدراج الإسم ضمن كشوف اليوم، (المبلغ كان يوازي وقتها الراتب الشهري لموظف حكومي محترم من حملة المؤهلات العليا)، كان الطبيب قد عاين المريض من قبلُ في الخارج، وطلب حضوره إلى مصر، لإجراء جراحة دقيقة للوتر المقطوع بالفخذ اليسرى، إثر مشاجرة من المشاجرات الشبابية الدامية اليومية المعتادة هناك، كما تم الاتفاق على أن تكون أتعاب الطبيب سبعة عشر ألف دولار، وقد جاء بها صاحبنا في صورة شيكات سياحية، إذ لم تكن البطاقات الائتمانية قد ظهرت إلى النور، كما لم يكن له حساب بنكي في مصر، وكان يخشى السرقة والضرائب والمصادرة في المطار إن هو أحضرها نقدًا.
حين سمع الطبيب كلمة (راعِنا)، الجارية بعفوية على لسان صديقي؛ انتفض كالملسوع، واحمر وجهه غضبًا، وانتفخت أوداجه كبرًا، وهدر بصوت ارتجت له غرفة الكشف: “يا بُني نحن لا نبيع قوطة”، (لم يفهم صديقي في الحال ما يقصده بالضبط، وقد شرحت له فيما بعد، فاحمر وجهه هو، وهاج وماج، واعتبرها إهانة لا يمسحها إلا الدم، وأقسم أنه لولا حرصه على إجراء جراحة أخيه، لعاد ليفتك بالطبيب)، الصفعة التالية تلقاها حين فتح حقيبته، ومد يده للطبيب بسبعة عشر شيكًا من فئة الألف دولار، وقال بثقة وزهو:
– “تفضل يا دكتور”
نظر الأخير إليه بمزيج من الدهشة والاستنكار:
– ما هذا؟
(ولم يمد يده، فيما تسمرت يد صديقي في الهواء، كتمثال من الشمع، خاصة وقد امتقع وجهه، فصار لونه أقرب إلى جلبابه الخليجي الأصفر)
فتح صديقي فمه، لكن الكلمات لم تسعفه من شدة الغيظ، ولم ينطق إلا بكلمة:
– شيكات
فبادره الطبيب في برود:
– اصرفها، وعندما تكون جاهزًا بالنقد أبلغني.
ثم استدار عائدًا إلى مكتبه، مؤذنًا بانتهاء المقابلة.
بعد سنوات سافرت للخارج، وقابلت صديقي فسألته عن حال أخيه، فتمعر وجهه في الحال، ومط شفتيه ساخطًا وقال:
– لا يزال حتى الآن يعرج، رغم تأكيد الدكتور نجاح العملية.

السابق
وسام البطولة
التالي
حسبانٌ

اترك تعليقاً

*